جوزي كان بيرفض
وبدأت أرتب حاجات أمي اللي كنت مخبياها في الدولاب.
لأني قررت إن أمي هتيجي تقعد عندي.
مش 4 أيام.
ولا حتى 40 يوم.
هتيجي لحد ما هي بنفسها تقرر تمشي.
تاني يوم الصبح، محمود لقى شنطة كبيرة عند باب الشقة.
—إيه دي؟
—شنطة أمي.
—أمك جاية؟
—آه.
—سارة، أنا قلت لك البيت صغير.
بصيت له بهدوء.
—عارفة.
—أومال؟
—هتنام في أوضة الضيوف.
اتسمر مكانه.
—بس أمي لسه ما مشيتش.
ابتسمت.
—عشان كده هتناموا إنتوا الاتنين في أوضة الضيوف.
وشه اتغير.
—إنتِ بتعاقبيني؟
—لأ.
حطيت الشنطة على الأرض.
—أنا بس بطبق نفس القاعدة اللي إنت حطيتها.
سكت ثواني.
وبعدين قال:
—ماما محتاجة البيت أكتر.
هنا فهمت إن الموضوع مش ضيافة.
ولا مساحة.
ولا راحة.
كان فيه سبب حقيقي وراء إصراره إن أمه تفضل عندنا كل الفترة دي.
وسبب ماكنتش أعرفه.
بعد ما حماتي خرجت تشتري حاجات، محمود فتح موبايله وبعت رسالة لرقم محفوظ باسم غريب.
قرأتها بالصدفة من على شاشة الموبايل.
«لسه سارة ما تعرفش إن أمي باعت شقتها، صح؟»
وقفت مكاني.
لأن حماتي ما كانتش قاعدة عندنا عشان تزور ابنها.
كانت قاعدة عندنا لأنها ماكانش عندها بيت ترجع له أصلًا.
الرسالة كانت زي الصدمة اللي شلت عقلي وحركتي: «لسه سارة ما تعرفش إن أمي باعت شقتها، صح؟»
محمود كان واقف ماسك الموبايل، أول ما حاس بوجودي ورا ضهره، اتنفض وخبى الشاشة بسرعة، لكن ملامح وشه كانت كفيلة تتكلم. الخوف والارتباك كانوا ظاهرين في عينيه بوضوح.
قربت منه بخطوات بطيئة وصوتي طالع بالعافية من الصدمة:
— شقة مين اللي اتباعت يا محمود؟ وأمك قاعدة هنا بقالها 40 يوم ليه بالظبط؟
محمود
— سارة... استني بس، أنتِ فهمتي غلط...
زعقت بكل قوتي:
— أنا قريت الرسالة بعيني! أمك باعت شقتها وساكتين؟ ومفهمني إن البيت صغير على أمي وتعبانين من وجودها، وأنت جاي تحطني قدام الأمر الواقع وتخلي أمك تستولي على شقتنا للأبد من غير ما أعرف؟!
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح، ودخلت حماتي سميحة وهي شايلة أكياس. شافتنا واقفين بنزعق، رمت الأكياس على الترابيزة وبصت لي بقسوة ورسمت دور الضحية كالعادة:
— فيه إيه يا سارة؟ صوتك طالع ليه على جوزك؟ هو أنا كتمت على نفسك ولا إيه؟
بصيت لها ونظراتي كانت مليانة غضب:
— أنتِ ما كتمتيش على نفسي بس يا حاجّة سميحة... أنتِ وجوزك كنتوا بتشتغلوني! بتستغفلوني في بيتي! وينك جاية زيارة "كام يوم" وهتمشي بكرة، وأنتِ أصلًا معندكيش بيت ترجعي له!
حماتي اتجمدت مكانها، ولونها اتخطف. بصت لمحمود بغضب:
— أنت قلت لها يا محمود؟
محمود حط إيده على رأسه وهو هيتجنن:
— ما قلتش حاجة يا أمي! هي قريت الرسالة على الموبايل بالصدفة!
أنا قربت من محمود ومسكت إيده بقوة:
— افتح الموبايل ده دلوقتي... مين اللي بايع الشقة؟ وفين فلوسها؟ وإزاي تبيع بيتها من غير ما حد يعرف؟
حماتي صرخت:
— فلوسي وأنا حرة فيها! بعت شقتي وما حدش له دعوة! وأنا قاعدة في بيت ابني، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل!
قلت لها بثبات يهد الجبال:
— ده بيت ابنيك... وده بيتي أنا كمان اللي حاطة فيه شقا عمري وورث أبويا عشان ندفعه مقدم! لو البيت ده ملك ابنك لوحده، كان زمان كلامك صح... لكن ده بيتي بالورق والقانون، ومفيش مخلوق هيقعد فيه باستغفال!
