دخلت الشركة

لمحة نيوز

يوم ما استلمت منصبي، دخلت الشركة بلبس موظفة عادية... لكن المديرة شاورِت عليّا قدام المكتب كله وقالت
تنظفي جزمتي حالًا... يا إما أطردك!
وبعدها بدقايق، كبّت عليّا القهوة قدام كل الموظفين.
أنا ما اتخانقتش معاها، وما عليتش صوتي... كل اللي عملته إني طلعت موبايلي وقلت جملة واحدة
اقفلوا الكمبيوتر بتاعها فورًا.
ماكنتش أعرف وقتها إن العقود المزورة اللي هنلاقيها جواه... هتوصلني مباشرة لشخص من عيلتي، شخص وثقت فيه من وأنا طفلة.
الجزء الأول
انزلي على ركبتك ونضفي جزمتي يا فاشلة... وإلا هطردك من هنا حالًا!
القهوة لسه ما كانتش اتكبت عليّا، لكن الإهانة كانت بتحرقني أكتر من أي حاجة سخنة ممكن تلمس جلدي.
الساعة كانت 815 الصبح، وكنت واقفة في فرع التجمع الخامس لشركة مجموعة المنصوري، واحدة من أكبر مجموعات الاستثمار العقاري والتكنولوجيا في مصر.
أكتر من تلاتين موظف كانوا قاعدين على مكاتبهم، وكل واحد عامل نفسه مركز في شاشة الكمبيوتر اللي قدامه، رغم إني كنت متأكدة إنهم سامعين وشايفين كل حاجة بتحصل.
وقدامي كانت واقفة ست في أواخر التلاتينات، لابسة فستان أحمر غالي، وكعب إيطالي، وحاطة برفان تقيل ريحته مالية المكان.
كانت بتشاور عليّا كأني حاجة مرمية على الأرض.
اسمها كارما الألفي.
مديرة الفرع.
أما أنا، فكنت لابسة بلوزة بيضا بسيطة، وبنطلون أسود عادي، وشعري ملموم لورا، لا لابسة دهب ولا ماسكة شنطة غالية، ومافيش في شكلي أي حاجة ممكن تكشف أنا مين فعلًا.
واللي كارما ما كانتش تعرفه...
إن النهارده كان أول يوم رسمي ليا كرئيسة مجلس إدارة مجموعة المنصوري.
اسمي ملك المنصوري.
وبدل ما أبدأ أول يوم ليا في المقر الرئيسي وسط احتفال كبير، وورد، وكاميرات، وخطب محفوظة، وتصفيق من ناس نصهم مستني يشوفني هفشل إمتى...
قررت أعمل حاجة مختلفة.
قررت أروح الفرع اللي كان مسجل أسوأ نتائج في المجموعة كلها من غير ما أبلغ حد.
فرع التجمع الخامس.
المبيعات فيه كانت بتنزل شهر ورا شهر.
لكن الغريب إن مصاريف التمثيل والإعلانات والاستشارات الخارجية كانت بتزيد كل شهر بشكل جنوني.
الأرقام ما كانتش منطقية.
وكنت عايزة أشوف الشركة بتشتغل إزاي لما محدش يكون مستني زيارة رئيسة مجلس الإدارة.
كنت عايزة أشوف الحقيقة.
وكارما...
افتكرتني موظفة جديدة تحت التدريب.
بصتلي من فوق لتحت باحتقار وقالت
جاية متأخرة، ولبسك كأنك جاية من السوق، ولسه واقفة بتبصيلي؟
بصيت في الساعة.
815.
ما رديتش.
قربت مني وقالت
هنا الموظفين الجداد بيتعلموا بسرعة مين اللي بيمشي كلامه.
وبكل برود، مدت

إيدها ناحية كوباية مية كانت على مكتب موظف جنبها.
مسكتها.
مالتها على جزمها بإيدها.
