بيت اهل جوزي

لمحة نيوز

بيت أهل جوزي كان عندهم قاعدة غير مكتوبة، بس الكل بيتعامل معاها كأنها قانون مقدس
أي حد من العيلة يشتري شقة في المدينة، شقته تتحول تلقائيًا لفندق مجاني لكل أفراد العيلة.
والسنة دي... الدور جه علينا.
حماتي لسه باعتة أوامرها في جروب العيلة، وقررت إن أخو جوزي التاني ومراته وعياله، ستة أفراد كاملين، ييجوا يقضوا عندنا فترة الحر.
جوزي، حسام، قعد على الكنبة يفرك في إيديه فترة طويلة، وكأنه بيدور على الطريقة المناسبة اللي يبلغني بيها القرار.
وفي الآخر قال
إيه رأيك تنزلي تجيبي شوية حاجات وتملي التلاجة قبل ما ييجوا؟
فضلت باصة له عشر ثواني كاملة من غير ما أنطق.
وبعدين قمت من مكاني، فتحت الدولاب، وطلعت ورقة كنت مخبياها من تلات شهور.
كانت إخطار رسمي بقبولي في تدريب مهني خارج المحافظة.
وبدأت أحط هدومي في الشنطة.
صوت سوستة الشنطة وهي بتتقفل كان واضح جدًا وسط هدوء الصالة.
بصيت له وقلت
التلاجة في المطبخ، والسوبر ماركت تحت العمارة. إنت راجل كبير وعاقل... أكيد تعرف تشتري أكل لوحدك، صح؟
01
القاعدة دي في عيلة حسام بدأت تقريبًا من وقت ما أنا وهو اشترينا الشقة دي.
اللي عنده شقة في المدينة، لازم بابه يفضل مفتوح للعيلة.
أي حد ييجي، يتفضل.
يقعد أسبوع، شهر، شهرين... محدش يسأل.
لو سألت الضيوف هيمشوا إمتى، تبقى بخيل.
ولو اعترضت، تبقى بتقطع صلة الرحم ومش مقدّر العيلة.
في أول سنة من جوازي، حمايا عبد الحميد عمل عملية مياه بيضا في عينه.
حماتي فوزية جابت الملايات والبطاطين والمخدات، وجت تقعد عندنا معاه.
قالوا
أسبوعين بالكتير ونرجع.
الأسبوعين بقوا أربع شهور.
كنت كل يوم أرجع من الشغل ألاقي حوض المطبخ متروس أطباق.
البلكونة مليانة هدومهم.
والكنبة عليها طول الوقت سلة الخياطة بتاعة حماتي.
كنت حاسة إني مش راجعة بيتي.
أنا راجعة أخدم في بيت حد تاني.
وكل ما أشتكي لحسام،

