زوجي كان يجبرني

لمحة نيوز


ألا يتصرف في العقار بأي شكل من الأشكال إلا بموافقة بناتك عندما يكبرن، ووعدنا بكل اليمين إنه سيكون أمينًا، وإنكم ستعيشون كلكم في راحة وعدل.
أكمل لكن من أول شهر تقريبًا، بدأ يتغير، كان عايز يثبت إنه صاحب الأمر والنهي، وبنتي كانت تحبه پجنون فاتبعت كل رغباته، بدأوا يقللوا من شأنكم، وكل ما حاولت أن أتكلم قالوا لي إنكم مرتاحين، وإن البيت ضيق فلا بد من الترتيب، وصدقت كلامهم لحد ما لقيت التسجيل، وبدأت أبحث بنفسي.
ثم أخبرني كيف اكتشف أمر البيع، قال ذهبت للشهر العقاري عشان أتأكد من صحة العقد القديم، فوجدت أن هناك عملية بيع تمت للبيت، واطلعت على الأوراق، فوجدت أن البطاقة المرفقة فيها تعديل واضح، والصورة مش لسلمى، فعرفت إن فيه خدعة، وتتبعت الأمر حتى وصلت للفتاة، فاعترفت لي أن جوزك دفع لها مبلغًا كبيرًا، وطلب منها أن تذهب معه وتقول إنها سلمى، ووعدها بأنه لن يحدث لها أي شيء.
بكت سلمى وقالت يعني كانوا عايزين يبيعوا بيتنا ويرمونا في الشارع؟ ليه يعملوا فينا كده؟ إحنا ما أذيناهم في شيء. قال أبو جدها وهو يمسح دموعها الطماع لا يعرف الرحمة يا بنتي، ولا يعرف قيمة الجميل، أبوكم رحمه الله فعل معاهم معروفًا كبيرًا، لكنهم استبدلوا المعروف بالغدر.
ظللت أتذكر السنين الطويلة التي مضت، كيف كنت أتحمل الإهانة والظلم، كنت أقول في نفسي ربما هو ضيق الحال، ربما هو مشغول بالتفكير في المستقبل، لم أتخيل أبدًا أن كل ذلك كان مخططًا مسبقًا، وأنهم كانوا يعتبرونني وبناتي مجرد عبء يجب التخلص منه في أقرب فرصة.
مرت الأيام، وأخذت القضية مجراها القانوني، وظهرت تفاصيل أخرى لم أكن أعرفها، تبين أن زوجي كان ينوي بيع البيت لصالح أحد

