ابني حكايات زهرة

لمحة نيوز


إحنا اتأخرنا.
صرخت
اتأخرنا في إيه؟!
قال
لأن الشخص اللي كان مسؤول عن الغرفة 17 زمان هو نفسه الشخص اللي وقّع على ورقة وفاة عمر.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
وقبل ما أستوعب الكلام، موبايلي رن.
رقم مجهول.
رديت
ألو؟
ما سمعتش غير نفس الصوت اللي كان بيظهر في أحلامي.
صوت عمر.
ضعيف ومتقطع.
قال
يا بابا ما تفتحش الغرفة 17.
اتجمدت.
قلت
عمر؟!
الصوت رد بسرعة
لأن اللي جواها لسه مستنيك سكتُّ تمامًا وأنا لسه ماسك الموبايل.
عمر؟! إنت فين؟!
مفيش رد.
بس قبل ما المكالمة تقطع، سمعت صوت خبط قوي وبعده صوت معدني كأنه باب بيتقفل.
تك!
وبعدين الخط اتقفل.
صرخت
رد عليّا!
حاولت أتصل تاني.
الرقم بقى غير متاح.
الرجل الكبير قرب مني وقال
إنت سمعت إيه؟
قلت له
صوت عمر كان بيحذرني.
الدكتور بص للرجل الكبير وقال
لازم نمشي من هنا.
مسكته من دراعه
محدش هيمشي! ابني اتدفن من يومين، ولسه في حد بيتصل بيا بصوته، وإنتوا كلكم عارفين حاجات وأنا آخر واحد يعرف!
الرجل الكبير سكت شوية، وبعدها قال
طيب نروح المستشفى القديمة.
الدكتور اعترض فورًا
لأ.
قلت
هنروح.
وبعد ساعة تقريبًا، وقفنا قدام المبنى القديم.
المكان كان مهجور فعلًا.
الشبابيك مكسورة، والحوائط مليانة رطوبة، والباب الرئيسي عليه قفل صدئ.
الرجل الكبير أخرج مفتاحًا من شنطته.
فتح الباب.
دخلنا.
الممر كان مظلمًا بشكل يخوف.
مشينا لحد آخر الدور.
وهناك وقفنا.
على الحائط كان مكتوب
17
طلعت المفتاح اللي لقيناه في قبر عمر.
إيدي كانت بتترعش.
دخلته في القفل.
لفّ المفتاح بسهولة
لكن قبل ما أفتح الباب، سمعت صوتًا من الداخل.
صوت شاب.
ضعيف جدًا.
قال
اتأخرت يا بابا.
بصيت للدكتور.
الدكتور رجع خطوتين للخلف.
أما أنا
ففتحت الباب فتحت الباب
وكانت الغرفة أوسع مما توقعت، لكن مفيهاش سرير، ولا أجهزة، ولا حتى ترابيزة.
كانت فاضية تمامًا.
إلا من كرسي واحد في المنتصف.
وعلى الكرسي كان فيه جاكت عمر.
نفس الجاكت اللي كان لابسه يوم الحادث.
صرخت
ده بتاع ابني!
اندفعت ناحية الكرسي، لكن الدكتور مسكني
استنى!
بصيت له بغضب
إنت عارف الجاكت ده؟
قال
أيوه.
كان مع عمر في المستشفى؟
هز رأسه.
لأ.
أمال إزاي هنا؟!
الرجل الكبير قرب من الكرسي، ولمس الجاكت بحذر.
وفجأة وقع منه شيء على الأرض.
مفتاح تاني.
انحنيت وأخدته.
لكن المرة دي مفيش رقم 17.
كان محفور عليه رقم
23
الدكتور أول ما شافه، رجع للخلف وقال
مستحيل
قلت
إيه رقم 23؟
ما ردش.
الرجل الكبير هو اللي قال
الغرفة 23 كانت آخر مكان اتنقل له الشخص اللي كان في الغرفة 17 من تسع سنين.
بصيت

للجاكت.
مديت إيدي لجيبه.
لقيت ورقة صغيرة.
فتحتها.
