ابني حكايات زهرة

لمحة نيوز


الكلام ده، بص في المراية.
بصيت ناحية المرآة المعلقة على الحائط.
وفجأة لاحظت حاجة ما كنتش واخد بالي منها طوال الوقت
انعكاسي كان واقف مكاني لكن الرجل اللي شبهي كان واقف ورايا في المرآة، رغم إنه واقف قدامي وقبل ما عبد السميع يقدر يستوعب الجملة، المسجل طلع منه صوت تشويش عالي، وبعده صوت عمر رجع تاني
افتكر أول دقيقة أول دقيقة قبل ما العربية تتحرك.
عبد السميع غمّض عينيه.
وفجأة صورة قديمة ضربت في دماغه.
كان واقف قدام العربية.
عمر جنبه.
وكان فيه راجل تالت واقف بعيد.
لكن وشه ماكانش واضح.
عبد السميع فتح عينيه بسرعة وقال
أنا فاكر!
الراجل اللي شبهه ابتسم من غير ما يتكلم.
عبد السميع قرب من المراية وقال
الراجل ده كان موجود يوم الحادثة!
المسجل اشتغل مرة تانية.
وصوت عمر قال
أيوه يا بابا بس مش هو اللي لازم تخاف منه.
عبد السميع اتجمد.
أمال مين؟
ثواني من الصمت.
وبعدين عمر قال
الشخص اللي لازم تخاف منه كان واقف جنبك قبل الحادثة بدقيقة.
عبد السميع بدأ يفتش في جيوبه بعصبية، كأنه بيحاول يلاقي أي دليل.
وفجأة افتكر حاجة.
قبل ما العربية تتحرك يوم الحادثة، عمر كان ماسك موبايله، وقال له
بابا، استنى لازم أوريك حاجة.
لكن عبد السميع وقتها كان مستعجل.
قال له
بعدين يا عمر.
عمر بص له نظرة غريبة، وحط الموبايل في جيبه.
ثم ركب العربية.
عبد السميع فتح عينيه.
الموبايل!
صرخ وهو بيجري ناحية الباب
موبايل عمر كان معايا بعد الحادثة!
الطبيب بص له بصدمة
إزاي؟
عبد السميع رد
أنا فاكر إن الشرطة سلّمتهولي لكن لما رجعت البيت، الموبايل اختفى!
الراجل اللي شبه عبد السميع لأول مرة ملامحه اتغيرت.
وقال بهدوء
لأنه ما اختفاش.
عبد السميع بص له.
أمال فين؟
مد الرجل إيده داخل معطفه، وطلع موبايل قديم متكسر الشاشة.
وحطه قدام عبد السميع.
ده موبايل عمر.
وفي اللحظة دي وصل إشعار على الشاشة.
رسالة واحدة.
من رقم غير مسجل.
ومكتوب فيها
لو أبوك افتكر الحقيقة ما تخلوهوش يوصل للبيت بص عبد السميع للمراية تاني، وحسّ إن الدم اتجمد في عروقه.
الراجل اللي واقف وراه ماكانش مجرد شبهه
كان هو نفسه.
نفس شكل الوجه، نفس الشيب الخفيف عند الصدغ، وحتى الندبة الصغيرة فوق الحاجب.
عبد السميع لف بسرعة.
ماكانش فيه حد.
لكن لما رجع يبص للمراية الراجل كان لسه موجود.
رفع إيده ببطء، وأشار ناحية رقبة عبد السميع، وقال
بص كويس العلامة دي مش موجودة عندك من زمان.
عبد السميع لمس رقبته.
وفعلًا، كان فيه أثر رفيع جدًا، زي أثر جرح قديم، عمره ما افتكره.
صرخ
إنت مين؟!
جاله صوت الرجل من وراه، رغم إن المكان كان فاضي
أنا اللي كان المفروض يرجع بيتك من تسع سنين.
عبد السميع اتراجع، وخبط في الترابيزة.
وقعت منها صورة قديمة.
انحنى بسرعة ورفعها.
كانت صورة لعمر وهو طفل، واقف جنب أبوه قدام البيت.
لكن الغريب إن عبد السميع في الصورة كان لابس نفس الساعة اللي في إيده دلوقتي.
قلب الصورة.
كان مكتوب عليها بخط

عمر
الصورة دي اتاخدت قبل الحادثة ب أيام لكن الراجل اللي فيها مش أبويا.
عبد السميع حس إن رجليه ماعادوش شايلينه.
