رجعت الساعه ٥
والقلوب.
في العربية...
كان الطريق من المزرعة لحي التجمع الخامس فاضي نسبياً. الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صوت مساحات الزجاج وهي بتروح وتيجي، وصوت أنفاس ولادي الهادية في الكنبة اللي ورا.
ملك كانت قاعدة جنب الصالون القدامي، موبايلها في إيدها، وبتبص لي بتوجس.
بابا... إنت زعلان مني عشان سجلت كلامهم من غير ما أقولك؟
بصيت لها وابتسمت بحب دافي، وحطيت إيدي على رأسها
زعلان منك؟! إنتِ بطلة يا ملك... إنتِ وقوفك وذكائك هم اللي حموا حق إخواتك وحموا بيتنا. بس قولي لي... إنتِ إزاي فكرتي تسجلي التسجيل الثاني ده بالذات؟
ملك أخدت نفس عميق وقالت بذكاء أكبر من سنها
يا بابا... لما جاء عمو المحامي سامح المزرعة الساعة 4، تيتا أخدته جوه الصالون الصغير وقفلوا الباب. أنا كنت رايحة أجيب مية عشان الكاترينج، وسمعتهم بيجيبوا سيرتك وسيرة البيت. أنا افتكرت كلامك لينا دايماً لما بتقول لو حسيتوا بحاجة غريبة أو مش مريحة، أمنوا نفسكم وحقكم. فتحت مسجل الصوت في التليفون وحطيته على الرف جنب النافذة المفتوحة ورجعت للخدمة... ولما خرجوا أخدت التليفون.
آدم من الكنبة اللي ورا اتكلم بصوت شجاع
وأنا يا بابا لما جدو قالي شيّل الأطباق، أنا كنت عارف إن ده مش شغلنا، بس ملك غمزت لي وقالت لي اسمع الكلام دلوقتي لحد ما بابا ييجي... إحنا كنا بنستناك يا بابا!
قلبي اتملى بالفخر والامتنان. الأطفال دول اللي أهلائي كانوا فاكرين إنهم تشتت وعار ونتائج علاقات فاشلة، طلعوا هم السند الحقيقي، هم التربية الصالحة اللي بنيتها بعرقي وسهري طوال السنين اللي فاتت.
وصلنا لحي التجمع الخامس.
قدام العمارة، كانت فيه عربيتين شرطة واقفين، وأضواء السيرين الزرقاء والحمراء بتنعكس على
نزلت من العربية وأنا ماسك إيدين ولادي.
العميد هشام كان واقف عند مدخل العمارة، ومعاه ضابط مباحث وشخص مكلبش بالأصفاد الحديدية... كان المحامي سامح، عمي!
أول ما سامح شافني، وشه اتغير وبدأ يصرخ
سيف! يا سيف قولهم! دي مسألة عائلية! إحنا بنحل أمور الشركة! فك المحضر ده إحنا أهلك!
العميد هشام قرب مني وقال بصرامة
سيف... التجهيز كان سريع. الدورية ضبطت المتهم ده ومعه نجار بيفكوا كوالين شقتك في الدور الثالث، ومعاه عقد بيع ابتدائي وتوكيل عام ممهور بتوقيع مزور باسمك، ومعاملات رهن بنكي كان رايح يسلمها في الفرع الرئيسي بكرة الصبح.
أنا بصيت لسامح بنظرة خالية من أي شفقة
تزوير محررات رسمية، واقتحام ملكية خاصة، واستغلال توكيل باطل... أظن يا هشام بيه الأوراق والتسجيلات اللي معايا تسجن أي حد ينفذ الكلام ده.
سامح بص لي بذهول
إنت هتسجن عمك وشريك أبوك يا سيف؟!
إنتوا اللي اخترتم طريق السجن يوم ما فكرتم تسرقوا سكن ولادي اليتامى.
سلمت الموبايل للعميد هشام، واطلعت على المحضر الرسمي، وسجلت أقوالي كاملة بصفتي المجني عليه والمجني عليهم أولادي الثلاثة.
المحامي سامح اتسحب على سيارة الترحيلات وهو بيصرخ ويدعي على العيلة كلها بالخراب.
مرت ثلاثة أيام على الليلة دي...
كانت أيام مليانة بالمواجهات والضغوط.
الاتصالات ما وقفتش من كل معارف العيلة. ناس بتتصل تترجى، وناس بتتصل تلوم، وناس بتقول مهما كان ده أبوك وأمك، ما ينفعش توصلهم للنيابة العامة والتفتيش الجنائي!.
لكن أنا كنت حاسم.
النيابة العامة وجهت تهم التزوير في أوراق رسمية والشروع في النصب والسرقة للمحامي سامح، واستدعت حسين وسهام بصفتهم المحرضين والشرفاء الرئيسي في الجريمة.
