رجعت بدري عن معادي
فلوسي سنين هو نفسه الشخص اللي حبس إنسانة وجوعها وخوفها، وفي جلسة من الجلسات، بص لي وقال لي أنا ابنك، فرديت عليه وأنا دموعي نازلة وقلت له كنت ابني قبل ما تختار تعمل كده، لكنك لما ظلمت إنسانة ضعيفة، ما بقيتش الشخص اللي ربيته، سكت، وبعدها قال لي إنه كان محتاج فلوس، وإنه كان خايف من الفشل، وإن كل شيء بدأ من دين صغير، ثم دين أكبر، ثم محاولة تغطية دين بدين، لحد ما بقى محاصر، لكنه قال إن ده مش مبرر، وإنه يعرف إنه غلط، وأنا قلت له إن الاعتراف بالغلط مش بيرجع 12 يوم من الجوع، ولا بيرجع سنين الخوف، ولا يمسح الإصابات اللي ظهرت في الأشعة، ولا يصلح اللي اتكسر في نفس إنسانة كانت بتثق فيه، القضية استمرت فترة، وفي النهاية بدأت الإجراءات القانونية ضده، وتم منعه من الاقتراب منها، وتم فتح ملفات مالية مرتبطة بالأرض، وأنا استرجعت السيطرة القانونية على ممتلكاتي، وألغيت التوكيل اللي كان معاه، وبدأت أرتب الأرض من جديد، لكني ما رجعتش أعيش فيها فورًا، لأن كل ركن فيها كان بيفكرني بحاجة، الحظيرة تحديدًا فضلت مقفولة أسابيع، ولما رجعت لها مرة، وقفت قدام الباب وبصيت للقفل، نفس القفل اللي صورته أول يوم، ولمست الحديد بإيدي، وفكرت في إننا أحيانًا بنقيس قوة الإنسان بالصوت العالي أو القدرة على الرد، لكن الحقيقة إن أقوى لحظة في حياة إنسانة ممكن تكون لحظة إنها تقول كفاية حتى لو بصوت ضعيف، وأنا يومها ما كنتش عارفة إن فتح باب حظيرة هيفتح أبواب تانية كتير، باب للحقيقة، باب للعدالة، باب لماضي كنت فاكرة إنه انتهى، وباب لحياة جديدة لإنسانة كانت فاكرة إن حياتها انتهت، وبعد شهور، رجعت مرات ابني تمشي بشكل أفضل، وصحتها بدأت تتحسن، وبدأت تتعلم من جديد إنها تقدر تختار، تقدر تقول لأ، تقدر تخرج، تقدر تتكلم، تقدر تاكل من غير ما تستأذن، وتقدر تنام من غير ما تخاف من صوت مفتاح في الباب، وفي أول مرة راحت معايا الأرض بعد كل اللي حصل، وقفت بعيد عن الحظيرة، وبصت لها، وأنا افتكرت إنها ممكن تنهار، لكنها قالت لي أنا مش خايفة منها خلاص، قلت لها ليه، قالت لأن المكان اللي كان بيخوفني بقى شاهد على الحقيقة، وبعدها مشينا سوا ناحية البيت، وكانت أول مرة تدخل البيت وهي رافعة راسها، وبعد فترة بدأت تساعدني في إدارة جزء من الأرض، مش لأنها محتاجة، لكن لأنها قالت إنها عايزة تثبت لنفسها إنها تقدر تبني حاجة بإيديها، وأنا وافقت، وبدأنا نزرع شوية خضار، وننظف المكان، ونصلح السور، ونجيب ناس جديدة تشتغل معانا، وكل مرة كانت تسمع صوت باب الحظيرة كانت تبص لي، وبعدين تضحك، وكأنها بتقول لنفسها إن الماضي ما بقاش صاحب القرار، أما ابني، فمصيره بقى مرتبط بالقانون والنتائج اللي ترتبت على أفعاله، وأنا ما حاولتش أحميه من العواقب، لأن حماية الابن مش معناها إن الأم تداري غلطه، أحيانًا أكبر حب ممكن تقدمه لابنك هو إنك تمنعه من الاستمرار في الغلط، حتى لو ده معناه إنك تقف ضده، وبعد