ونزلت كام نقطة مية على الكعب بتاعها.
وبعدين رفعت رجلها قدامي وقالت
نضفيها.
بصيت للجزمة.
وبعدين بصيتلها.
وقلت بهدوء
تنظيف أحذية المديرين مش جزء من شغل أي موظف هنا.
فجأة...
المكتب كله سكت.
الصمت كان غريب لدرجة إني كنت سامعة صوت أجهزة التكييف.
شاب صغير قاعد على مكتب قريب مننا قبض إيده تحت الترابيزة بعصبية، كأنه نفسه يتدخل لكنه خايف.
وعاملة النظافة، ست بسيطة اسمها أميرة، نزلت عينيها في الأرض.
رد فعلها خلاني أفهم إن اللي بيحصل معايا مش أول مرة يحصل.
كارما وشها احمر.
واضح إنها ما كانتش متعودة إن حد يقولها لأ.
قربت مني أكتر وقالت من بين سنانها
في الفرع ده... كلمتي هي القانون.
وبعدين لفت ناحية أميرة ومدت إيدها.
هاتيلي قهوة سادة... سخنة قوي.
أميرة اترددت.
يا مدام كارما...
صرخت فيها
قولت قهوة!
أميرة جريت ناحية المطبخ الصغير.
بعد أقل من دقيقة رجعت وهي ماسكة فنجان قهوة سخنة، والبخار طالع منه.
كارما خطفته من إيدها.
وبعدين مدت الفنجان ناحيتي.
خدي.
بصيتلها.
قالت بسخرية
حطيلي سكر واتعلمي إزاي تخدمي الناس الأول قبل ما تفكري تبقي موظفة محترمة.
مديت إيدي آخد الفنجان.
وفي اللحظة اللي صوابعي لمسته...
كارما حركت إيدها بعنف متعمد.
القهوة المغلية اتكبت على رقبتي وبلوزتي.
شهقت من الوجع.
حرارة القهوة خلت نفسي يتقطع للحظة، وحسيت جلدي بيولع.
أميرة حطت إيديها الاتنين على بوقها من الصدمة.
اتنين من الموظفين قاموا من على كراسيهم تلقائيًا...
لكن أول ما كارما بصتلهم، رجعوا قعدوا تاني.
الخوف كان واضح في عيونهم.
أما كارما...
فابتسمت.
ابتسامة باردة.
وقالت
حتى القهوة مش عارفة تمسكيها.
سكتت ثانية، وبعدين شاورِت ناحية الباب.
إنتِ مرفودة. اطلعي بره قبل ما أخلي الأمن يرميكي في الشارع.
ما صرختش.
ما شتمتهاش.
حتى صوتي ما ارتفعش.
طلعت منديل من شنطتي، ومسحت القهوة ببطء من على دقني ورقبتي.
وبعدين رفعت عيني وبصيتلها مباشرة.
وقلت
إنتِ متأكدة إنك عايزة ترفدي رئيسة مجلس إدارة مجموعة المنصوري؟
ثانيتين كاملين عدوا...
ولا حد اتحرك.
واحد من الموظفين ضحك ضحكة عصبية صغيرة، لكنه سكت فورًا.
كارما بصتلي كأنها بتحاول تفهم إذا كنت بهزر ولا مجنونة.
وبعدين ضحكت.
رئيسة مجلس الإدارة؟ إنتِ؟
مدت إيدها ناحية الأمن.
حد يطلع المجنونة دي بره.
لكن قبل ما فرد الأمن يقرب...
طلعت موبايلي.
فتحت رقم مدير قطاع الفروع.
واتصلت.
وفعّلت السماعة الخارجية.
الراجل رد من أول رنة تقريبًا.

وصوته كان متوتر
ألو... أستاذة ملك المنصوري؟
ابتسامة كارما اختفت.
الصوت كمل
اللجنة كلها مستنيا حضرتك في القاعة التنفيذية من بدري. حضرتك وصلتي فرع التجمع؟
ما رديتش فورًا.
