ست طيبة

لمحة نيوز

ست طيبة وقفت جنب عجوز الكاشير بيهينها قدام الناس من غير ما تعرف إنها أم أكبر مليونير في البلد
صوت علبة البيض وهي بتتكسر على الأرض خلّى السوبر ماركت كله يسكت.
إنتِ بقالك أكتر من عشر دقايق بتعدّي الفلوس دي؟!
الصوت كان عالي ومليان استعلاء.
داليا منصور، ست في أوائل الأربعينات، كانت واقفة قدام الكاشير، ماسكة شنطتها الغالية بإيد، وبالإيد التانية بتشاور بعصبية على ست عجوز واقفة قدامها.
الست العجوز كانت في أواخر الستينات.
لابسة جاكت قديم متخيط من عند الكم، وشال صوف باهت، وإيديها بتترعش وهي بتحاول تجمع العملات المعدنية اللي وقعت منها.
علبة اللبن اتفتحت على الأرض.
الطماطم اتدحرجت تحت الرف.
وكيس الرز وقع جنب رجلها.
لكن محدش اتحرك.
ناس بصت بعيد.
ناس تانية طلعت موبايلها تصور.
والكاشير نفسه وقف مكانه، كأنه مش شايف حاجة.
داليا زعقت
ناس زي حضرتك المفروض تشتري حاجتها أونلاين بدل ما تعطل الناس.
الست العجوز رفعت عينيها.
حقك عليا يا بنتي.
بنتك؟! إنتِ شايفاني فاضية؟
وبحركة عصبية، داليا زقت الكيس من إيدها.
الست فقدت توازنها ووقعت على ركبتها.
هنا بس مريم عبد الرحمن سابت طابورها.
مريم كانت عندها 29 سنة، ووقتها كانت لابسة هدوم شغل بسيطة، وحاطة شنطة قماش على كتفها.
محدش كان يعرف إنها هي كمان كانت داخلة السوبر ماركت وهي بتحسب كل جنيه في محفظتها.
من سنتين، مريم كانت شغالة في مصنع ملابس في العاشر من رمضان.
مرتب بسيط، لكنه كان مكفيها هي وبنتها