وفجأة سمع صوت المسجل يشتغل من نفسه.
صوت عمر خرج واضح
يا بابا لو وصلت للنقطة دي، يبقى هما عرفوا إنك بدأت تفتكر.
سكت التسجيل ثانيتين.
ثم قال عمر
أول حاجة لازم تعرفها إن ذاكرتك مش كاملة.
عبد السميع قرب من المسجل وهو بيرتعش.
تفتكر إيه يا عمر؟!
وجاء الرد من التسجيل
افتكر يوم الحادثة قبل ما العربية تتحرك عبد السميع فضل باصص للموبايل، ومش قادر ينطق.
الرسالة اختفت فجأة من الشاشة.
ضغط عليها بسرعة، لكن الموبايل طفى.
قال الطبيب بصوت منخفض
لازم نمشي من هنا فورًا.
عبد السميع بص له
ليه؟
الطبيب قرب منه وقال
لأن الرسالة دي مش أول رسالة اتبعتت للموبايل ده.
أمال إيه؟
الطبيب شغّل الموبايل من جديد، وفتح مجلد الرسائل القديمة.
كان فيه عشرات الرسائل.
كلها من نفس الرقم.
لكن التاريخ كان صادمًا.
أول رسالة اتبعتت من تسع سنين.
عبد السميع بدأ يقرأ واحدة واحدة.
الأولى
المريض بدأ يستعيد وعيه.
الثانية
هو بيسأل عن ابنه.
الثالثة
ممنوع حد يقول له اسمه الحقيقي.
الرابعة
النسخة البديلة بدأت تتصرف كأنه صاحب البيت.
عبد السميع رفع عينه للطبيب.
نسخة بديلة؟!
الطبيب ما ردش.
نزل عبد السميع بعينه لآخر رسالة.
كانت بتاريخ يوم حادث عمر.
عمر عرف كل حاجة لازم نوقفه قبل ما يوصل لأبوه الحقيقي.
سقط الموبايل من إيده.
أبوه الحقيقي؟!
وفي اللحظة دي، الراجل اللي شبه عبد السميع قرب منه وقال
دلوقتي فهمت ليه عمر كان بيقولك يا بابا؟
عبد السميع اتراجع خطوة.
أنا أبوه!
الرجل هز رأسه.
أنت أبوه بس السؤال من إمتى؟
وقبل ما عبد السميع يرد، صدر صوت من آخر الممر.
خطوات بطيئة.
واحد اتنين تلاتة
ثم ظهر رجل مسن ماسك ملف بني قديم.
أول ما شافه الطبيب، وشه اتغير تمامًا.
الرجل قال
كفاية لعب.
وبص لعبد السميع مباشرة
الوقت جه تعرف الحقيقة اللي عمر مات عشان يخبيها عنك.
فتح الملف.
وكانت أول ورقة فيه صورة عبد السميع
وتحت الصورة مكتوب
هوية غير مؤكدة تم استبداله منذ 9 سنوات الرجل المسن حط الملف على الترابيزة، وقال بصوت هادي بشكل يخوف
دي مش ورقة اتهام دي ورقة إثبات.
عبد السميع مد إيده وخطف الملف.
إثبات إيه؟
الرجل رد
إن الراجل اللي قدامنا دلوقتي مش هو نفس الراجل اللي دخل المستشفى من تسع سنين.
عبد السميع بص للطبيب.
الطبيب ما نطقش.
وده كان أكتر حاجة خوّفته.
قلب عبد السميع الورقة.
كان فيها تقرير طبي قديم، وصورة أشعة، وتحتهم تاريخ من تسع سنين.
لكن المفاجأة كانت في خانة علامة مميزة.
مكتوب
ندبة قديمة أسفل الرقبة من الناحية اليسرى.
عبد السميع لمس رقبته.
نفس الندبة.
قال بصوت متقطع
يعني أنا كنت في المستشفى؟
الرجل المسن هز رأسه.
أيوه.
واتعمل لي إيه؟
ده السؤال اللي عمر قضى آخر أيامه بيدور على إجابته.
عبد السميع قلب الصفحات بعصبية، لحد ما لقى ورقة مكتوبة بخط عمر.
قرأ
أبويا
خرج من المستشفى بعد الحادث فاقد جزء من ذاكرته لكن المشكلة إن الشخص اللي رجع البيت معانا كان يعرف تفاصيل ماينفعش يعرفها.
عبد السميع حس إن صدره ضاق.