فضلت باصة لكارما.
وشها بدأ يفقد لونه.
قلت بهدوء
أيوه، وصلت.
تمام يا فندم، إحنا نازلين لحضرتك فورًا.
قفلت المكالمة.
كارما رجعت خطوة لورا.
بصت حوالين نفسها.
وبعدين بصتلي تاني.
أنا... أنا ماكنتش أعرف...
ما رديتش.
وبعد أقل من تلات دقايق، باب الفرع اتفتح بعنف.
مدير القطاع دخل تقريبًا بيجري، ووراه مدير الموارد البشرية ومدير المراجعة الداخلية واتنين من أفراد الأمن.
أول ما شافني بالقهوة على هدومي، وشه اتغير.
أستاذة ملك... إيه اللي حصل؟
قبل ما أتكلم...
كارما وقعت تقريبًا على ركبتها.
والله يا فندم أنا ماكنتش أعرف حضرتك مين!
بصيتلها.
الجملة دي بالذات كانت أسوأ حاجة ممكن تقولها.
قلت
يعني لو كنت موظفة عادية... كان اللي عملتيه يبقى مقبول؟
كارما فتحت بوقها.
لكن ماعرفتش ترد.
بصيت لمدير المراجعة وقلت
اقفلوا الكمبيوتر بتاعها فورًا.
كارما شهقت.
إيه؟
كملت
محدش يلمس مكتبها. كل الملفات والأوراق والأجهزة تتشمع. وأوقفوا أي صلاحية مالية للفرع لحد إشعار تاني.
كارما قامت بسرعة.
حضرتك مش فاهمة!
الأمن مسكها.
بدأت تقاوم وهي بتصرخ
سيبوني!
وبعدين بصتلي وقالت جملة خلتني أعرف إن الموضوع أكبر بكتير من مديرة متسلطة.
إنتِ مش عارفة إنتِ بتلعبي مع مين!
سكت الجميع.
كارما ضحكت بعصبية وهي بين إيدين الأمن.
وقالت
الشخص اللي بيحميني يقدر يشيلك من الكرسي ده في يوم واحد!
بصيتلها من غير ما أرمش.
خدوها.
وهي خارجة فضلت تصرخ
هتندمي يا ملك! والله هتندمي!
الباب اتقفل وراها.
بصيت للموظفين.
الخوف اللي كان على وشوشهم بدأ يتحول لحاجة تانية.
أمل.
كأنهم لأول مرة حاسين إن حد ممكن يسمعهم.
لكن أنا ماكنتش عارفة وقتها إن كارما كانت مجرد أول خيط.
دخلت مكتبها.
وقعدت مكانها قدام الكمبيوتر.
مدير المراجعة قدر يفتح نسخة مؤمنة من الملفات قبل ما الحساب يتقفل بالكامل.
في البداية توقعت ألاقي شكاوى موظفين.
أو مخالفات إدارية.
لكن اللي ظهر قدامي كان أخطر بكتير.
خصومات غير قانونية من مرتبات الموظفين.
غرامات وهمية.
مكافآت بتتحول لأسماء ناس مش شغالين أصلًا في الشركة.
شركات استشارات محدش سمع عنها.
وفواتير إعلانات بأرقام خيالية.
فتحت ملف ورا ملف.
كل ما أفتح واحد...
ألاقي مصيبة أكبر.
لحد ما وصلت لمجلد اسمه
External Partners
فتحته.
وكان فيه عشرات العقود.
إجمالي قيمتها تخطى 120 مليون جنيه.
عقود
دعاية.
استشارات.
تطوير أنظمة.
أبحاث سوق.
لكن معظم الشركات اللي موقعة العقود دي ماكانش ليها وجود حقيقي.
بصيت لمدير المراجعة.
إزاي مديرة فرع تقدر تعتمد أرقام بالحجم ده؟
الراجل سكت.
