طلب صياد
الراجل ده خبط على بابي في نص الليل وهو غرقان من المطر دخلته بيتي وأنا مرعوبة منه، لكن بعد ساعات اكتشفت إنه كان بيهرب من ناس أخطر منه بكتير واللي كان مخبيه وراه خلّى أهل المنطقة كلها يتجمعوا قدام بيتي الصبح!
أنا اسمي إيما، وكنت عايشة مع ولادي الاتنين في بيت صغير على أطراف القرية.
البيت كان قديم، وسقفه الخشب كان محتاج يتصلح من زمان، لكن إمكانياتي كانت على قدّي، وكل اللي كنت بفكر فيه وقتها إني أوفر أكل ولادي وأخليهم عايشين في أمان.
جوزي كان مات من كام سنة، ومن ساعتها وأنا اللي شايلة مسؤولية البيت والولاد لوحدي.
وفي الليلة دي تحديدًا
الجو كان مرعب.
المطر بدأ من العصر، وبعدها زاد بشكل جنوني.
البرق كان بينور السما كل شوية، والرعد صوته بيهز الشبابيك.
أما الرياح، فكانت بتخبط في سقف البيت القديم لدرجة إني كنت كل شوية أبص لفوق وأنا خايفة السقف يقع علينا.
كنت قاعدة جنب المدفأة، وحاطة ولادي قريب مني.
ابني الصغير كان ماسك البطانية وبيسألني
ماما المطر هيقف إمتى؟
ابتسمت له رغم خوفي وقلت
قريب يا حبيبي نام وإنت مطمن.
لكن الحقيقة؟
أنا نفسي ما كنتش مطمنة.
كنت خايفة من الليلة دي بشكل مش طبيعي.
الطريق اللي قدام البيت كان غرقان، والمية وصلت لأماكن كتير من القرية، والكهربا كانت بتقطع وترجع.
وفجأة
خبط حد على الباب.
دقّة واحدة.
وبعدين دقتين.
وبعدين خبط أقوى.
أنا اتجمدت مكاني.
بصيت لولادي، ولقيتهم
مين ممكن ييجي في الوقت ده؟
الجو برا مستحيل حد يقدر يمشي فيه.
قربت من الباب ببطء وقلت
مين؟
جالي صوت راجل من بره
معلش أنا آسف إني بخبط عليك في الوقت ده.
صوته كان هادي، لكن واضح إنه مرهق جدًا.
سألته
إنت مين؟
قال
أنا صياد واتوهت في الغابة بسبب الفيضان. العربية بتاعتي علقت، والطريق اتقفل. محتاج بس مكان أقعد فيه لحد الصبح.
رجعت خطوة لورا.
صياد؟
راجل غريب؟
لوحدي أنا وولادي؟
وفي نص الليل؟
أكيد كان عندي ألف سبب يخليني أقفل الباب وما أفتحهش.
لكن ابني الكبير قرب مني وقال
ماما يمكن يكون بردان.
قلت له
ارجع مكانك.
وبصيت من فتحة صغيرة في الباب.
كان راجل طويل، هدومه كلها مبلولة بالطين والمطر.
لحيته كانت مبلولة، وشعره لازق في جبينه من شدة المية.
وكان واضح عليه التعب الشديد.
لكن اللي خلاني أتردد أكتر
إن كان في حاجة معلقة ورا ضهره.
بندقية صيد.
اتوترت أكتر.
قال الراجل من بره
أنا هسيب البندقية عند الباب ومش هقرب منكم. بس بالله عليكِ، ما تسيبينيش بره. الجو ده ممكن يقتلني.
فضلت ساكتة.
كنت عارفة إن دخوله مخاطرة.
لكن لما بصيت لولادي، وبعدين بصيت للراجل المبلول اللي واقف قدام الباب
قلبي غلب خوفي.
فتحت الباب.
وقلت له
ادخل بس خلي البندقية هنا.
هز راسه بسرعة.
حاضر.
دخل الراجل، وحط البندقية جنب الباب فورًا، ورفع إيده كأنه عايز يطمني إنه مش هيعمل حاجة.
شكرًا أنا مش هنسى لكِ اللي عملتيه.
قعد جنب المدفأة.
كان واضح إنه بيرتعش من البرد.
جبت له فوطة، وحطيت له هدوم قديمة عشان ينشف نفسه، وبعدها حطيت له طبق أكل سخن.
