رجعت البيت
رجعت البيت بعد ولادة صعبة جدًا، فلقيت حماتي مدهونة أوضة بنتي الرضيعة كلها بالأسود... لكن اللي جوزي عمله بعدها كان أسوأ بالنسبالها بكتير من إنه يطردها من البيت!
حماتي، نادية، كانت مستنية اليوم اللي أجيب فيه ولد من أول يوم اتجوزت فيه ابنها الوحيد، أحمد.
عيلة أحمد كانت بتمتلك مصنع أثاث كبير وناجح بقاله أربع أجيال، ونادية عمرها ما كانت بتفوت فرصة من غير ما تفكرني إن المصنع ده طول عمره بيتورث من الأب للابن.
ولما حملت، أنا وأحمد قررنا إننا منعرفش نوع البيبي.
كنا عايزينها تبقى مفاجأة لحد يوم الولادة.
بس نادية مكانتش محتاجة سونار أصلًا.
كانت كل ما تشوفني تحط إيدها على بطني وتقول بمنتهى الثقة
أنا عارفة إنه ولد... حاسة بيه. ده الجيل الخامس.
ووصل بيها الموضوع إنها طلبت جاكت صغير كحلي مخصوص للبيبي، مطرز عليه اسم شركة العيلة، وعلى ضهره مكتوب
الجيل الخامس.
وفي مرة، وأنا شايفاها فرحانة بالجاكت، سألتها
طب ولو طلعت بنت؟
نادية ابتسمت وبصتلي كأن السؤال نفسه غريب، وقالت
البنات عمرهم ما أداروا شغل العيلة دي.
فضلت الجملة دي معلقة في دماغي.
بس وقتها حاولت أتجاهلها.
قلت لنفسي لما البيبي ييجي، سواء ولد أو بنت، أكيد قلبها هيرق.
أكيد أول ما تشوف حفيدها أو حفيدتها هتنسى الكلام ده كله.
لكن لما دخلت الأسبوع التامن والتلاتين من الحمل، جالي الطلق.
دخلت المستشفى وأنا فاكرة إن خلال ساعات قليلة هكون شايلة طفلي بين إيديا.
لكن الولادة كانت أصعب بكتير من أي حاجة تخيلتها.
فضلت أربعطاشر ساعة كاملة بتألم.
وبعدها حصلت مضاعفات خلت الدكاترة يقرروا إن مفيش وقت نضيعه، ولازم أعمل قيصرية طارئة فورًا.
آخر حاجة فاكرها قبل العملية كانت الأنوار القوية فوق راسي وصوت أحمد وهو بيحاول يطمني.
ولما فتحت عيني أخيرًا...
لقيته قاعد جنبي.
كان بيعيط.
وفي حضنه طفلة صغيرة جدًا ملفوفة في بطانية.
بصلي
حمد لله على سلامتك... تعالي شوفي بنتنا.
وقربها مني.
دي ليلى.
بنت.
إحنا خلفنا بنت.
لكن في اللحظة دي، مكنش فارق معايا أي حاجة في الدنيا غير سؤال واحد
هي كويسة؟
ولما عرفت إنها سليمة ومعافاة، حسيت إني مش عايزة من الدنيا أكتر من كده.
نادية جت تزورنا بعد الضهر.
دخلت الأوضة، وقربت من سرير ليلى الصغير.
وقفت تبصلها كام ثانية.
وشها كان غريب.
مفيهوش الفرحة اللي كنت متوقعة أشوفها على وش جدة بتشوف حفيدتها لأول مرة.
وبعد لحظات، رسمت ابتسامة بالعافية على وشها.
قالت كلمتين عاديين...
وقعدت حوالي عشر دقايق بس.
وبعدين قامت ومشيت.
أنا وقتها كنت مرهقة جدًا ومش قادرة حتى أفكر في تصرفاتها.
بعد تلات أيام، أحمد جه عشان يرجعني أنا وليلى البيت.
كنت لسه بتألم من العملية.
كل خطوة كنت باخدها كانت بتوجعني، وطلوع السلم بالنسبة لي كان شبه مهمة مستحيلة.
لكن رغم كل التعب...
كان في حاجة واحدة مستنياها من شهور.
إني أدخل أوضة ليلى وأنا شايلها.
الأوضة اللي جهزتها بإيديا.
كنت اخترت لون الحيطان كريمي هادي، ورسمت عليها بإيدي ورد بري صغير بألوان بسيطة ورقيقة.
اخترت لها ستاير فاتحة.
وجبنا سرير أطفال أبيض جميل.
قضيت شهور وأنا بتخيل اللحظة اللي هدخل فيها الأوضة دي ومعايا طفلي.
وأخيرًا اللحظة وصلت.
طلعت السلم بالعافية.
وصلت قدام باب الأوضة.
مديت إيدي...
وفتحته.
وصرخت.
اتجمدت مكاني.
كل حاجة كانت سودا.
كل حاجة.
الحيطان...
سودا.
الورد الصغير اللي قعدت بالساعات أرسمه بإيدي...
اختفى تحت الدهان الأسود.
الستاير...
سودا.
حتى الأرضية اتغير شكلها وبقت سودا.
لكن أكتر حاجة خلت قلبي يقع...
كانت سرير بنتي.
السرير الأبيض الجميل اللي اخترته بنفسي...
كان متغرق في طبقة تقيلة من الدهان الأسود.
وقفت مش قادرة أستوعب اللي شايفاه.
وبعدين بصيت ناحية الشباك.
ولقيت نادية واقفة هناك.
وفي
بصيتلها وأنا تقريبًا مش مصدقة وصرخت
إنتِ عملتي إيه؟!
نادية هزت كتفها بمنتهى البرود.
