روحت الغابة
وعدته إنك هتحافظ على الورق ده لحد ما إيميلي تكبر!
اتلفت ناحية أبويا.
خالي مات إزاي؟ وإيه علاقة موته بالورق اللي مخبيه هنا؟
أبويا قعد على البنش الخشب، وحط وشه بين إيديه.
وبعد صمت طويل، بدأ يحكي.
قال إن خالي دانيال كان بيشتغل في الأرشيف الإداري للمستشفى اللي اتولدت فيه، وبعد وفاة والدته، اضطر يساعد في ترتيب أوراق قديمة تخص العيلة.
وفي أثناء شغله، اكتشف اختلافًا في سجلات يوم ولادتي، ولما بدأ يسأل عن السبب، لقى إن فيه ملف كامل اختفى من الأرشيف.
قبل وفاته بأيام، زار أبويا وسلّمه الصندوق الصغير، وطلب منه يحتفظ بيه لحد ما أتم تسعتاشر سنة.
لكن أبويا ما قالش لأمي عن كل التفاصيل، لأنه كان خايف يظلم حد باتهام من غير دليل.
سألته
طب ليه استنيت لحد دلوقتي؟ ليه ما قلتليش من الأول؟
رد بحزن
لأن دانيال كتب في رسالته إن الملف ممكن يكشف حقيقة تمس مستقبلك، وإن لازم تتأكدي من كل حاجة بنفسك لما تكبري وتقدري تاخدي قرارك.
مديت إيدي ناحية الورقة، لكنه لسه ما سلّمهاليش.
فجأة، أمي قالت جملة خلتنا إحنا الاتنين نبصلها في نفس اللحظة
فيه سبب تاني خلّى دانيال يطلب من روبرت يستنى لحد عيد ميلادك التاسع عشر.
سألتها
إيه هو؟
أمي طلعت من شنطتها ظرفًا أبيض قديمًا، عليه اسمي مكتوب بخط إيد خالي.
وقالت
قبل وفاته بأسبوع، دانيال بعتلي الظرف ده، وطلب مني ما أفتحوش غير لما إيميلي تتم تسعتاشر سنة.
مديت إيدي أخدته منها، وفتحته بحذر.
جواه كانت فيه رسالة قصيرة، ومعاها مفتاح صغير، وورقة مكتوب عليها عنوان مبنى قديم في وسط المدينة.
بدأت أقرأ الرسالة بصوت مرتعش
إيميلي حبيبتي،
لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى إنتِ كبرتي وبقيتي قادرة تعرفي الحقيقة.
أنا آسف إني ما قدرتش أكون موجود في حياتك، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها الإجابة اللي بتدوري عليها مش موجودة في المستشفى، ولا في بيتكم.
الإجابة موجودة في المكان اللي بدأت منه الحكاية كلها.
روحي للعنوان المكتوب في الورقة، وخدي معاكي المفتاح.
وهناك، هتعرفي ليه عيلتك فضلت ساكتة كل السنين دي.
رفعت عيني عن الرسالة وبصيت لأمي.
إنتِ تعرفي المكان ده؟
أمي بصت للعنوان، وفجأة رجعت خطوتين لورا، وكأنها شافت شبحًا.
همست
مستحيل... المكان ده اتقفل من أكتر من عشرين سنة!
أبويا وقف بسرعة، وخطف نظره ناحية المفتاح.
وقال بصوت قلق
مارجريت، إنتِ متأكدة إن العنوان ده هو نفس المكان؟
هزت راسها، والدموع رجعت تنزل من عينيها.
أيوه يا روبرت... ده عنوان دار الرعاية القديمة اللي كنت بشتغل فيها قبل ما إيميلي تتولد.
سكتت لحظة، وبعدين بصتلي وقالت
وفيه شخص واحد بس كان يعرف كل أسرار المكان ده... شخص إحنا الاتنين افتكرنا إنه مات من سنين.
وقبل ما أسألها مين الشخص ده، موبايل أبويا رن فجأة.
بص للشاشة، ولما شاف اسم المتصل، وشه اتغير تمامًا.
رفض المكالمة، لكن بعد ثوانٍ وصلته رسالة.
فتحها، وقراها في صمت.
وبعدين مد الموبايل لأمي.
كانت الرسالة بتقول
عرفت إنكم فتحتوا الصندوق. لو إيميلي وصلت للمكان ده، لازم تعرفوا إن الملف الأصلي لسه موجود... وأنا مستنيكم هناك.
أمي شهقت، وأبويا قبض على المفتاح بقوة.
أما أنا، فكنت ببص للاسم اللي ظهر تحت الرسالة، الاسم اللي خلاني أحس إن السر أكبر بكتير من مجرد خطأ في سجلات المستشفى.
لأن الاسم ده كان اسم خالي دانيال نفسه!
لكن إزاي؟ وإحنا متأكدين إنه مات من سنين؟!
يتبع...
الجزء التالت الشخص اللي رجع من الموت!
فضلت باصة للموبايل، وبعدين رفعت عيني لأبويا.
بابا، إزاي الرسالة دي جاية من خالي دانيال؟ مش إنت قلت إنه مات؟!
أبويا ما ردش.
أمي كانت واقفة جنبي، وشها شاحب وإيديها بتترعش، ولما حاولت أسألها، حطت إيدها على بقها وبدأت تعيط.