في البداية كان ساكت.
ولادي كانوا بيراقبوه من بعيد.
وبعد شوية ابني الصغير سأله
إنت بتصطاد إيه؟
ابتسم الراجل لأول مرة وقال
زمان كنت بصطاد حيوانات بس النهارده أنا كنت بدور على حد.
سألته
حد؟
ملامحه اتغيرت للحظة.
وقال
ولد صغير اختفى من كام يوم.
اتخضيت.
كنت سمعت فعلًا عن طفل مفقود في المنطقة.
ولد صغير اختفى من أهله، والناس بقالها أيام بتدور عليه في كل مكان.
قلت له
هو إنت تعرفه؟
رد
أنا كنت بدور عليه النهارده.
وبعدها سكت.
ما سألتش أكتر.
عدت الساعات ببطء.
ولادي ناموا.
والصياد فضل قاعد جنب المدفأة.
وبعد فترة، أنا كمان دخلت أوضتي.
لكن النوم ما جاش بسهولة.
كان جوايا إحساس غريب.
حاجة بتقول لي إن الراجل ده مش مجرد صياد تايه.
في حاجة هو مش بيقولها.
حوالي نص الليل، أخيرًا غلبني النوم.
لكن بعد فترة قصيرة
صحيت على صوت خطوات.
فتحت عيني.
في البداية افتكرت إني بحلم.
لكن الصوت رجع تاني.
خطوة
وبعدين خطوة
حد كان بيتحرك جوه البيت.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
بصيت ناحية ولادي.
كانوا نايمين.
قمت من السرير على أطراف صوابعي.
فتحت الباب سنة صغيرة.
وبصيت في الصالة.
الصياد ما كانش جنب المدفأة.
كان واقف في نص الغرفة.
وظهره ناحيتي.
لكن اللي خلاني أحس إن الدم اتسحب من وشي
إنه كان شايل حاجة بين إيديه.
فضلت أبص عليه من غير ما أتنفس تقريبًا.
وبعدين
الراجل لف ببطء.
وساعتها شفت اللي في إيده.
جاكت طفل صغير.
الجاكت كان مبلول بالطين والمطر.
أنا عرفت الجاكت فورًا.
كان نفس الجاكت اللي كان الولد المفقود لابسه يوم اختفى!
حطيت إيدي على بقي عشان ما أصرخش.
لكن قبل ما أتكلم
سمعت صوت نفس ضعيف ورا الراجل.
بصيت.
ولقيت طفل صغير واقف في الضلمة.
كان بيرتعش من البرد.
هدومه متسخة.
وشعره مبلول.
وكان ماسك في هدوم الصياد بكل قوته.
أنا شهقت
يا نهار أبيض!
الصياد حط إصبعه على شفايفه وقال بهمس
اهدي بالله عليكِ.
قربت منه وأنا مش مصدقة.
ده ده الولد اللي اختفى!
هز راسه.
أيوه.
قلت له
إنت لقيته فين؟! وليه ما بلغتش أهله؟!
رد بسرعة
حاولت.
وبص ناحية الشباك.
بس ما كانش ينفع.
سألته
يعني إيه ما كانش ينفع؟
قبل ما يرد
سمعنا صوت خطوات بره البيت.
الولد اتشبث في الراجل أكتر.
الصياد قرب من الشباك وبص من الستارة بحذر.
وشه اتغير تمامًا.
قلت
في إيه؟
قال بصوت واطي جدًا
هما وصلوا.
مين؟
ما ردش.
سمعت صوت راجل بره
فتشوا البيوت كلها!
جسمي كله اتنفض.
بصيت للصياد.
مين دول؟
قال
الناس اللي كنت بحاول أبعد الولد عنهم.
ليه؟!
بص لي وقال
لأن الولد شاف حاجة ما كانش المفروض يشوفها.
حسيت إن رجلي مش شيلاني.
شاف إيه؟
قبل ما يجاوب
حد خبط على باب البيت.
خبط قوي.
الولد بدأ يعيط.
الصياد حط إيده على بقه بسرعة وقال له
ششش لازم تكون شجاع.
وبعدين بص
لازم تخبي الولدين.
قلت
وأنا أعمل إيه؟
قال
خدي أولادك وادخلي الأوضة الداخلية. اقفلي الباب، وما تطلعيش مهما حصل.
قلت له
وإنت؟
أشار ناحية البندقية اللي كان سايبها جنب الباب.