فترة، وصلتني رسالة منه، قال فيها إنه آسف، وإنه كان فاكر إن السيطرة هتحل مشاكله، وإنه ضيع كل شيء، وطلب مني أسامحه، قعدت قدام الرسالة وقت طويل، وبعدها رديت بكلمتين بس ربنا يسامحك، لكن المسامحة مش معناها نرجع لنفس المكان، وقفلت الهاتف، وكنت عارفة إن القرار ده مؤلم، لكنه ضروري، لأن في فرق كبير بين إنك تسامح حد وبين إنك تسمح له يؤذيك أو يؤذي غيرك تاني، وبعد سنة تقريبًا، كانت مرات ابني واقفة قدامي في نفس الأرض، لكن المرة دي ما كانتش راكعة، وما كانتش بتاكل علف، وما كانتش بتستخبى، كانت واقفة وسط الأرض، ماسكة دفتر الحسابات، وبتقول لي إن محصول الشهر ده أحسن من الشهر اللي فات، ضحكت وقلت لها شفتي نفسك وصلتي لفين، فقالت لي أنا لسه بوصل، وأنا قلت لها وده أهم شيء، وبعدها دخلنا البيت، وفتحت الشباك لأول مرة من شهور، دخل النور على المكان، وأنا بصيت للحظيرة من بعيد، وفهمت إن بعض الأبواب لازم تتقفل للأبد، مش عشان نخاف منها، لكن عشان ما يرجعش منها الأذى تاني، وإن بعض القصص تبدأ بأم تكتشف إن ابنها أخفى عنها الحقيقة، لكنها تنتهي بامرأة كانت فاكرة إنها فقدت حياتها، وهي بتكتشف إنها تقدر تبدأ من جديد، وإن الجوع اللي عاشته 12 يوم ما كانش أقسى شيء مر عليها، الأقسى كان إنها صدقت إن محدش هيصدقها، لكن في النهاية، صوت واحد قال لها أنا مصدقاكي كان كفاية يغير كل شيء، وعرفت وقتها إن النجاة أحيانًا مش بتيجي في شكل معجزة كبيرة، ممكن تيجي في شكل أم ترجع قبل موعدها بثلاث أيام، تسمع صوت معدن من ورا مخزن، تفتح باب مقفول، وتشوف الحقيقة بعينيها، وممكن تبدأ النجاة من مجرد صورة لقفل، أو مكالمة للطوارئ، أو إيد تتمسك بإيد إنسانة مرعوبة وتقول لها إنتي مش لوحدك، ومن يومها وأنا كل ما أفتكر اللحظة اللي فتحت فيها باب الحظيرة، ما بفتكرش العلف ولا القش ولا القفل، بفتكر عينيها وهي أول ما شافتني، وبفتكر السؤال اللي سألتهولي بعدها بأيام هو أنا هقدر أعيش لوحدي؟ وأفتكر إجابتي أيوه، وهتعيشي أحسن، وأظن إن أهم حاجة حصلت في كل القصة دي إن الجملة دي ما فضلتش مجرد كلام، لأنها فعلًا عاشت، ووقفت، وتعافت، وبنت حياة جديدة، وأنا كمان اتعلمت درس عمر كامل، إننا مهما حبينا أولادنا، ما ينفعش الحب يعمينا عن الحقيقة، وإن الثقة لازم يكون لها حدود، وإن السكوت عن الظلم مش وفاء، وإن الأم اللي بتقف مع الحق مش بتخون ابنها، بالعكس، يمكن تكون أول شخص يمنعه من إنه يتحول إلى شخص لا تعرفه، وفي النهاية، الحظيرة اللي كانت يومًا مكانًا للحبس بقت مجرد مبنى قديم في آخر الأرض، والباب اللي كان مقفول عليها اتشال واترمى، والقفل احتفظت بيه في درج صغير، مش عشان أفتكر الرعب، لكن عشان أفتكر اليوم اللي قررت فيه إني ما أسكتش، وكل مرة أشوفه أفتكر إن الحقيقة مهما اتقفلت عليها أبواب، ومهما اتحط عليها أقفال، ومهما حاول حد يخلي الناس ما تشوفهاش، في لحظة ما هتلاقي حد يفتح الباب، وساعتها كل شيء هيتغير.