صرخت فيها
ماما، أرجوكي! إنتِ كمان عارفة حاجة ومخبيّاها عني؟!
أمي بصتلي وقالت
أنا حضرت جنازة دانيال يا إيميلي... وشفت النعش بعيني. بس محدش سمحلي أشوف جثمانه قبل الدفن.
اتصدمت.
يعني إنتِ مش متأكدة إنه مات؟!
هزت راسها ببطء.
وقتها قالولنا إن الحادث كان شديد، وإن التعرف عليه صعب. أبوكي هو اللي استلم أوراق الوفاة، وأنا كنت منهارة ومقدرتش أراجع أي حاجة.
لفيت ناحية أبويا.
إنت كنت عارف؟
رد بسرعة
لأ يا إيميلي! أنا استلمت الأوراق الرسمية، وكل اللي اتقالنا وقتها إن دانيال مات في حادث عربية على الطريق السريع.
سألته
أمال إيه اللي يخليك تخاف من الرسالة دي بالشكل ده؟
أبويا بص للموبايل تاني، وقال
لأن فيه تفصيلة محدش يعرفها غير دانيال... وأنا.
قربت منه وقلت
إيه هي؟
طلع من جيبه ورقة صغيرة قديمة، كانت مطوية بعناية، وفتحها قدامنا.
كان مكتوب فيها بخط خالي
لو حصل أي شيء، المفتاح هيوصلكم للمكان الصحيح. ماتصدقوش أي رواية قبل ما تشوفوا السجل الأصلي.
أبويا كمل كلامه
دانيال كتبلي الورقة دي قبل الحادث بيومين، لكنه ما قالش أي حاجة عن المكان اللي يقصده.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي، وبعدها للعنوان.
وقررت إني مش هفضل طول عمري عايشة وسط أسرار محدش راضي يشرحها.
قلت بحزم
إحنا هنروح العنوان ده، وهعرف الحقيقة بنفسي.
أمي حاولت تمنعني.
يا إيميلي، المكان مهجور بقاله سنين، ومش عارفين مين اللي بعت الرسالة دي.
لكن أبويا وافق أخيرًا، بشرط إننا نروح في وضح النهار، ونطلب المساعدة لو لقينا أي حاجة مريبة.
تاني يوم الصبح، اتحركنا ناحية وسط المدينة.
المكان كان مبنى قديم من أربع طوابق، واجهته متآكلة، واللافتة اللي فوق المدخل كانت مكسورة، لكن قدرت أقرأ منها اسم دار الرعاية القديمة.
أمي فضلت واقفة قدام الباب، مش قادرة تتحرك.
قالت بصوت واطي
آخر مرة دخلت المكان ده كانت من عشرين سنة.
دخلنا من البوابة بعد ما تأكدنا إن المكان متاح للدخول وإن مفيش خطر واضح. كان التراب مالي الأرض، والشبابيك مقفولة، وفي آخر الممر لقينا مكتب الاستقبال القديم.
على الحيطة كانت فيه لوحة عليها أسماء الموظفين اللي اشتغلوا في الدار.
أمي قربت منها، وبدأت تقرأ الأسماء واحدًا واحدًا.
وفجأة، حطت إيدها على اسم معين.
دانيال مارجريت.
همست
ده اسم أخويا... بس هو عمره ما اشتغل هنا.
أبويا بص للاسم وقال
يمكن كان بييجي هنا بعد ما اكتشف اختلاف السجلات.
استخدمت المفتاح الصغير لفتح درج معدني قديم تحت المكتب. في البداية، ما اتحركش، لكن بعد محاولات، انفتح بصوت حاد.
جواه لقينا دفترًا سميكًا، ومجموعة صور، وظرفًا عليه تاريخ يوم ولادتي.
فتحت الدفتر، ولقيت أسماء أطفال وتواريخ ميلاد وأرقام ملفات.
لكن اللي شد انتباهي كان سطرين مكتوبين جنب بعض، بتاريخ ميلادي أنا والطفلة التانية اللي أمي اتكلمت عنها.
جنب اسمي كانت فيه ملاحظة
تمت مراجعة بيانات المولودة.
أما جنب اسم الطفلة التانية، فكانت فيه ملاحظة مختلفة تمامًا
يُرجى عدم إغلاق الملف قبل حضور المسؤول.
سألت أمي
يعني إيه الكلام ده؟
قربت مني، وفضلت تقرأ السطرين كذا مرة، وبعدين قالت
مش عارفة... بس واضح إن فيه حاجة كانت محتاجة مراجعة، والمراجعة دي ما حصلتش.
في اللحظة دي، سمعنا صوت باب بيتفتح في آخر الممر.
أبويا وقف قدامي، وأمي مسكت إيدي.
ظهر راجل كبير في السن، لابس معطف بني، وفي إيده ملف أسود.
بص لنا وقال
كنت عارف إنكم هتيجوا في يوم من الأيام.
أمي شهقت، ووشها اتغير.
أستاذ سامويل؟!
الراجل ابتسم بحزن وقال
أهلًا يا مارجريت. كنت أتمنى إننا نتقابل في ظروف أحسن من كده.
سألته بسرعة
إنت تعرف مين بعت الرسالة؟ وإيه حكاية الملف الأصلي؟
بصلي مباشرة وقال
قبل ما أجاوبك، لازم تعرفي إن خالك دانيال ماكانش بيدور على خطأ عادي في السجلات. هو اكتشف إن فيه مستندات