مقص بنتي

لمحة نيوز

من وقت ما اتوفت مراتي و بنتي اللي عندها 11 سنه كل يوم تشتري مقص حاد، وتفضل تنقي في المقصات زي ما تكون بتنقي خضار في السوق، لدرجة إن بقى عندها شنطة كاملة مليانة مقصات بمختلف أشكالها وأحجامها. ولما كنت أسألها بتعملي إيه بكل دي؟ تقولي ببساطة وابتسامة بلعب يا بابا، لحد ما جه اليوم اللي شفت فيه بعيني هي بتعمل إيه بالمقصات دي... وقتها حسيت إن قلبي وقف من الذهول، ودموعي نزلت من غير ما أقدر أسيطر عليها.
بنتي دلوقتي عندها 11سنة. من حوالي سنه، لما كان عندها عشر سنين، أمها اتوفت... وفاتها كانت صدمة ملهاش وصف، كسرتنا إحنا الاتنين. بنتي كانت متعلقة بأمها لدرجة مش طبيعية، وبعد وفاتها دخلت في حالة حزن وسكات تخوف أي أب. من ساعتها و أنا فهمت إني لازم أكون الأب والأم في وقت واحد. مفكرتش ولا لحظة إني أتجوز تاني؛ لأني كنت عارف كويس إن أي ست تانية تدخل البيت ممكن تجرح مشاعرها أو تحسسها ببديل لأمها، وأنا كنت حاطط هدف واحد قدام عينيا مش هسمح لأي حاجة تقهرها أو تزعلها أكتر من اللي شافته.
في الأول، الحياة كانت صعبة جداً... كنت حاسس إني تايه بين شغلي وبين مسؤولية البيت والرعاية الكاملة لبنت صغيرة في سن حرج. بس مع الوقت، بدأت أظبط دنيتي، عملت

جدول ونظمت وقتي بالدقيقة بين الشغل ومواعيد مدرستها واحتياجاتها. والحمد لله، بعد مجهود كبير، الدنيا مشيت وكل حاجة بقت تمام، ورجعت الضحكة الشقية تتسمع في البيت من تاني.
لحد من كام شهر... بدأ يبان تصرف غريب جداً ومريب.
لاحظت إن كل ما أديها مصروفها أو أديها فلوس زيادة عشان تشتري حاجة لنفسها، تنزل جري على محل الأدوات اللي قريب من البيت وتشتري مقص حاد! وكل مرة تشتري مقص شكل، وتيجي طايرة من السعادة، تدخل أوضتها في ثواني، تقفل الباب بالمفتاح، وتقعد جوة ساعة ولا ساعتين، ولما تطلع تكون مبسوطة جداً وكأنها عملت إنجاز عملاق.
في الأول الموضوع أخدته بضحك، بس لما الشنطة اتملت مقصات، الموضوع بدأ يقلقني ويستفز فضولي. وفي مرة من المرات، كنا بنتعشى مع بعض، ففتحت معاها الكلام بهدوء وقولتلها
حبيبتي... هو إيه لزوم المقصات الكتيرة دي كلها؟ دي حاجات حادة وممكن تعورك لا قدر الله، وده خطر جداً على سنك يا بنتي.
البنت أول ما سمعت كلامي اتوترت بشكل ملحوظ، وشها جاب ألوان وحسيتها اتلخبطت، بس في ثواني سحبت نفس وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقالتلي
بلعب بيهم يا بابا متقلقش عليا... مش هيعوروني خالص والله، أنا كبرت خلاص، وبعدين أنا ناوية أطلع دكتوره وهعرف
أمسك المقص كويس من دلوقتي!
سمعت كلامها وابتسمت، وسكت. قولت في بالي يمكن دي مجرد هواية غريبة أو حلم طفولي بتعيشه بالطريقة دي، ومحبيتش أضغط عليها أو أكبر الموضوع عشان متزعلش.
بس مع الأيام، الموضوع زاد عن حده بشكل غير طبيعي. كل جنيه بتاخده بيروح للمقصات! الموضوع بقى مستفز ومرعب بنفس الوقت، فقلت أتصرف بذكاء... قررت أقلل مصروفها شوية، بحيث الفلوس يا دوب تكفي أكلها والشرب في المدرسة، وما يتبقاش معاها أي مبلغ يخليها تقدر تشتري مقصات جديدة.
كنت فاكر إن الحيلة دي هتخليها تتراجع وتزهق... بس الفاجعة إني اكتشفت إنها بقت تستغنى عن وجبتها في المدرسة تماماً! بقت تقضي اليوم كله من غير أكل ولا شرب، وتحوش مصروف الأكل عشان ترجع بيه وتجري على بتاع الأدوات تشتري المقص الجديد اللي عينيها عليه!
هنا أنا اتنرفزت جداً وحسيت إن الموضوع خرج عن السيطرة ومفيش مجال للسكوت. في يوم من الأيام، ولما لقيتها طالعه تجيب مقص تاني وقفت قدامها وقولتلها بنبرة حازمة وزعلانة
لحد هنا وكفاية بقى! مفيش نزول ولا شِرا مقصات تاني أبداً! الأوضة اتملت مقصات بشكل يجنن... فهميني إنتِ بتعملي إيه بيهم بالظبط؟! إيه الجنان ده؟!
أول ما شديت عليها في الكلام، البنت انفجرت في العياط
بشكل يقطع القلب... دموعها نازلة من غير صوت، وبصالي بنظرة عتاب هزتني من جوة. مرَضيتش تتكلم ولا كلمة واحدة، وفضلت واقفة تعيط بس.
أول ما شفت دموعها نازلة كده، قلبي اتعصر ورِق ليها فجأة. افتكرت على طول اليوم اللي أمها اتوفت فيه، والوعد اللي قطعته على نفسي قدام ربنا إني عمري ما أزعلها ولا أخليها تبكي، وإن كفاية عليها قهر الفقد واليتام اللي عاشته وهي لسه طفلة. حسيت بالذنب الشديد، وقربت منها أخدتها في حضني جامد، وبست رأسها وقولتلها
خلاص يا حبيبتي... خلاص يا بابا براحتك، متزعيش نفسك. انزلي هاتي اللي إنتِ عايزاه.
مسحت دموعها بسرعة وبشكل فوري وكأن شيئاً لم يكن، وجريت على الباب وهي طايرة من الفرحة، ماسكة الفلوس في إيدها بسعادة مش طبيعية، وراحت اشتريت المقص الحاد اللي كانت عايزاه.
أنا لما شفت التحول السريع ده، وقفت في نص الصالة وقولت لنفسي لا... لحد هنا ولابُد أفهم. لازم أعرف السر اللي ورا المقصات دي، والموضوع ده مش هيعدي إلا لما أشوف بعيني.
فكرت بسرعة... بما إن أوضتها لها بلكونة بتطل على الريسبشن، قررت أدخل الأوضة من غير ما تحس واستخبى في البلكونة ورا الستارة، واستناها لما ترجع.
وبالفعل، استخبيت ودخلت ورا الستارة وثبت في مكاني.
بعد دقائق، سمعت
 

تم نسخ الرابط