وكان مكتوب عليها بخط عمر
يا بابا لو وصلت للغرفة دي، متثقش في أي حد كان موجود ليلة الحادث.
وفي اللحظة نفسها
الباب اتقفل لوحده من ورانا.
وسمعنا صوت قفل المفتاح من الخارج.
ثم جاء صوت رجل من الممر
عبد السميع لو عايز تعرف مين قتل الحقيقة، هات المفتاح رقم 23 وتعالى لوحدك وقفت أبص للباب المقفول، وبعدها بصيت للدكتور والرجل الكبير.
قلت
مين اللي بره؟
مفيش رد.
بس صوت الخطوات بدأ يبعد ببطء في الممر.
خطوة خطوة خطوة
الدكتور قال بسرعة
متفتحش الباب!
بصيت له
وليه؟
قال
لأن الشخص اللي بره عايزك تخرج لوحدك.
وإنت عرفت منين؟
سكت.
قربت منه وقلت
واضح إنك عارف أكتر بكتير من اللي قلته.
قبل ما يرد، الرجل الكبير أشار ناحية الحائط.
استنوا
كان فيه شباك صغير فوق الباب، ومن خلاله ظهر ظل شخص واقف في الممر.
الظل ما اتحركش.
وبعد ثواني، سمعنا صوته
عبد السميع
قربت من الباب.
إنت مين؟
قال
واحد كان المفروض يموت من تسع سنين.
الدكتور اتراجع للخلف، ووشه اتغير تمامًا.
قلت
افتح الباب!
رد
مش دلوقتي.
ثم أضاف
المفتاح رقم 23 هيوصلك للحقيقة بس الحقيقة مش جوه المستشفى.
وسمعنا صوت خطواته وهو بيبعد.
الرجل الكبير قال
لازم نخرج من هنا.
لكن فجأة
المفتاح رقم 23 اللي كان في إيدي بدأ يهتز.
نظرت له بدهشة.
وبعد لحظات، سمعت صوتًا خافتًا جدًا جاي من داخل الحائط.
تك تك تك
وضعت أذني على الحائط.
وكان الصوت أقرب.
كأنه جاي من مكان مخفي خلفه.
ثم سمعت صوت عمر بوضوح
يا بابا ورا الحيطة حطيت إيدي على الحيطة، وفضلت أتحسس مكان الصوت.
تك تك تك
كان الصوت واضح جدًا.
الدكتور قال
دي حتة مصمتة مفيش حاجة وراها.
بصيت له وقلت
يبقى ليه الصوت جاي منها؟
الرجل الكبير قرب، وخبط بإيده على الحائط.
دَق.
ثم خبط جنبها.
دَق دَق.
بص لي وقال
هنا فاضية.
مسكت قطعة حديد كانت مرمية على الأرض، وبدأت أخبط بيها على الحائط.
ضربة
ضربتين
لحد ما جزء من المحارة وقع.
ظهر تحته باب حديد صغير، شبه باب خزنة، ومدفون جوه الحائط.
وعليه رقم واحد بس
23
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
نفس الرقم.
دخلت المفتاح.
لفّ.
لكن الباب ما فتحش.
وفجأة لقينا كتابة محفورة على الحديد
لا تفتح إلا إذا كنت متأكد إن عمر مات.
فضلت أبص للجملة.
الدكتور قال
عبد السميع متفتحش.
قلت
أنا دفنت ابني بإيدي.
الرجل الكبير قال بصوت منخفض
ودي بالضبط المشكلة لأنك ممكن تكون دفنت شخصًا آخر.
سكتُّ.
حسيت إن نفسي اتقطع.
إنت بتقول إيه؟
ما ردش.
فجأة
سمعنا صوت جاي من الناحية التانية للباب.
صوت
تنفس.
ثم ثلاث خبطات.
تك تك تك
وبعدها صوت عمر بوضوح
يا بابا أنا هنا مديت إيدي ناحية القفل، لكن الدكتور صرخ
استنى يا عبد السميع!
لفيت له
إيه تاني؟!