نور، اللي عندها 8 سنين.
لحد ما في يوم راحت الشغل، لقت باب المصنع مقفول بالسلاسل.
مفيش إنذار.
مفيش تعويض.
ولا حتى مرتب الشهر الأخير.
الشركة أعلنت إفلاسها، وكل العمال اتسابوا لمصيرهم.
مريم باعت التلفزيون.
وبعده الغسالة.
وبعدين خاتم دهب صغير كانت أمها سايبهولها.
لكن المشكلة الأكبر كانت نور.
بنتها كانت محتاجة علاج منتظم بسبب مشكلة في القلب، والدكتور كان بدأ يحذرها إن حالتها محتاجة تدخل طبي في أسرع وقت.
العملية مش رفاهية يا مدام مريم.
الدكتور قالها الكلام ده وهي قاعدة قدامه في العيادة.
بنتك محتاجة تتعمل لها العملية خلال الفترة الجاية.
وتكلف كام؟
الدكتور سكت لحظة.
في حدود مليون جنيه في المستشفى الخاص.
مريم ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة.
مليون؟
كانت كل مدخراتها وقتها حوالي 11 ألف جنيه.
اشتغلت بعدها في مطعم صغير الصبح.
وبالليل كانت بتنضف مكاتب.
كانت بتخرج من البيت قبل الفجر، وترجع بعد نص الليل.
لكن كل يوم، أول ما تدخل، نور كانت بتجري عليها.
ماما!
ومريم مهما كانت منهكة كانت بتفتح دراعها.
حبيبتي.
نور كانت بتبصلها وتقول
إنتِ تعبانة؟
لأ.
بتكدبي.
مريم كانت تضحك.
إنتِ اللي بتكبري بسرعة.
وفي ليلة، نور رسمت صورة ليها ولأمها وهما ماسكين إيد بعض.
مريم بصت للرسمة.
مين دي؟
إنتِ.
وأنا ليه لابسة تاج؟
نور ابتسمت.
عشان إنتِ ملكة.
مريم دخلت الحمام بعدها وقعدت تعيط في صمت.
لأنها كانت خايفة جدًا.
لكنها ماكانتش بتسمح لنور تشوف خوفها.
وفي اليوم
اللي حصل فيه الموقف، كانت مريم معاها 250 جنيه بالظبط.
كانت محتاجة تشتري جزء من علاج نور.
لكنها دخلت السوبر ماركت الأول عشان تشتري أكل رخيص يكفي كام يوم.
وهناك شافت الست العجوز.
كانت حاطة على السير
لبن.
بيض.
رز.
فول.
وعلبتين شوربة.
الكاشير حسبهم.
الحساب 238 جنيه.
الست فتحت محفظتها.
طلعت العملات واحدة واحدة.
عدتهم.
وبصوت مكسور قالت
معايا 150 بس.
سكتت.
ممكن أشيل اللبن والبيض؟
وهنا داليا انفجرت.
يا جماعة هو إحنا هنفضل واقفين لحد إمتى؟
الست حاولت تجمع فلوسها.
إيدها كانت بتترعش.
وقعت منها عملتين.
داليا زعقت
بجد كفاية!
وبعدين زقت الكيس.
الست وقعت.
مريم ما استحملتش.
سابِت حاجتها وجريت عليها.
حاضر يا حاجة، أنا معاكي.
نزلت على الأرض وجمعت الفلوس واحدة واحدة.
الست كانت بتحاول تمنع دموعها.
سيبيني يا بنتي.
ليه؟
أنا اتعودت.
مريم رفعت عينيها لها.
على إيه؟
إن محدش يساعدني.
الجملة وجعت مريم أكتر من اللي حصل.
مدت إيدها وساعدتها تقوم.
داليا بصت لها باحتقار.
إنتِ كمان داخلة تعملي فيها بطلة؟
مريم ما ردتش عليها.
بصت للكاشير وحطت محفظتها على الكاونتر.
حاسب كل حاجتها.
الكاشير اتوتر.
بس يا آنسة الفلوس دي هتخلص تقريبًا.
عارفة.
يمكن تكوني محتاجاها.
مريم بصت للست.
وبعدين قالت
هي محتاجاها أكتر مني دلوقتي.
الست مسكت إيد مريم.
لا يا بنتي، حرام عليكي.
مش حرام.
ابتسمت.
بكرة يمكن أنا اللي أكون محتاجة حد يقف جنبي.
دفعت الحساب.
فضل في محفظتها 12
جنيه بس.
وهي خارجة من السوبر ماركت، افتكرت علاج نور.
12 جنيه مش هيجيبوا حتى نصه.
لكنها ما ندمتش.
وصلت الست لعربيتها القديمة.
اسم حضرتك إيه؟
الست اترددت.
سعاد.
أنا مريم.
ربنا يكرمك يا بنتي.
أوصلك؟
لأ، أنا قريبة.
مريم بصت لها.
الجو حر، والحاجات تقيلة.
بعد شوية تردد، سعاد وافقت.
ركبت جنبها.
وأثناء الطريق، مريم لاحظت إن الست ساكتة جدًا.
حضرتك عايشة لوحدك؟
سعاد بصت من الشباك.
من فترة.
ولادك بعيد؟
سعاد ابتسمت بحزن.
ابني بعيد قوي.
مريم ما سألتش أكتر.
ماحبتش تدخل في حاجة شخصية.
لكنها ما كانتش تعرف إن كلمة ابني دي كانت بتخبي وراها قصة أكبر بكتير مما تتخيل.
لأن سعاد كانت والدة عمر السيوفي.
واحد من أغنى رجال الأعمال في مصر.
رجل اسمه موجود في أكبر الشركات والمشروعات.
ورجل من سنة كاملة كان بيدور على والدته بعد ما اختفت فجأة من قدامه.
عمر كان فاكر إنها سافرت لوحدها.
لكن الحقيقة إن سعاد كانت قررت تبعد عنه بعد خلاف كبير بينهم.
وما كانتش عايزة حد يعرف مكانها.
في نفس الليلة، مريم وصلت سعاد لحد البيت.
قبل ما تنزل، سعاد قالت
ممكن تديلي رقمك؟
مريم استغربت.
ليه؟
عشان لو احتجت حاجة.
مريم ابتسمت وكتبت رقمها.
لكن الاتنين ماكانوش واخدين بالهم إن شاب صغير كان واقف بعيد في السوبر ماركت وقت اللي حصل.
الشاب كان صور كل حاجة.
من أول إهانة داليا.
لحد اللحظة اللي مريم دفعت فيها آخر فلوس معاها.
وفي نفس الليلة، الفيديو اتبعت لأكتر من شخص.
لحد ما
وصل لشخص واحد بالذات.
عمر السيوفي.
عمر فتح الفيديو وهو في مكتبه.
كان متضايق أصلًا من عشرات الاتصالات اللي جاياله عن والدته.
لكن أول ما شاف الست العجوز على الشاشة
عرفها.
دي
 

تم نسخ الرابط