رجعت الساعه ٥

لمحة نيوز


توديه هو نفسه في داهية!
 
ثم جاء صوت الأب، حسين، بثقله وجفائه المعروفين
المهم العيال دول... خلي مرايل الكاترينج عليهم. خليهم ينضفوا ويخدموا قدام الكل. سيف لما يشوف كده هيتجنن وياخدهم ويمشي يتدارى من إحراج القرايب، ومش هيفكر يرجع شقة التجمع النهاردة خالص. العيال دول لازم يفهموا حجمهم، وأبوهم لازم يدفع تمن الملايين اللي ضيعها في جوازاته المطلقة!
 
سكت التسجيل.
عم السكون أرجاء المزرعة كأننا في مقبرة. حتى صوت المطر الخفيف الذي بدأ يضرب أوراق الشجر العالية في الحديقة كان مسموعاً بوضوح.
أنا... سيف مراد... فضلت واقف في مكاني. حسيت كأن السقف انهار فوق رأسي، مش من الخوف، ولا من الخسارة المالية... لكن من كمية الغدر والغل المصبوب في قلب أقرب الناس ليّ.
الناس اللي افنيت سنين عمري عشان أرشدهم واشيلهم في كل أزمة.
التفتّ ببطء ناحية أمه وأبويا.
سهام كانت واقفة وشها ابيضّ تماماً، شفايفها بترتعش ومش قادرة تطلع كلمة واحدة، وعينيها رايحة وجاية بين موبايل ملك وبين وجوه القرايب اللي بدأت تتهامس بذهول واستنكار.
أما حسين، فالكبرياء الكاذب اللي كان بيتصنع بيه حاول يمسك بيه لحد آخر لحظة. خطى خطوة ناحيتي، وصوته فيه نبرة حدة محشرجة
إنت... إنت هتقف تصدق تسجيلات وألاعيب

عيال صغار؟! دي محادثة عائلية متاخدة من سياقها! إحنا بنحمي البيت وبنحمي الشركة اللي إنت كبرت في خيرها!
صوتي طلع مش من زوري، طلع من قاع الروح، هادي، بس أثقل من الجبال
شركة إيه اللي كبرت في خيرها يا حسين بيه؟ الشركة اللي إنت بعتها وركبتها ديون من خمس سنين، وأنا اللي جدولت ديونها من أرباح مطاعمي الخاصة؟ ولا الشركة اللي أمي كانت بتيجي تترجاني عشان أدفع رواتب عمالها كل أول شهر عشان اسمها ما ينزلش في المجلات؟
خطوت خطوة ناحيته، وملك وآدم وياسين واقفين ورايا، ماسكين في ثوبي كأنهم بيستمدوا مني الأمان.
إنكم تهينوا ولادي قدام القرايب، وتلبسوهم مرايل الخدم وتستغلوهم عشان تغطوا على سرقة بيتي... ده مش مجرد خطأ عائلي. ده قذارة... قذارة أنا سكت عليها كتير تحت مسمى صلة الرحم!
سهام قربت بصوت باكي ومبتذل
يا سيف يا بني... اسمعني! إحنا أهلك! إحنا اللي ربريناك! البيت ده هيترهن سنة واحدة بس ونرجع نفك الرهن لما الصفقة الجديدة تكتمل! إنت مش هتخسر حاجة، إنت عندك شغلك ومطاعمك، لكن إحنا هنضيع لو البنك حجز على المزرعة دي وعلى بيتنا القديم!
بصيت لأمي بعيون مفيهاش غير قسوة لم أعهدها في نفسي من قبل
إنتوا ضيعتم من زمان يا سهام هانم... ضيعتم يوم ما فكرتم إن ولادي كبش فداء لغلطاتكم.
ويوم ما فكرتم إن طيبتي وسكوتي على كلامكم الجارح ليّ طوال السنين دي ضعف.
طلعت موبايلي من جيبي بثبات.
حسين صرخ
إنت بتعمل إيه؟! هتروح تشتكي أبوك وأمك للشرطة؟! إنت عاوز تفضحنا قدام البلد كلها؟!
سيف بنبرة قاطعة
أنا مش هشتكي... أنا هطبق القانون.
اتصلت فوراً بالرقم الخاص ب العميد هشام، صديق قديم ومسؤول في شرطة التجمع الخامس، وحطيت المكالمة على السبيكر قدام الكل
أهلاً يا سيف... خير؟ إنت مش في حفلة والدتك؟
يا هشام بيه... أنا عندي بلاغ عاجل عن محاولة اقتحام وتغيير أقفال وتزوير توكيل رسمي باسمي في شقتي بالكائنة في التجمع الخامس، المجمع السكني ..... التزوير بيتم حالياً عن طريق محامي اسمه سامح عبد العزيز، وفيه أوراق مزورة بتتسلم في الوقت ده لأحد البنوك. أنا معايا التسجيلات الصوتية كاملة، ومعايا شهود من العيلة على الواقعة.
صوت العميد هشام اتغير تماماً على الطرف الثاني، وبقى حازم جداً
دقايق يا سيف... دورية البلاغات القريبة من العقار هتتحرك فوراً، وأنا هبلغ النيابة العامة بوقف أي معاملات على الشقة دي لحد ما توصل بالتسجيلات. إنت فين دلوقتي؟
أنا في المزرعة... وطالع على الشقة فوراً.
قفت الخط.
الهدوء اللي ساد المزرعة كان يقطع بالسيف. عمومي وأولادهم اللي كانوا بيصوروا
ملك وآدم بالسخرية من شوية، بدأوا ينسحبوا واحد ورا الثاني من غير ما ينطقوا كلمة. محدش كان عايز يتحط في موقف شاهد أو شريك في قضية تزوير جنائية.
حسين مسك دراعي بحدة وهو بيتنفس بصعوبة
أقسم بالله لو رجل شرطة واحد دخل بيتي أو الشقة، أنا هتبرى منك لليوم الدين يا سيف! هخلي الكل يعرف إنك ابن عاق!
ابتسمت ابتسامة مكسورة مليانة قرف، ورجعت دراعه لورا بهدوء
التبرؤ ده كان المفروض يحصل من زمان يا حسين بيه... يوم ما حسستني إن أولادي من ثلاث أمهات مختلفين عار، في حين إن الوحيد اللي كان بيعيش بكرامة ومستور في البيت ده هو أنا وولادي. العار الحقيقي هو اللي عملتوه النهاردة.
التفتّ للأطفال التلاتة، ونزلت لمستواهم.
مسحت دموع ملك، وبصيت لآدم وياسين
يلا يا أبطال... الحفلة دي خلصت.
ياسين الصغير مسك إيدي وقال بصوت خائف
بابا... هو جدو وتيتا زعلانين منا عشان ما شيلناش باقي الزبالة؟
الجملة دي نزلت على قلبي زي الخنجر.
بصيت لحسين وسهام اللي كانوا واقفين زي التماثيل الميتة، وقلت بصوت عالي يسمعه كل من بقى في المزرعة
لا يا حبيبي... جدو وتيتا هما اللي عملوا حاجة عيب أوي، وجدو وتيتا هيدفعوا تمنها، مش إنتوا.
شلت ياسين على كتفي، ومسكت إيد ملك وآدم بالإيد الثانية، وخرجنا من باب المزرعة الكبير
تحت المطر اللي كان بينزل يغسل الشارع
 

تم نسخ الرابط