رجال الأعمال، وكان سيحصل على مبلغ ضخم، وسيسافر مع زوجته وابنه ليعيشوا في بلد آخر، وسيتركوننا نعاني في الشوارع، ولم يفكر لحظة في أننا زوجته وبناته، ولا في أن هذا البيت هو هدية من أبي لنا.
أما زوجته، فقد اعترفت في التحقيق بكل شيء، وقالت إنها كانت خائڤة منه، وإنها وافقت خوفًا من أن يتركها، وإنها لم تكن تعرف أن العقاپ سيكون بهذا الشدة، لكن القانون لا يحمي المغفلين، ولا يعفو عن من يشارك في الچريمة وإن كان ضعيفًا.
في تلك الأيام، كان أبو زوجتي يبقى معنا طوال الوقت، يساعدنا في ترتيب أمورنا، ويتحدث مع المحامين، ويعزينا بكل كلمة طيبة، قال لي ذات يوم أنا آسف مرة تانية يا بنتي، ربي يعلم إن كنت أعرف ما يخططون له لما سمحت لهم يستمروا يوم واحد، لكن الحمد لله إن الحقيقة ظهرت قبل ما يضيع حقكم للأبد.
قلت له بصدق أنت مش مذنب في شيء يا حاج، الذنب ذنب من غدر وخلّف الوعد، وكل واحد هياخد جزاءه، الحمد لله إن ربي كشف الخدعة، وإن بناتي لم يتعرضوا لضر أكبر.
بعد أسبوعين، صدر قرار من المحكمة بوقف إجراءات البيع، وتأكيد ملكية البيت لبناتي، وسحب الوصاية من زوجي نهائيًا، وعين المحكمة شخصًا أمينًا لإدارة شؤون العقار حتى تبلغ البنات سن الرشد، كما صدر أمر بمنع السفر عن المتهمين، وبدأت المحاكمة تحديد موعدها.
الفصل الثالث العدالة والبداية الجديدة
في يوم المحاكمة، ذهبت مع بناتي وأبو زوجتي، رأيت زوجي وزوجته وهم يقفان في قفص الاتهام، بدا عليهما الذل والندم، نظر لي زوجي بعينين دمعتين، وكأنه يطلب مني السماح، لكنني شعرت ببرودة في قلبي،
لم أعد أشعر بأي مشاعر تجاهه، لقد كسر كل الجسور، واخترق كل الحدود، ولم يعد هناك شيء يربطنا
به.
عرضت الأدلة كلها، العقد القديم، التسجيل الصوتي، شهادة الفتاة التي استخدمت في التزوير، وتقرير الشهر العقاري الذي يثبت التلاعب في الأوراق، لم يكن لديهم ما يدافعون به، فاعترفوا بكل التهم المنسوبة إليهم، وطلبوا من المحكمة الرحمة، لكن القاضي قال بصوت واضح العدالة لا تعرف الرحمة لمن استغل الثقة، وغدر بمن أحسن إليه، وحرم الأطفال حقهم في السكن والأمان.
صدر الحكم النهائي بسجن زوجي لمدة خمس سنوات، وزوجته لمدة ثلاث سنوات، مع دفع الغرامات اللازمة، وإعادة كل ما تم الحصول عليه من العملية غير المشروعة، كما صدر قرار بمنعهما من الإقامة في البيت، وسمح لي بالبقاء فيه مع بناتي، باعتباري أمهم والقائمة على رعايتهن.
عندما عدنا للبيت، شعرت وكأنني أراه لأول مرة، لم يعد المكان يضيق بي، لم يعد المطبخ هو المكان الوحيد الذي أشعر فيه بالأمان، بل كل ركن فيه أصبح ملكًا لي وللبناتي، قررت أن أغير ترتيب البيت، أجعل كل شيء يعبر عنا، ولا أترك أي أثر لما كان يفعله الظالمون.
أخذت بناتي في جولة في كل غرفة، وقلت لهن من اليوم ده بيتكم الحقيقي، هنا ستكبرن، وتحققن أحلامكن، ولن يأمركن أحد بالجلوس في زاوية أو تناول ما يتبقى، أنتن سيدات هذا المكان، وكل ما فيه لكن. بكت البنات من الفرحة، وبدأن يجرين في الممرات ويضحكن، وكأن الحزن الذي كان يملأ قلوبهن قد زال تمامًا.
قررت أن أخرج من المطبخ كل الأوقات، وكنت أجهز أشهى الأطعمة، ونجلس جميعًا على السفرة الكبرى، كما كان يجب أن نكون دائمًا، في أول وجبة لنا معًا، قالت لي ليلى الصغيرة ماما، إحنا مش محتاجين نرجع المطبخ تاني أبدًا؟. قلت لها وأنا أحتضنها أبدًا يا حبيبتي، المطبخ مكان للطهي
فقط، أما السفرة فهي للجميع، ولا أحد يمنعنا منها.
أبو زوجتي كان يزورنا كل يوم، ويساعدنا في ما نحتاجه، واعتذر مني كثيرًا، وقال إنه سيسعى لتربية ابنهما الصغير، وسيجعل منه رجلًا يتحمل المسؤولية، ويعرف قيمة الحقوق، وقلت له إنه مرحب به دائمًا، وأن البيت مفتوح له في أي وقت، فهو لم يخطئ، بل كان ضحېة هو الآخر لغدر ابنهما.
بعد أشهر، استقرت أحوالنا، وبدأت أخطط لمستقبل بناتي، سلمى كانت ستدخل الجامعة، وقررت دراسة القانون، وقالت لي أريد أن أكون محامية، عشان أساعد الناس اللي اتظلموا زينا، وعشان أضمن إن العدالة تصل لكل من يحتاجها. أما الباقيتان، فكانتا متفوقتين في دراستهما، وكل منهما تحلم بتحقيق أهدافها الخاصة.
ذات يوم، كنت أجلس في الشرفة، وأنظر للحديقة الصغيرة أمام البيت، تذكرت أبي، وشكرته في نفسي، لقد كان حكيمًا جدًا، عندما وضع هذا الشرط، واشترى لنا هذا البيت، لم يمنحنا مجرد سقف، بل منحنا أمانًا لا يقدر بثمن، وترك لنا سبيلًا لاستعادة حقنا مهما حاول المخططون إخفاءه.
عرفت أن الحق مهما طال ظلامه، سوف يظهر في النهاية، وأن الظلم لا يدوم، والغدر مهما تم إخفاؤه سوف يكشفه الله في الوقت المناسب، لم يكن سهلاً ما مررت به، لكنه علمني الكثير، علمني الصبر، وعلمني أن الحقوق لا تضيع إذا كان هناك من يطلبها، وعلمني أن الأمانة يجب أن تُعطى لمن يستحقها فقط.
البيت الآن مليء بالضحكات والأمل، لم يعد يذكرنا بالألم، بل أصبح رمزًا للانتصار، انتصار الحق على الباطل، والعدالة على الظلم، والصدق على الكذب، وكل يوم نعيشه فيه هو شهادة
على أن الله لا يضيع أجر من أحسن
عملًا، وأن من يزرع الخير يحصد الخير، ومن يزرع الشړ يحصد ما زرع.

وبهذا انتهت قصتنا

 

تم نسخ الرابط