طلعت ع المسرح

لمحة نيوز


التعليم العالي، وأكمل
ولأن الإدارة الماليّة فتحت تحقيقاً بالتعاون مع البنك المركزي ومباحث الأموال العامة، اكتشفنا أن بطاقة الصراف الآلي المربوطة بحساب المنحة قد جرى استخراج نسخة إلكترونية موازية لها عبر تطبيق الهاتف، باستخدام البيانات الشخصية لسلمى، دون علمها. وتم تحويل 11 دفعة مالية كاملة، بمجموع تجاوز ال 180 ألف جنيه، مباشرة إلى حساب شركة مركز التجميل المملوك للسيدة نهى... أخت الطالبة!
تعالت الصيحات والشهقات في القاعة كصعقة كهربائية.
تراجعت نهى إلى الخلف في مقعدها وهي تحاول أن تغطي وجهها بشالها، بينما وقفت نادية أمها وصرخت بصوت مضطرب
ده افتراء! دي أموال عائلية وإحنا كنا بنساعدها! سلمى بنت صغيرة ومش بتعرف تدير الفلوس!
لكن الدكتور إيهاب لم يمنحها فرصة لمزيد من الفوضى، بل أشار بيده لأحد أفراد الأمن الإداري، وابتسم لسلمى بتقدير واحترام بالغالين
تفضلي يا سلمى... استلمي شهادة تخرجك بدرجة الامتياز مع مرتبة الشرف، والأولى على دفعة الخدمة الاجتماعية. ابنتك الصغيرة هذه ليست عاراً ولا عبئاً، بل هي شاهدة على أعظم مأثرة صمود شهدتها هذه الجامعة.
اقتربت سلمى من رئيس الجامعة، ويدها ترتجف. استلمت الشهادة المغلفة بالجلد الأحمر، والتفتت لنهر الجماهير

في القاعة. وفجأة، انفجرت القاعة بأكملها في تصفيق حاد ومتواصل، وقام الأساتذة والطلبة احتراماً لها، تحية لتلك الأم الشابة التي وقفت كالجبل في وجه الفقر والقسوة والغدر.
أول ما وطئت قدم سلمى العتبة الخارجية لقاعة الاحتفالات، كانت هناك سيارتان تابعة للنيابة العامة ومباحث الأموال العامة متوقفتين بالخارج.
كان يقف بجوارهما اثنان من المستشارين القانونيين للجامعة، وبرفقتهم ضابط برتبة مقدم.
خرجت نهى وأمها نادية تسابقان الخطى تحاولان الخروج من البوابة الخلفية لتتجنبا الفضيحة، لكن ضابط المباحث تقدم بخطوات سريعة ووقف أمامهما مباشرة
السيدة نهى... والسيدة نادية... مطلوب استدعاؤكما فوراً أمام نيابة الأموال العامة بتهمة التزوير الإلكتروني، واختلاس أموال منحة دراسية حكومية موجهة لطالبة رعاية، والاستيلاء على مبالغ مالية بدون وجه حق.
صرخت نادية ووقفت أمام الضابط تحاول درء الشبهة عن ابنتها المفضلة
يا حضرة الضابط! دي مسألة عائلية بين أخوات! سلمى بنتي وهي مش هتشتكي أختها! قوليلهم يا سلمى! قوليلهم إنك مسامحة!
التفتت نادية نحو سلمى التي كانت تقف ممسكة بطفلتها وبشهادتها. كانت عين أمها تمتلئان بالترجي الكاذب، نفس العينين اللتين كانتا تنظران إليها بازدراء طوال سنين
دراستها.
اقتربت سلمى منهما بثبات. لم تكن هناك دموع في عينيها. كان التعب والشقاء قد صقلا روحها وجعلاها لا تنطلي عليها هذه التمثيليات الرخيصة.
قالت سلمى بصوت هادئ ولكن كالسيف
مسامحة؟... أسامحك على إيه يا أمي؟ على إنك كنتِ عارفة إن أختي بتسرق فلوس لبن بنتي وإيجار شقتي وساكتة؟ ولا أسامحك على كل مرة كنتِ بتقوليلي فيها إني عار وإن بنتي دي غلطة لازم أدفع تمنها؟
نهى بكت باختناق وقالت وهي تحاول الإمساك بيد سلمى
سلمى... أرجوكِ! مركز التجميل بتاعي هيتقفل! لو المحضر ده مشي أنا هدخل السجن ومستقبلي هيروح! أنا كنت بمر بضائقة مالية والبنك كان هيحجز على المحل... افتكري إننا أخوات!
سحبت سلمى يدها بهدوء وشددت قبضتها على طفلتها ليان
أنا افتكرت الأخوة يا نهى... افتكرت يوم ما بعت اللابتوب بتاعي عشان أدفع مصاريف مستشفى ليان وإنتِ كنتِ بتشتري شنطة ماركة ب 30 ألف جنيه من الفلوس اللي اتسرقت من منحتي. افتكرت لما أمي قالتلي تخلفي بنت وإنتِ بتدرسي لازم يبقى ليه تمن... النهاردة يا نهى، ده التمن اللي إنتِ وأمي لازم تدفعوه بالقانون.
التفتت سلمى للمستشار القانوني للجامعة وقالت
أنا متمسكة بكامل حقي القانوني، وبطلب استرداد كل جنيه اتسرق مني، وتحويل القضية للمحكمة الجنائية.

الضابط أومأ برأسه، واقتاد نهى ونادية إلى سيارة الشرطة وسط ذهول ونظرات القرف والاستهجان من كل الطلبة وأولياء الأمور الذين تجمهروا حول المكان.
في مساء ذلك اليوم المشهود...
كانت الشقة الصغيرة في مدينة نصر هادئة للغاية. أضاءت سلمى شمعة صغيرة وحطت شهادة التخرج المذهبة على الطاولة بجوار صورة صغيرة جمعتها بليان وهي في المشفى.
أطعمت طفلتها ووضعتها في فراشها، واستلقت بجوارها تتنفس الحرية والكرامة لأول مرة منذ سنوات.
لم يمضِ سوى أسبوع واحد حتى صدر قرار النيابة العامة ببدء إجراءات التحفظ على أصول مركز التجميل المملوك لنهى لاسترداد أموال المنحة بالكامل مع التعويض المالي والأدبي لسلمى. كما أعلنت إدارة الجامعة عن تعيين سلمى معيدة ومُعاونة تدريس في قسم الخدمة الاجتماعية، نظراً لتفوقها واستحقاقها الأخلاقي والأكاديمي.
في أول يوم لها بزي هيئة التدريس بالجامعة...
حملت سلمى حقيبتها وحضنت طفلتها ليان التي كبرت قليلاً وبدأت تنطق أولى كلماتها.
وقفت أمام مرآة بيتها الصغير، وبصت لشهادتها ولطفلتها، وتذكرت تلك الجملة القاسية التي كانت أمها تعيرها بها دائماً.
ابتسمت سلمى بثقة وقالت لنفسها بصوت دافئ
نعم... كان للنجاح والكرامة تمن باهظ... وأنا دفعه بصبري، والآن أستمتع
بثمرته مع ابنتي للأبد.
تمت

 

تم نسخ الرابط