جوزي قل مني
نفس العلامات.
نفس الترتيب.
نفس اللي شافته من سنين
في مكان بعيد جدًا عن هنا.
قالت
البروتوكول العادي ممكن مايكفيش.
إيرين بصتلها باستغراب.
إنتِ متأكدة؟
ندى ردت فورًا
أيوه.
وفي اللحظة دي ظهر خالد.
واحد من الستة فجأة فقد القدرة على الاستجابة.
الجهاز أطلق إنذار عالي.
خالد بص لمراته.
لكن ندى ماكانتش واقفة زي ما خرجت من مكتبه.
المرة دي كتافها ماكانتش مضمومة.
وصوتها ماكانش صوت الممرضة الهادية.
بصت لخالد وقالت
التحذير اللي حضرتك ضحكت عليه
وسكتت لحظة.
وبعدين أشارت ناحية باب الطوارئ.
دخل من الباب ده من شوية جوه 6 رجالة.
وخالد فضل باصص لها.
ندى بدأت تدّي تعليمات بسرعة ودقة
تعليمات مفيش ممرضة عادية المفروض تكون حافظاها.
وفي اللحظة دي
خالد ماكانش لسه فاهم إن الست اللي عايش معاها بقاله 6 سنين
كانت بتخبي عنه سر أكبر بكتير مما يتخيل.
ندى ما ضيعتش ثانية واحدة. نبرة صوتها الهادية الرتيبة اختفت، وتحولت لنبرة صلبة كأنها قائد عسكري بيصدر أوامر في نص معركة.
التفتت للأطقم الطبية والمسعفين وصوتها رن في الصالة
افصلوا منطقة الطوارئ فوراً وعزل كامل بالضغط السلبي! ما حدش يلمس هدوم العساكر دول بإيده المجردة! هاتوا طقم الوقاية من المستوى الثالث، والمحلول المستخدم لازم يكون مركّب من مضادات الأكسدة ومثبطات الأعصاب الحيوية بتركيز 5!
الدكتورة إيرين اتجمدت
ندى؟! إنتِ بتقولي إيه؟! التركيبة دي مش في بروتوكول المستشفيات العادية! دي حاجات تابعة للحروب البيولوجية!
ندى بصت لإيرين بنظرة حادة وثابتة وقالت
العساكر دول اتعرضوا لغاز السارين المصنّع من مشتقات أورجانوفسفاتية عالية التركيز! لو ما أخدوش الحقن المستهدفة للأنزيمات خلال دقيقتين بالظبط، الرئة هتقف تماماً وال 6 عساكر هيموتوا قدامكم! اتحركوا فوراً على ضمانتي الشخصية!
الممرضين والأطباء، بدون ما يحسوا، تحركوا كأنهم تحت تأثير قيادة صارمة، ونفذوا التعليمات بالثانية.
خالد كان واقف في نص الصالة وشه أصفر زي الجثة، مش قادر يستوعب إن الممرضة الهادية اللي كان بيتهكم عليها قدام الضباط، بتمسك زمام الموقف وبينقذ حياة عساكره اللي كان هو السبب في تعرضهم للغاز لما رفض يوقف الحاوية!
ندى نزلت على ركبتها جنب أول عسكري، وبإيد ثابتة ورشاقة جراح محترف، ضربت السن في المكان المظبوط على الرقبة للوريد الجائفي، وهي بتتنفس بانتظام وعينيها مليانة تركيز.
خلال ثلاث دقائق...
أجهزة المتابعة بدأت تطلع نغمات منتظمة ومطمئنة بييب... بييب... بييب!
العساكر الستة تنفسهم رجع بانتظام، ولونهم الأزرق بدأ يختفي، ونجوا جميعاً من الموت المحقق!
الأطباء والمسعفين وقفوا ينفثوا أنفاسهم بذهول، وبصوا لندى بتقدير واندهاش مرعب.
التفتت ندى بهدوء، مسحت
ندى قربت منه بخطوات ثابتة وقالت بنبرة حادة وباردة
الحاوية اتأمنت يا سيادة العقيد... والعساكر نجوا، مش بفضل غرورك، بس بفضل التفسير الدرامي اللي حضرتك ضحكت عليه قدام ضباطك.
خالد بلع ريقه وصوته طلع مكسور ومبحوح
ندى... إنتِ... إنتِ عرفتي الحاجات دي منين؟! الأوامر والبروتوكول ده محدش يعرفه غير...
ندى ما ردتش. سابته ومشيت بخطوات واثقة ناحية مكتبه في الدور الإداري.
خالد جرى وراها، ودخل المكتب لقاه مفتوح.
ندى كانت واقفة قدام خزنة مكتبه السرية، اللي كانت مفتوحة! وفي إيدها الملف المكتوم باللون الأحمر الناري... ملف كان محمي بدرجة سرية مطلقة، وخالد نفسه ما كانش يقدر يفتحه غير بإذن مباشر من القيادة العامة.
خالد اتجمد مكانه، وعينيه اتوسعت برعب لما شاف الورقة الأولى في الملف.
صورة ندى... بزي عسكري برتبة مقدم أركان حرب!
وتحت الصورة البيانات الرسمية
المقدم ندى سامح القائد السابق لفريق الاستجابة السريعة للتهديدات البيولوجية والكيميائية بقطاع العمليات الخاصة خدمة 9 سنوات... تم إعفاؤها بطلب شخصي وتغيير هويتها الميدانية لدواعي أمنية عالية الخطورة.
خالد سقط على الكرسي ومش قادر يتنفس، صوته طلع مرتعش وزي الطفل
إنتِ... إنتِ كنتِ مقدم في العمليات الخاصة؟! 9 سنين في التهديدات
ندى بصت له بكبرياء وشموخ، وحطت الملف الفاخر على مكتبه بمرونة
أنا اخترت أعيش حياتي بهدوء بعيد عن الدم والغازات يا خالد... اخترت أكون جنبك ممرضة بسيطة وبنت أصول، وكنت بستحمل كلام أمك وسخريتك عشان كنت بحبك وبحافظ على بيتي. بس لما توصل إن غرورك وكبرياءك يهددوا حياة أرواح بريئة ويخليك تذل مراتك قدام الناس عشان تثبت إنك الأقوى... يبقى اللعبة دي انتهت.
خالد قام ونزل على ركبتيه قدامها، والدموع نزلت من عينيه بخزي وندم يقطع القلب
ندى... أرجوكي سامحيني! أنا كنت أعمى ومغرور! أقسم بالله ما كنت اعرف... حقك عليّ قدام الكل، أنا مستعد أعتذر لك قدام ال 11 ضابط والجمهور كله!
ندى بصت له ببرود وشموخ، وسحبت إيدها بهدوء
الاعتذار مش هيغير الحقيقة يا عقيد خالد... أنا أنقذت العساكر لأن ده واجبي وشرف خدمتي، بس حياتي معاك انتهت من اللحظة اللي ضحكت فيها عليّ قدامهم.
خرجت ندى من المكتب ورأسها مرفوعة في السما، وراحت أخدت إجازتها واستقالتها الرسمية من المستشفى، ورجعت لهويتها الحقيقية وقدرها العالي.
أما خالد... ففضل يعيش في خزي وندم طوال عمره، خسر أصلح وأشجع ست دخلت حياته، وعرف إن القوة والحجم الحقيقي للإنسان مش بالرتب ولا بالغرور... القوة
تمت