وقالت
مفيش وريث صغير راجع البيت، مش كده؟ فقلت بدل ما نفضل عاملين نفسنا إن الأوضة دي حاجة مميزة، نخلي شكلها مناسب للحقيقة.
فضلت أبصلها وأنا مش قادرة أنطق.
أنا لسه خارجة من عملية.
لسه راجعة البيت ببنتي بعد ولادة كنت ممكن أموت فيها.
وهي استغلت الأيام اللي إحنا فيها في المستشفى...
ودخلت أوضة بنتي...
ومسحت كل حاجة عملتها بإيدي.
في اللحظة دي، أحمد ظهر ورايا.
وقف عند باب الأوضة.
وبص للحيطان السودا.
وبعدين عينه راحت ناحية سرير بنته.
السرير الأبيض اللي بقى متغطي بالكامل بالدهان الأسود.
نادية عقدت دراعاتها قدام صدرها وقالت بمنتهى الاستفزاز
متعملوش حكاية من الموضوع. ده مجرد دهان. تقدروا تعملوا الأوضة من الأول لما تخلفوا ولد أخيرًا.
حسيت بإيد أحمد وهي ماسكة إيدي.
وفجأة...
ضغط عليها جامد.
كنت متوقعة إنه يصرخ.
كنت متوقعة يزعق لأمه.
يمكن يطلب منها تخرج من البيت فورًا.
لكن أحمد معملش أي حاجة من دول.
على العكس تمامًا.
هدوء غريب نزل عليه فجأة.
هدوء خلاني أنا شخصيًا أقلق.
ملامح وشه بقت جامدة.
طلع موبايله من جيبه.
ومشي ناحية الطرقة.
وبدأ يعمل مكالمة.
كان بيتكلم بصوت واطي جدًا لدرجة إني معرفتش أسمع كلمة واحدة من اللي بيقولها.
نادية في الأول كانت واقفة بثقة.
لكن بعد شوية، بدأت تبص ناحيته بتوتر.
ولما قفل المكالمة ورجع، ضحكت ضحكة عصبية وقالت
إنت بتعمل إيه يا أحمد؟
أحمد مبصلهاش.
بص لبنته الصغيرة اللي كانت نايمة في حضني.
وبعدين رفع عينه لأمه وقال
هتعرفي كمان دقيقة يا ماما.
أنا نفسي مكنتش فاهمة حاجة.
كنت لسه هسأله يقصد إيه...
لما جرس الباب رن.
أحمد لف من غير ما يقول كلمة.
ونزل السلم.
سمعت صوت الباب بيتفتح.
وبعد حوالي دقيقة...
سمعت صرخة نادية.
صرخة خلتني أنسى وجع
بصيت عليها.
كانت واقفة مكانها ووشها اتغير تمامًا.
وبعدين نزلت السلم بسرعة.
أنا نزلت وراها بالعافية، ماسكة الدرابزين بإيد، وليلى في حضني.
ولما وصلت لآخر السلم...
لقيت نادية واقفة تحت.
وشها كان أبيض زي الورق.
وعينيها متعلقة بالراجل اللي أحمد لسه مدخله البيت.
أول ما شافته، قالت بصوت مخضوض
لأ.
أحمد فضل ساكت.
نادية هزت راسها بعنف.
لأ يا أحمد... مش هو.
وبعدين قربت من ابنها بسرعة ومسكت دراعه.
صوتها اتغير تمامًا.
الست اللي من دقايق كانت واقفة قدامي بكل غرور وبتقول إن بنتي مش وريثة...
بقت بتترجاه.
أرجوك يا أحمد.
أحمد بص لها من غير ما يرد.
قالت وهي بتشد على دراعه
اطردني من البيت.
سكتت لحظة، وبعدين قالت بسرعة
خد فلوسي... خد أي حاجة إنت عايزها. أنا مش فارق معايا.
وبصت ناحية الراجل بخوف حقيقي.
بس متعملش فيا كده.
أحمد مد إيده بهدوء...
وفك إيد أمه من على دراعه.
من غير ما يزعق.
من غير ما يهينها.
ومن غير حتى ما يرفع صوته.
وبعدين وقف جنب الراجل.
وساعتها بس فهمت من نظرة نادية إن اللي أحمد عمله...
مكانش مجرد رد فعل على أوضة ادهنت بالأسود.
أحمد كان عارف حاجة.
حاجة تخص أمه.
وحاجة نادية كانت مستعدة تخسر فلوسها وتتطرد من البيت...
ولا تواجهها.
لكن خلاص.
كان فات الأوان.
لأن الراجل اللي كانت نادية مرعوبة من مجرد وجوده في بيتنا...
كان وصل.
والدرس اللي أحمد قرر يعلّمه لأمه بعدها...
كان أسوأ بكتير من أي عقاب كانت تتخيله.
لو حابة، أقدر كمان نكملها من عند ظهور الراجل ونخترع سبب قوي جدًا يخلي نادية مرعوبة منه، مع قفلة صادمة ومقنعة.
الراجل اللي دخل من باب البيت مكانش شخص غريب.
كان الحاج محمود.
جد أحمد.
والراجل اللي ماسك شركة العيلة فعليًا لحد النهارده.
أول ما نادية شافته، وشها شحب تمامًا.
همست
لأ... يا أحمد، لأ. مش هو.
لكن خلاص.
الحاج محمود كان دخل البيت.
كان لسه لابس الجاكت بتاعه، وكأنه ساب كل حاجة وطلع على هنا فورًا.
بص لأحمد وقال بصوت هادي
قلتلي إن الموضوع مينفعش يستنى.
أحمد أشار ناحية السلم.
فعلًا مينفعش. بس قبل ما أشرحلك أي