كان عنده نفس الجملة الجاهزة
دول ناس كبار ومش بييجوا كتير... استحملي شوية.
السنة اللي بعدها، أخوه التاني محمود جاب عياله المدينة عشان ياخدوا كورسات ودروس في الصيف.
قالوا هيقعدوا عشرة أيام.
العشرة أيام امتدوا لحد نهاية الإجازة الصيفية كلها.
ابنيه رسموا بالشمع على حيطان المكتب بتاعي.
والعربية اللعبة بتاعتهم خبطت أرضية الصالة لحد ما عملت فيها تلات علامات غائرة.
ولما مرات محمود، سحر، كانت ماشية، بصت حوالين الشقة وهي مبتسمة وقالتلي
يا بختك يا منى... شقتكم واسعة أوي. العيال عرفوا يلعبوا وياخدوا راحتهم.
أنا ما ضحكتش.
صورت فواتير التنظيف والتصليحات وبعتها لحسام.
بص عليها ثانيتين.
وبعدين قلب الموبايل على وشه فوق الترابيزة وقال
يا منى، كلنا أهل... هنحسبها لبعض بالقلم والورقة؟
ومن اللحظة دي فهمت الحقيقة.
عقد الشقة مكتوب فيه اسمي واسم حسام.
لكن في نظر عيلته، الشقة كلها ملك عيلة حسام.
وأنا؟
أنا مجرد واحدة مسؤولة عن المفتاح، والطبخ، والتنظيف، والغسيل...
وطبعًا الابتسامة المطلوبة لاستقبال الضيوف.
في شهر يونيو السنة دي، أول ما الحر بدأ يزيد، جروب العيلة اللي اسمه عيلتنا أحلى عيلة بدأ يرن.
كنت واقفة في المطبخ بقطع الخضار.
الموبايل كان على ترابيزة السفرة، وكل شوية يهز من كتر الرسائل.
حماتي فوزية بعتت صورة لتحذير هيئة الأرصاد من ارتفاع درجات الحرارة.
وبعدها مباشرة بعتت فويس.
فتحته.
صوتها كان عالي وواثق، كأن الموضوع اتحسم أصلًا ومحدش له حق يناقش.
قالت
الحر السنة دي شديد، والمياه بتقطع عند محمود كتير، فخلي محمود وسحر والعيال يطلعوا يقعدوا عند حسام كام يوم لحد الدنيا ما تهدى.
الجروب سكت ثانيتين.
وبعدين محمود رد بسرعة
ربنا يخليكي لينا يا أمي، دايمًا بتفكري فينا.
وسحر بعتت تلات إيموشنات ضحك وقلوب.
وبعدها كتبت
معلش يا منى هنتعبك معانا... بس العيال نفسهم
في صينية البطاطس باللحمة اللي بتعمليها.
حطيت السكينة من إيدي.
الخيار اللي كنت بقطعه اتدحرج على لوح التقطيع لحد طرف الحوض.
فضلت باصة للموبايل.
لكن حماتي ما خلصتش.
بعتت رسالة تانية
يا منى اغسلي الملايات من النهارده.
وبعدها
والعيال كتير، افرشي لهم كمان في الصالة.
وبعدها
وهاتي لحمة وفراخ زيادة وحطيهم في الفريزر، العيال في سن نمو وبيأكلوا كويس.
وبعدين فجأة كتبت
آه صحيح، أم سحر هتيجي معاهم. ست كبيرة ومريضة في ضهرها، خلي بالك ما تناميهاش على سرير ناشف.
وقفت عند الجملة الأخيرة.
أم سحر كمان؟
شقّتنا فيها تلات أوض بس.
أوضة النوم الرئيسية بتاعتي أنا وحسام.
أوضة ضيوف صغيرة كنت مخصصة لأبويا وأمي لما ييجوا يزوروني.
والأوضة التالتة مكتبي، اللي بذاكر وأشتغل فيه بالليل.
بكلمتين من حماتي، اتحولت حياتي كلها لاستضافة ستة أشخاص، وفوقهم ست كبيرة مالهاش أي صلة بيا أصلًا.
والأغرب؟
ولا شخص واحد في الجروب سأل
منى، ينفع؟
ولا حد قال
الوقت مناسب؟
ولا حتى
معلش هنضايقك.
بصيت لحسام.
كان قاعد على الكنبة، الموبايل في إيده.
نور الشاشة منعكس على وشه.
حواجبه اتلمت للحظة وهو بيقرأ الرسائل.
وبعدين رجعت ملامحه طبيعية.
بصيت له.
هو اتجنب عيني.
قلت
إنت مش ناوي تقول حاجة؟
كح وقال
أمي بس بتبلغنا بدري عشان نبقى عارفين.
ضحكت.
بتبلغنا؟
بصيت له وقلت
دي شقتي يا حسام، مش ريسبشن فندق.
حط الموبايل جنبه.
يا منى، بلاش تبدأي الكلام بالطريقة دي.
محمود فعلًا ظروفه صعبة.
المياه بتقطع عندهم والجو نار. العيال ذنبهم إيه؟
قلعت المريلة وحطيتها على ظهر الكرسي.
قلت
لو المياه عندهم بتقطع، ممكن يروحوا فندق.
ممكن يروحوا عند أبوك وأمك.
ممكن محمود، باعتباره راجل كبير وعنده أسرة، يتصرف.
ليه الحل الوحيد دايمًا هو بيتي أنا؟
وش حسام اتغير.
وقال
بيتي أنا كمان.
هزيت راسي ببطء.
بيتك.
الكلمة وقعت بينا بطريقة
خلت الصالة كلها تسكت.
حتى هو حس بمعناها.
صوت الشوربة اللي على النار كان الوحيد اللي مسموع.
وفجأة الموبايل رن برسالة جديدة.
حماتي كتبت
هييجوا بكرة الساعة عشرة الصبح. يا منى فضّي أوضة نومكم الرئيسية، أم سحر ضهرها تعبان ولازم تنام على السرير الكبير.
بصيت للرسالة.
حسام قراها هو كمان.
استنيت.
يمكن يقول لأمه
لأ.
يمكن يقول
دي أوضة مراتي.
يمكن حتى يقول
نشوف الأول منى موافقة ولا لأ.
لكنه ما قالش أي حاجة.
رفع عينه ليا بتردد وقال
طب... إيه رأيك ننشر البطاطين والملايات من الليلة عشان تلحق تنشف؟
02
في اللحظة دي، حتى النار اللي تحت حلة الشوربة ما بقاش عندي نفس أطفيها.
وقفت قدام ترابيزة السفرة وبصيت لحسام.
فضلت باصة له لحد ما اتوتر.
مد إيده ناحية كوباية المياه.
رفعها لشفايفه، وبعدين رجعها مكانها من غير ما يشرب.
قال
بلاش تبصيلي كده.
وبعدين أنا ما قلتش إنك لازم تعملي كل حاجة بنفسك.
سألته
أمال مين هيعملها؟
فتح بقه.
وسكت.
لأن الإجابة كانت معروفة.
أنا اللي هغسل الملايات.
أنا اللي هنزل أشتري الطلبات.
أنا اللي هملي التلاجة.
أنا اللي هطبخ.
أنا اللي هغسل المواعين.
أنا اللي هنضف الحمام ورا سبعة أشخاص.
وأنا اللي هتنازل عن سريري.
وفي الآخر، حسام يرجع من الشغل، يبصلي وأنا منهارة ويسألني بمنتهى الحنية
تعبانة النهارده؟
وبعدين يتمدد على الكنبة ويفتح فيديوهات على موبايله.
زمان كنت بصدقه.
كنت بصدق إنه فعلًا محشور بيني وبين أهله.
وإنه مش عايز يزعلني، بس مش قادر يواجه أمه.
وكنت بصدق كل مرة يقول
المرة الجاية أنا هتصرف.
لكن كل مرة جاية كانت بتنتهي بنفس الشكل.
هو يتجنب المشكلة.
وأنا ألم وراه الخراب.
دخلت المطبخ وطفيت النار.
المكان سكت فجأة.
حسام دخل ورايا.
نبرة صوته بقت أهدى.
أمي كبرت يا منى، وإنتِ عارفة طريقتها في الكلام.
ما تمسكيش عليها الكلمة.
وبعدين محمود وعيلته
يعني مش بييجوا كل يوم.
لفيت له.
قلت
الصيف اللي فات قعدوا 43 يوم.
سكت.
كملت
إجازة نص السنة قبلها قعدوا 26 يوم.
وأبوك وأمك لما جم بعد العملية قعدوا أربع شهور وتسعة أيام.
ده
 

تم نسخ الرابط