ولأن القانون لا يحمي المغفلين ولا يتغاضى عن التزوير، حسين وسهام لقوا نفسهم قدام سيناريو مرعب يا إما يدفعوا كل الديون والالتزامات للبنك وللمقاولين، ويبيعوا المزرعة نفسها لتسوية قضايا التزوير، يا إما الأحكام الصادرة هتطالهم بالنفاذ.
وفي يوم الجلسة الأخير قبل إحالة القضية للمحكمة الجنائية...
جاءني حسين وسهام في مكتبي بالشركة.
ما كانوش نفس الأشخاص اللي شفتهم في المزرعة بيضحكوا ويرفعوا الكوبايات.
كانوا باين عليهم الكبر والكسرة بشكل لا يصدق. سهام كانت بتتحرك بصعوبة، وحسين نظراته متكسرة في الأرض.
سهام قعدت على الكرسي قدامي، وصوتها مخنوق بالدموع
سيف... إحنا بعنا المزرعة... ودفعت كل الديون اللي على الشركة. والمحامي سامح اتثبتت عليه التهمة ومفيش مفر من سجنه. إحنا جينا نطلب منك تنازل رسمي عن الشق الجنائي الخاص بيا أنا وأبوك... عشان ما نقضيش باقي عمرنا في السجن أو تحت الإقامة الجبرية.
حسين، ولأول مرة في حياته، رفع عينيه ليّ ومن غير أي نبرة غرور أو كبرياء، قال بصوت خافت
أنا أخطأت يا سيف... أخطأت في حقك، وفي حق ولادك. افتكرت إن الفلوس والشركة هم اللي بيعملوا قيمة الراجل، وما عرفتش إن القيمة الحقيقية كانت فيك وفي تربيتك لولادك. أنا أسف يا بني.
سكتّ لفترة طويلة.
الصمت في المكتب كان ثقيل، بس كان صمت راحة.
أنا ما كنتش عايز أرسل أبويا وأمي السجن... أنا كنت عايز أوقف المهزلة، وأحمي ولادي، وأعلمهم إن الحق لازم يتقال وينصر.
بصيت لهم وقلت بهدوء
أنا هعمل تنازل رسمي عن الشق الخاص بيكم أنتوا الاثنين فقط، مراعاة لسنكم، وعشان ما أكونش الابن اللي سجن أبوه وأمه. بس عندي شروط لا تقبل النقاش.
سهام مسحت دموعها بسرعة
قول يا سيف... كل
أولاً مفيش أي تواصل بينكم وبين ولادي تاني بدون إذني وبدون وجودي.
ثانياً الشركة والمزرعة وكل الأملاك القديمة تتصفى، والتنازلات عن كل حقوقكم في أي إرث مستقبلي تتكتب رسمياً ل ملك وآدم
وياسين.
ثالثاً تفهموا كويس جداً... إن ولادي مش عار... ولادي هم الفخر الوحيد اللي أنا خرجت بيه من الدنيا دي، واللي يمسهم بكلمة، هكون خصمه لحد يوم الدين.
حسين هز رأسه بموافقته الفورية، ومسك القلم ووقع على التنازلات والشروط اللي أعدها محاميّ الخاص بكل إذعان وندم.
بعد مرور ستة أشهر...
كانت الشمس بتشرق على بلكونة فيلتنا الجديدة في التجمع.
المكان كان مليان بهدوء وراحة بال.
ملك كانت قاعدة على الترابيزة بتذاكر، وآدم وبيلعب مع ياسين بالكرة في الحديقة الصغيرة قدام البيت.
أنا كنت واقف بشرب القهوة وبتفرج عليهم.
تليفوني رن، كانت مكالمة فيديو من دبي من أم ملك، عشان تطمن على بنتها وتشكُرني على الرحلة الأخيرة اللي نظمتها لملك عشان تزورها. وبعدها اتصلت أم آدم من الإسكندرية تطمن على امتحاناته.
العلاقات القديمة انتهت كزواج، بس بقيت كاحترام وتبادل مسؤولية عشان الأطفال.
ملك رفعت عينها من الكتب وبصت لي وابتسمت
بابا... بتفكر في إيه؟
نزلت الفنجان وقربت منها، وحطيت إيدي على ظهرها
بفكر في إن أكبر نجاح حققته في حياتي مش المطاعم ولا الشقق ولا الفلوس... أكبر نجاح هو أنتم يا ملك. إنتم البيتين والتلاتة والأربعة اللي افتخر بيهم قدام الدنيا كلها.
ملك ضحكت وضمتني، وآدم وياسين جُم يجرو يشاركوا في الحضن العائلي الدافي.
عرفت وقتها إن العائلة مش بالدم والأسماء اللي بنشيلها... العائلة بالحب، والعدل، والأمان اللي بنبنيه جوه قوب أولادنا، عشان يفضلوا
تمت