مقص بنتي

لمحة نيوز


صوت فتح باب الشقة. البنت دخلت وهي فاكراني دخلت أنام في أوضتي. قفلت باب الشقة ببطء شديد وبكل هدوء عشان متعملش صوت، ودخلت جري على أوضتها... قفلت باب الأوضة بالمفتاح وهي طايرة من الفرحة والانبساط، وماسكة المقص الجديد في إيدها.
وفجأة... ومن غير ما تعمل أي حساب إن في حد بيبص عليها، عملت أغرب وأعجب حاجة ممكن عقل بني آدم يتخيلها... تصرف غير متوقع بالمرة، حاجة خلتني أتجمد في مكاني من الصدمة، ونفسي يقطع، والدموع تنزل من عينيا وأنا مش قادر أستوعب اللي شايفه قدامي!
ومسكت المقص الجديد بيديها الصغيرتين، وقعدت على أرضية الأوضة وتربعت، وطلعت الشنطة الكبيرة اللي فيها كل المقصات. رصتهم حواليها في دايرة منتظمة، وحطت المقص الجديد في النص كأنه الجوهرة اللي بتكمل العقد.
كل ده وأنا واصل لقمة الذهول، مستني أشوفها هتجرح نفسها، ولا بتقطع حاجة، ولا بتعمل إيه بالظبط؟ لكن التصرف اللي عملته بعد كده هو اللي كسر قلبي حتت.
البنت رفعت راسها للسقف، وبصت للفراغ، وابتسمت ابتسامة دافية مليانة شوق وحنان، وطلعت نبرة صوتها مهزوزة وهي بتقول
أنا جبت مقص جديد يا ماما.. بصي شكله حلو إزاي وخفيف؟ يعني أنتِ النهارده معايا يا حبيبتي، وأقدر أقعد أحكيلك بقى براحتي زي زمان..
الكلمات

نزلت عليا زي الصاعقة، كأن حد ضربني بمطرق على دماغي! دموعي نزلت بسخونة على وشي، وأنا واقف ورا الستارة ماسك نفسي بالعافية عشان صوت شهقاتي ما يطلعش ويقطع اللحظة دي.
كملت بنتي كلامها وبدأت تتكلم مع الفراغ وبصوت كله طاقة وفرحة
عارفة يا ماما؟ أنا النهارده أخدت الدرجة النهائية في امتحان العلوم! والميس قالتلي إنتِ ممتزة وشاطرة زي مامتك الله يرحمها. وأنا كمان بقيت أساعد بابا في ترتيب البيت على قد ما أقدر، وبقيت أذاكر لوحدي عشان عارفة إنك شايفاني وبتبقي مبسوطة مني لما أنجح..
كانت بتتكلم وتضحك، وأوقات تسكت ثواني وكأنها بتسمع الرد، وترجع تتكلم تاني بحماس شديد، تحكيلها عن أصحابها في المدرسة، وعن الشارع، وعن الطبخ اللي أنا بعملهولها وتضحك وتقولها بس أكل بابا مش زي أكلك يا ماما بس أنا باكل عشان مزعلوش!
أنا ما قدرتش أتحمل أكتر من كده.. ركبي أتسندت على الحيطة، وحسيت إني لو فضلت مستخبي أكتر من كده هقع من طولي. خرجت من ورا الستارة بالراحة، وفتحت باب البلكونة وصوتي مبحوح ودايب في الدموع
حبيبتي...
البنت اتخضت، وبصتلي بسرعة والارتباك ملكها، وحاولت تخبي المقصات ورا ظهرها وهي بتتأتأ
بابا! أنت.. أنت هنا من إمتى؟ أنا.. أنا أسفة والله مش بعور نفسي متزعلش مني!
نزلت
على ركبي وجريت عليها، أخدتها في حضني وعصرتها بين إيديا، وقعدت أبكي بكسرة وأنا ببوس راسها وإيديها
سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا حبيبة بابا.. أنا مش زعلان منك، بس فهميني يا ندى، إيه سر المقصات دي؟ وليه بتقولي لماما إنك طالما جبتي مقص يبقى هي معاكي؟ فهميني عشان خاطري قلبي هيقف!
ندى مسحت دموعي بإيديها الصغيرة، وبصتلي بعيون بريئة مليانة شجن، وقالتلي بصوت واطي ومكسور
أصل يا بابا.. يوم ما كنا راجعين من عند الدكتور في آخر يوم لماما.. قبل ما توحشنا وتروح عند ربنا.. أنا كنت ماسكة إيدها وبكاي وبقولها أنتِ هتسيبيني يا ماما؟ هتمشي وتسبيني لوحدي؟
سكتت ندى لحظة، والدموع جمعت في عينيها تاني ورجعت كملت
ماما دموعها نزلت، وشدمتني ليها وقالتلي لا يا قلب ماما، أنا عمري ما هسيبك، بس هنعمل حاجة كل ما تعمليها هكون معاكي وبسمعك وتعرفي تحكيلي كل اللي في قلبك.. تروحي لحد غلبان وتراضيه بفلوس صدقة، بس أوعي تقوليله خد فلوس عشان متجرحش مشاعره، اشتري منه أي حاجة وسيبيله الباقي من الفلوس.
أنا كنت بشتعل من جوة، وبسمعها بذهول، فنكمل ندى كلامها
أنا وقتها صبورة ومفهمتش، وسألت ماما يعني إيه غلبان يا ماما؟ أروح لمين؟ فماما شاورتلي من شباك العربية على الراجل اللي قاعد تحت بيتنا
في الشارع الجانبي.. الراجل الغلبان اللي رجله مبتورة وبيبيع مقصات أظافر ومقصات ورق صغيرة.. وقالتلي زي الراجل ده كده يا ندى، رجله مقطوعة ومعندهوش شغالة تانية يشتغلها غير دي، ودايماً قاعد في الحر والشتا يحاول يكسب لقمة حلال.. خدي الفلوس دي وروحي اشتري منه مقص خلينا ننفعه، ومتاخديش منه الباقي، وقوليله خلي الباقي عشانك يا عمو.
كلامها نزل عليا ذبحني! الطفلة من براءتها ربطت السر في الفكرة المجردة للمقص، مش بمبدأ الصدقة ومساعدة المحتاج! كانت فاكرة إن المقص هو التلفون اللي بتكلم بيه أمها في الجنة!
دموعي نزلت بغزارة، وأخدتها في حضني تاني وضميتها لصدري بقلب مكسور. مسحت على شعرها وقولتلها بصوت دافي مليان حنية ورضا
يا حبيبتي يا ندى.. يا قلب بابا وأمك.. أمك الله يرحمها كان قصدها جميل أوي، بس أنتِ فهمتي نص القصة بس يا عيون بابا.
ندى بصتلي باستغراب وقالت
يعني إيه يا بابا؟ هي ماما مش بتسمعني لما أجيب المقص؟
رديت عليها وأنا ببتسم من بين دموعي وبمسح وشها
ماما بتسمعك وبتدعيلك في كل وقت لأنك بنت صالحة وبتدعيلها.. بس ماما كان قصدها إننا نعمل الخير ونساعد المحتاجين. والخير يا ندى يا حبيبتي كتير جداً وله طرق كتيرة أوي، مش بس إننا نشتري مقصات! الراجل الطيب اللي
تحت بيتنا ده
 

تم نسخ الرابط