عمر كان شاكك فيا؟
الرجل قال
لا.
وسكت لحظة.
ثم أضاف
عمر كان شاكك إن أنت نفسك مش عارف أنت مين.
فجأة انطفأت أنوار الممر.
وفي الظلام، اشتغل تسجيل جديد.
صوت عمر كان مرتعش
يا بابا لو وصلت للجزء ده، ما تصدقش الملف لوحده.
صمت.
ثم قال
لأن الحقيقة مش مكتوبة هنا.
عبد السميع قرب من المسجل.
صوت عمر أكمل
الحقيقة موجودة في المكان اللي بدأت منه كل حاجة.
ثم سُمع صوت باب بيتفتح.
وصوت عمر بوضوح
بيتنا القديم.
وفجأة رجعت الأنوار.
لكن الرجل اللي كان واقف جنب المراية
اختفى.
وعلى الأرض، مكانه، كانت فيه ورقة واحدة.
عبد السميع انحنى ورفعها.
وكان مكتوب عليها
لو عايز تعرف مين عاش مكانك افتكر مين كان معاك أول ليلة رجعت فيها من المستشفى عبد السميع فضل واقف مكانه، والورقة بتترعش بين صوابعه.
أول ليلة رجعت فيها من المستشفى
غمّض عينيه، وحاول يفتكر.
صوت مفتاح في الباب
ريحة القهوة
مراته كانت واقفة في المطبخ.
وعمر كان طفل صغير وقتها، نايم على الكنبة.
لكن فجأة ظهرت صورة مختلفة تمامًا في دماغه.
هو داخل البيت، والوقت كان بعد منتصف الليل.
وكان فيه راجل مستنيه في الصالة.
عبد السميع فتح عينيه بفزع.
أنا كنت لوحدي مفيش حد كان مستنيني.
الطبيب قاطعه
متأكد؟
عبد السميع سكت.
الرجل المسن فتح الملف بسرعة، وطلع صورة قديمة.
حطها قدامه.
الصورة كانت لبيت عبد السميع من الداخل.
وعلى الكنبة كان عمر نايم.
وفي الخلفية كان فيه راجل واقف عند باب الصالة.
وشه مش واضح.
لكن الساعة اللي في إيده كانت واضحة.
عبد السميع قرب الصورة من عينه.
وفجأة شهق.
الساعة دي
الطبيب قال
تعرفها؟
عبد السميع ما ردش.
لأنه كان لابس نفس الساعة دلوقتي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن الصورة مكتوب عليها تاريخ قبل الحادثة بتسع سنين.
الرجل المسن قال
ركز في الشخص اللي واقف ورا عمر.
عبد السميع بص.
وببطء بدأ لون وشه يختفي.
لأن الرجل الموجود في الصورة
كان هو نفسه الراجل اللي ظهر في المراية.
وفجأة رنّ هاتف الطبيب.
بص للشاشة، ووشه اتغير.
مين؟ سأل عبد السميع.
الطبيب رفع عينه وقال
رقم المستشفى.
رد.
ثواني معدودة، وبعدها قال
إيه؟!
وسكت.
ثم قفل المكالمة، وقال
فيه حد دخل البيت القديم.
عبد السميع سأله
مين؟
الطبيب بص له مباشرة
حد كان مستنيك هناك من تسع سنين أكيد، دي النهاية وربط كل الأسرار ببعض
عبد السميع بص للطبيب، وبعدها بص للرجل المسن.
البيت القديم دلوقتي؟
الرجل المسن هز راسه.
لو عايز تعرف الحقيقة، لازم تروح.
وصلوا البيت بعد وقت قصير.
كان البيت مهجور من سنين، والتراب مغطي كل حاجة.
دخل عبد السميع الصالة، وفجأة وقف مكانه.
نفس الكنبة.
نفس الستارة.
نفس الحيطة اللي شافها في الصورة.
لكن كان فيه شيء جديد
علامة صغيرة مرسومة بالقلم على الحائط.
رقم
23
عبد
السميع لمس العلامة.
وفجأة افتكر.
افتكر ليلة رجوعه من المستشفى.
افتكر إنه دخل البيت فعلًا
لكن عمر ماكانش لوحده.
كان فيه رجل واقف معاه.
رجل يشبهه تمامًا.
ووقتها فهم الحقيقة.
قبل تسع سنين، عبد السميع اتعرض لحادث خطير، ودخل المستشفى فاقد جزءًا من ذاكرته.