قال وهو بيبص للباب
لو الصوت اللي ورا الباب صوت عمر فعلًا يبقى لازم نسأل نفسنا سؤال أهم.
إيه هو؟
قرب مني وقال
إزاي صوته لسه موجود بعد كل السنين دي؟
بصيت له بصدمة.
وقبل ما أجاوبه، الخبطات رجعت.
تك تك تك
وبعدين صوت عمر
يا بابا افتح.
دموعي نزلت غصب عني.
حطيت المفتاح في القفل.
الرجل الكبير مسكني من إيدي
عبد السميع، استنى.
سيبني!
لو فتحت الباب، مفيش رجوع.
بصيت له
أنا بقالي يومين بدور على ابني بين قبر ومستشفى وملفات مزورة لو هو ورا الباب، حتى لو الدنيا كلها قالتلي ما أفتحش، هفتحه.
لفيت المفتاح.
طَق!
القفل اتحرك.
فتحت الباب ببطء
لكن اللي شوفته خلاني أتجمد.
الغرفة ما كانتش فاضية.
كان فيها سرير قديم، وجنبه جهاز تسجيل صغير.
وعلى السرير كانت موجودة صورة لعمر.
لكن الصورة ما كانتش من يوم الحادث.
كانت متصورة بعد الحادث بساعات.
عمر كان قاعد على السرير، ووشه مرهق، لكن عينيه مفتوحة.
وتحت الصورة ورقة مكتوب عليها
الصورة دي اتصورت قبل اختفائه ب 12 دقيقة.
مسكت الورقة وإيدي بتترعش.
الدكتور قرب من الصورة
وفجأة شهق وقال
دي مش غرفة 23.
قلت
أمال إيه؟
أشار إلى زاوية الصورة.
كان فيه رقم صغير مكتوب على الحائط.
24.
ثم اشتغل جهاز التسجيل لوحده.
وسمعنا صوت عمر
لو أبويا سمع التسجيل ده يبقى أنا وصلت للغرفة 24.
سكت التسجيل لحظة.
ثم جاء صوت رجل آخر من الخلفية.
صوت الدكتور نفسه.
وهو بيقول
خدوه قبل ما أبوه يوصل.
الدكتور اتراجع للخلف، ووشه بقى أبيض.
بصيت له ببطء.
إنت كنت هناك.
ما ردش.
فجأة سمعنا صوت باب بيتفتح في آخر الممر.
ثم صوت خطوات بتقرب مننا.
والدكتور همس
هو رجعالدكتور قال
هو رجع
بصيت له
مين؟
ما لحقش يرد.
الخطوات قربت أكتر.
خطوة خطوة خطوة
وفجأة ظهر الراجل الكبير اللي كان معانا قدام باب الغرفة.
كان واقف لوحده في آخر الممر.
لكن المفاجأة إن الراجل الكبير اللي جوه الغرفة كان لسه واقف قدامي!
بصيت ناحية الباب وبعدين للرجل اللي في الممر.
نفس الوجه.
نفس البدلة.
نفس الشنطة.
صرخت
إنت مين فيكم؟!
الراجل اللي في الممر ابتسم.
أما اللي واقف جنبي، فبدأ وشه يشحب.
قال بصوت مرتعش
متسمعش كلامه ده مش أنا.
الراجل اللي في الممر رد
بل أنا الحقيقي.
الدكتور وقع منه جهاز التسجيل.
وفجأة الجهاز اشتغل من نفسه.
وصوت عمر خرج منه
يا بابا الاتنين كدابين.
سكت الجميع.
ثم أضاف عمر
الحقيقة في الملف اللي
تحت السرير.
اندفعت ناحية السرير، ورفعت المرتبة.
لقيت صندوق حديد صغير.
فتحتُه.
كان جواه ملف واحد فقط.
على غلافه صورة عمر.
وتحت الصورة مكتوب
الحالة 23 الاسم الحقيقي عبد السميع.
اتجمدت مكاني.
بصيت للدكتور، ثم للرجلين.
وقلت
إيه علاقة اسمي بالغرفة دي؟صرخت وأنا ماسك الملف
إيه علاقة اسمي بالغرفة دي؟!