وده كان كفاية علشان أفهم الإجابة.
كارما ما تقدرش.
صلاحياتها المالية ما تسمحلهاش تعتمد حتى عُشر المبالغ دي.
لازم يكون فيه حد فوقها.
حد في الإدارة العليا.
حد بيوافق على العقود.
حد بيمرر التحويلات.
وحد كان بيحمي كارما طول السنين اللي فاتت.
طلبت سجل الموافقات الإلكترونية.
ظهر قدامي اسم مستخدم مش كامل.
صلاحية تنفيذية من أعلى مستوى.
قربت الشاشة مني.
بدأت أتتبع أول عقد.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
وكلهم كانوا بيقودوا لنفس الدائرة.
لكن قبل ما أقدر أوصل للاسم النهائي...
ظهر قدامي مستند ممسوح ضوئيًا.
عقد قديم عليه توقيع أعرفه كويس.
توقيع شفته آلاف المرات من وأنا طفلة.
تجمدت إيدي فوق الماوس.
لأن التوقيع ده...
كان يخص شخص من عيلتي.
شخص كبرت وأنا واثقة فيه أكتر من أي حد.
شخص كنت مستعدة أحط ثروة العيلة كلها بين إيديه وأنا مغمضة.
وفجأة فهمت إن إهانة الصبح...
والقهوة اللي اتكبت عليّا...
وكارما...
كل ده ماكانش غير باب صغير اتفتح بالصدفة على سر أكبر بكتير.
سر ممكن يدمر مجموعة المنصوري كلها.
ويدمر عيلتي معاها.
واللي كان مستنيني بعد كده...
كان مستحيل أصدقه.
الجزء الثاني
كارما بطلت عياط في اللحظة اللي قفلنا فيها باب غرفة الاجتماعات.
من دقايق كانت واقفة قدامي بترتعش وبتترجاني أسمعها، لكن أول ما الباب اتقفل وبقينا لوحدنا، ملامحها اتغيرت تمامًا.
مسحت دموعها بإيدها، رغم إن الماسكارا كانت سايحة تحت عينيها، ورفعت راسها وبصتلي بثقة غريبة.
وقالت
إنتِ فاكرة إنك كسبتي يا ملك.
ما رديتش.
قعدت قدامها وحطيت الملف على الترابيزة.
كارما ابتسمت ابتسامة صغيرة.
بس الحقيقة إن أنا مجرد مفتاح... صاحب الباب نفسه قاعد جنبك كل يوم في المقر الرئيسي.
فتحت الملف قدامها.
طلعت نسخ من العقود اللي لقيناها على الكمبيوتر، وحطيتهم واحد ورا التاني.
تلات وكالات دعاية مختلفة.
تلات أسماء تجارية مختلفة.
تلات حسابات بنكية مختلفة.
لكن لما فريق المراجعة بحث في بيانات تسجيل الشركات، اكتشفنا حاجة غريبة.
التلات شركات مسجلين في نفس المنطقة، وفي عناوين قريبة جدًا من بعض.
والأغرب...
إن أصحاب الشركات كلهم بينهم صلة قرابة.
دفعت العقود ناحيتها وقلت
مية وعشرين مليون جنيه اتحولوا من الشركة خلال الفترة اللي فاتت.
سكت شوية، وبعدين كملت
قدامك اختيارين يا كارما. يا إما تتعاوني معايا وتقوليلي
مين اللي وراكي... يا إما تشيلي القضية كلها لوحدك.
كنت متوقعة تخاف.
لكنها ضحكت.
رجعت بضهرها للكرسي وقالت
أنا عندي تسجيلات صوتية.
سكتت لحظة.
ورسايل.
وبعدين أشارت للعقود.
وموافقات رسمية.
قربت بجسمها ناحية الترابيزة وبصتلي في عيني.
لو أنا وقعت... ناس
 

تم نسخ الرابط