وفي نفس الفترة، كان فيه رجل آخر يشبهه بدرجة مخيفة، وكان متورطًا في تزوير أوراق وحسابات تخص المستشفى.
بعد الحادث، حصل التبديل.
الرجل الآخر خرج من المستشفى مستخدمًا اسم عبد السميع.
أما عبد السميع الحقيقي، فبسبب إصابته وفقدانه جزءًا من ذاكرته، لم يستطع إثبات هويته.
ومرت السنوات
وعمر وحده بدأ يلاحظ الاختلافات.
طريقة الكلام.
ذكريات والده.
تفاصيل صغيرة لا يعرفها الرجل الذي يعيش معهم.
ولما كبر، بدأ يبحث.
وعثر على الملف رقم 23.
وعرف أن الرجل الذي عاش معهم طوال السنوات لم يكن والده الحقيقي.
لكن عمر لم يواجهه.
كان خايفًا أن يكون الرجل نفسه ضحية مثل والده.
لذلك جمع الأدلة سرًا.
وفي ليلة الحادث، كان عمر في طريقه ليكشف كل شيء.
لكن السيارة تعرضت للحادث.
لم يمت عمر في اللحظة التي ظنها الجميع.
كان حيًا عندما وصل المستشفى.
واستطاع قبل وفاته أن يخفي الأدلة، ويترك سلسلة العلامات والمفاتيح والتسجيلات التي تقود والده للحقيقة.
أما الرجل الذي ظهر لهم في المراية، فكان هو عبد السميع الحقيقي.
كان قد عاش سنوات بعيدًا عن بيته، يبحث عن طريقة لإثبات هويته، حتى ساعده عمر قبل وفاته.
اقترب الرجل من عبد السميع وقال
ابنك عرف الحقيقة قبلك وكان بيحاول يرجعك لحياتك.
عبد السميع سكت طويلًا.
ثم قال بصوت مكسور
طب ليه عمر كان بيقول لي خرجني من هنا؟
الرجل وضع يده على
كتفه.
لأنه كان يقصد المستشفى المكان اللي احتجزوه فيه بعد الحادث. كان عايزك تعرف إنه ماكانش مجرد حادث.
فتح الطبيب آخر ملف.
وكان بداخله تسجيل مصور لعمر.
ظهر عمر على الشاشة، متعبًا، لكنه مبتسم.
وقال
يا بابا لو أنت بتشوف التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أقول لك الحقيقة بنفسي.
سكت قليلًا.
ثم ابتسم وقال
متزعلش مني عشان خبيت عليك. أنا كنت خايف عليك أكتر ما كنت خايف على نفسي.
نزلت دمعة من عين عبد السميع.
وصوت عمر أكمل
وإوعى تفتكر إنك ضيعتني أنت أبويا الحقيقي، حتى لو الدنيا حاولت تغيّر كل حاجة.
انطفأت الشاشة.
عبد السميع فضل واقف ساكت.
ثم خرج من البيت، واتجه ناحية قبر عمر.
وقف أمام القبر طويلًا، وقال
سامحني يا ابني أنت اللي كنت بتحاول تنقذني، وأنا كنت فاكر إني اللي بحاول أنقذك.
ووضع الورقة الأخيرة فوق قبره.
كانت مكتوبة بخط عمر
الحقيقة اتدفنت معايا بس أنا سبتلك الطريق عشان تطلعها.
وبعد سنوات من الخوف والشك، ظهرت الحقيقة كاملة، وتمت مراجعة ملفات المستشفى والبلاغات القديمة، وانكشف التلاعب الذي حدث في هوية عبد السميع.
أما الرجل الذي عاش مكانه، فقد حوكم على الجرائم التي ارتكبها.
وعبد السميع
لم يعد يخاف من المرآة.
لأنه في آخر مرة وقف
أمامها، لم يرَ رجلًا غريبًا خلفه.
رأى نفسه فقط.
لكن قبل أن يترك الغرفة، لمح شيئًا صغيرًا على طرف المرآة.
بصق عليه بإيده، فظهر خط باهت كان مكتوبًا تحته
اطمّن يا بابا أنا خرجت.
ولأول مرة منذ وفاة عمر
نام عبد السميع تلك الليلة دون أن يسمع صوته.
ودون أن يطلب منه أحد أن يفتح قبرًا.
لأن ابنه أخيرًا
كان قد وجد طريقه للخروج.

 

تم نسخ الرابط