ولا واحد فيهم رد.
فتحت الملف بسرعة، وقلبت أول صفحة.
كان فيها بيانات مكتوبة بخط قديم
الاسم عبد السميع
العمر 41 سنة
الحالة مراقبة
سبب الدخول حادث طريق
اتجمدت.
قلت
أنا عمري ما دخلت المستشفى دي!
الرجل اللي واقف جنبي قال
عارف.
أمال الملف ده إيه؟!
قلبت الصفحة.
كانت صورة قديمة جدًا لرجل على سرير المستشفى.
الصورة كانت مشوشة، لكن ملامحه
كانت ملامحي أنا.
رجعت خطوة للخلف.
دي مش صورتي.
الدكتور قال
لأ دي صورتك.
بصيت له
إنت مجنون؟
قال
الصورة دي اتاخدت من تسع سنين.
قلت
وأنا من تسع سنين كنت هنا؟
الرجل الكبير رد
مش إنت اللي كنت هنا.
سكت لحظة، ثم أضاف
كان شخصًا يشبهك بشكل مخيف.
قلبت الصفحة التالية، فوجدت جملة واحدة مكتوبة باللون الأحمر
المريض يرفض الاعتراف بأنه عبد السميع.
وفي أسفل الصفحة توقيع.
توقيع ابني عمر.
حسيت إن نفسي انقطع.
قلت
عمر كان يعرف الملف ده؟
الدكتور هز رأسه.
أيوه.
من إمتى؟
قال
من قبل الحادث بأسبوع.
سألته
وليه ما قالليش؟
الدكتور بص للأرض وقال
لأنه اكتشف إن اسمك موجود في ملف أقدم من ميلاد عمر نفسه.
وقبل ما أستوعب كلامه، جهاز التسجيل اشتغل مرة تانية.
صوت عمر خرج واضح
يا بابا لو وصلت للملف، متدورش على الشخص اللي قتلك دور على الشخص اللي عاش مكانك.
ثم انقطع التسجيل.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت المفتاح بيلف في باب الغرفة من الخارج.
الباب بدأ يتفتح ببطء
وظهر شخص واقف في الممر.
رفعت عيني له
وكان هو نفس الرجل الموجود في صورتي داخل الملف الرجل وقف عند باب الغرفة، وأنا بصيت له وأنا مش قادر أصدق عيني.
كان شبهّي لدرجة مرعبة.
نفس ملامح وشي نفس شكل العينين حتى الندبة الصغيرة فوق حاجبي كانت موجودة.
قلت
إنت مين؟
ابتسم وقال
السؤال ده اتسأل من تسع سنين.
الدكتور قرب منه وهو بيترعش
إحنا كنا فاكرين إنك اختفيت للأبد.
رد عليه
أنا ما اختفيتش إنتوا اللي خبّيتوني.
الرجل الكبير حاول يخرج من الغرفة، لكنه وقف قدام الباب.
محدش هيمشي قبل ما عبد السميع يعرف الحقيقة.
بصيت له
إنت عارفه؟
قال
أكتر مما تتخيل.
الرجل الغريب مد إيده ناحيتي، وفي إيده ظرف قديم.
ده كان مع عمر ليلة الحادث.
أخدت الظرف وفتحته.
جواه صورة واحدة.
صورة لي
أنا وعمر واقفين قدام البيت.
لكن الغريب إن الصورة كانت متصورة بعد يوم الحادث.
وتحتها مكتوب
الأب لم يكن هو نفسه الرجل الذي دفن ابنه.
حسيت إن دماغي وقفت.
رفعت عيني للرجل.
يعني إيه؟
قال
عمر اكتشف الحقيقة قبل موته.
حقيقة إيه؟
رد بهدوء
إنك أنت كمان كنت ضحية وإن الشخص اللي عايش مكانك من سنين مش هو أنت.
وقبل ما أقدر أتكلم، جهاز التسجيل اشتغل للمرة الأخيرة.
وصوت عمر قال
يا بابا لو سمعت
 

تم نسخ الرابط