محمود قعد على الكرسي وهو مكسور، وقال بصوت واطي ومحروق:
—
الصدمة الثانية كانت أشد! شريف، أخوه الصغير المستهتر اللي طول عمره بيدخل في مشاريع فاشلة وبيستلف من طوب الأرض.
كمل محمود بدموع في عينيه:
— شريف اتورط في شيكات بدون رصيد وقضايا نصب، وكان هيدخل السجن 10 سنين. أمي راحت باعت شقتها الجديمة بتراب الفلوس عشان تسدد ديونه وتطلعه من السجن... وما بقاش حيلتها جنيه واحد، ولا ليها مكان تعيش فيه!
حماتي قاطعت بكبرياء مزيف:
— وأنا أضحي بعمري عشان أنقذ ابني! ومحمود ابني الكبير، ولازم يشيلني ويشيل أخوه!
بصيت لحماتي وقلت لها بحسم:
— تنقذي ابنك بفلوسك وببيتك أنتِ حرة... لكن إنك تخططي مع ابنك الكبير إنك تعيشي في بيتي على حساب راحة أمي وعلى حسابي، وتطردوا أمي لما تكون محتاجة دواء وبيات 4 أيام وتعملوا فيها إن البيت "صغير"، دي قلة أصل وما يسكتش عليها!
محمود بص لي بعيون مليانة ترجي:
— سارة... دي أمي، هترميها في الشارع؟
— أنا مش هرمي حد في الشارع يا محمود... بس الحق لازم يرجع. أمك ضحت ببيتها عشان شريف؟ يبقى شريف هو اللي يتحمل مسؤوليتها! مش يرميها عليك ويقعد هو يتفسح بفلوس الناس وأنت تشيل شيلته على حساب بيتك ومراتك!
في نفس الليلة، صممت إن محمود يطلب أخوه شريف يجي البيت فورًا.
شريف جه، وكان فاكر إن الموضوع عزومة أو كلام عادي. أول ما دخل، لقي أوراق ومستندات على الترابيزة.
وقفت قدامه وقلت له بصوت حاد:
— بص يا شريف... أمك باعت شقتها عشان تحميك من السجن، وأنت قعدت واستريحت ورميتها على محمود وعلى بيتي. من بكرة الصباح، الشقة الإيجار اللي أنت قاعد فيها هتنقل
شريف اتوتر وقال:
— أنا معنديش مكان يا سارة! وميزانيتي ما تستحملش!
رديت عليه بصرامة:
— تستحمل أو ما تستحملش دي مشكلتك! محمود شايل بيته وعياله، وما لوش ذنب يتدبس في نتائج طيشك! ولو أمك ما خرجتنيش من حساباتكم، أنا هرفع قضية بالورث اللي حطيته في الشقة دي، وهاخد حقي بالقانون وهسيب لكم البيت كله تشبعوا بيه!
محمود لأول مرة وقف في وش أخوه وأمه، وبص لشريف وقال:
— كلام سارة صح يا شريف. أنا شيلت كتير، وعرضت بيتي للخراب بسبب سكوتي. أمي فوق رأسي، بس أنت لازم تشيل معايا وتدفع نص مصاريفها وتوفر لها سكن، مش ترمي كل حاجة عليّ وتتفرج!
حماتي لما لقيت إن الكل واقف ضد المستهتر شريف، وإن سارة مش هتسكت على حقها ولا على كرامة أمها، بدأت تستوعب إن اللي عملته كان غلط في حق بيتي.
تاني يوم الصبح...
شريف اضطر يتنازل وياخد أمه عنده في شقته مؤقتًا لحد ما أجر لها أوضة وصالة قريبة منه، وأصبح هو ومحمود بيتقاسموا مصاريفها شهريًا بالعدل.
وعند باب الشقة، محمود وقف قدام الشنطة الكبيرة اللي كنت مجهزاها لأمي.
مسك إيدي وقال بنبرة ندم عميقة:
— سارة... أنا آسف. أنا كنت أناني وجبان، وسمحت لأمي وأخويا يستغلوني ويظلموا أمك ويظلموكي.
ابتسمت له بهدوء وقلت:
— البيت عمره ما كان صغير يا محمود... البيت بيكبر بقلوب أصحابه، وبيصغر لما يدخله الكدب والاستغفال.
في نفس اليوم، نزلت بنفسي جبت أمي من بيتها، ورجعت بيها على شقتنا.
قعدت أمي في أفضل أوضة في البيت، ومحمود كان بيخدمها بنفسه وبيشيلها من على الأرض شيل عشان يكفر عن غلتطه ويصالحني.
وعرفت وقتها
تمت