كل يوم الصبح

لمحة نيوز

"هو ده؟ دي خسرت كتير من وزنها، وبقت تلبس سكارفات وهي جوه البيت دلوقتي. الأسبوع اللي فات، لما رجعت لها جواب وصل بيتنا بالغلط، فتحت الباب بالعافية."
كنت واخد بالي من الأكياس.
منى كانت واخدة بالها من بتول.
وده كان المفروض يقول لي حاجة عن الاتنين.
كانت بتتعامل مع الكيس بحرص شديد، تقريباً بحنية، قبل ما تلف وترجع تاني على جوه البيت.
قلت: "يمكن بتنضف السقيفة."
"كل يوم الصبح؟"
"تلاقي العربية بتاخد أجرتها بالنقرة."
منى بصت لي بصة وقالت: "أنت ألفت نظام اقتصادي بحاله عشان ما تعترفش إن فيه حاجة غريبة بتحصل."
ضحكت، بس الضحكة طلعت خفيفة ومبحوحة.
العربية كانت بتيجي تقريباً في نفس الوقت كل يوم الصبح. ماكنش عليها اسم أي شركة، غير ستيكر صغير جنب بيبان العربية من وراء.
وساعات السائق كان بيحط إيصال في صندوق البريد بتاع بتول.
وفي يوم ثلاثاء، بتول خرجت بالعربية، وكنت فاكر إنها رايحة شغلها، قبل ما العربية ما توصل.
كانت لابسة بلوزة زرقاء وسكارف مربوط عالي حوالين رقبتها مع إن الجو كان حر.
فيه كيسين فضلوا على الرصيف.
منى كانت قاعدة تقرأ على ترابيزة المطبخ.
"أنا ما قلتش حاجة."
"أنت بتفكر بصوت عالي."
"أنا رايح أطالع البريد."
"البريد بيجي الساعة تلاتة."
عديت الشارع برضه.
الكيس الكبير كان مربوط بعقدة مزدوجة ومحكمة.
فتحته

وخلاص. وبدل الزبالة، لقيت كذا قطعة لبس تخص بنت.
كل شعرة في دراعي وقفت مكأنها وأنا بفكر فوراً في إن يمكن جارتنا دي حابسة حد جوه بيتها.
شفت كارديجان بينك، مطوي كويس والكمام متصالبة من قدام.
وتحته كان فيه جاكيت جينز عليه تطريز فراشة، بنطلونين جينز، وكوتشي لسه رباطه مربوط.
حفرت جوه الكيس أكتر.
كان فيه دوسيهات مدارس، إكسسوارات بلاستيك، روايات ورقية، ودبدوب أرنب مقطوع منه ودن واحدة.
الإزاز كان متشال عشان الأمان، بس الصور فضلت موجودة.
نفس البنت كانت في التلات صور.
في واحدة، كانت واقفة على شط البحر والهوا بيطير شعرها على وشها.
وفي واحدة تانية، كانت قاعدة على بيانو ولابسة فستان أبيض.
وفي الأخيرة، كانت ميلانة على تورتة عيد ميلاد عليها 16 شمعة.
اسم "إيما" كان مكتوب ورا الصور.
ربطت الكيس تاني، بس معرفتش أعمل نفس العقدة المزدوجة النضيفة. بتاعتي طلعت مهزورة وباينة أوي.
لما رجعت البيت، منى بصت لي بصة واحدة وقالت:
"أنت فتحته."
قعدت.
"كان فيه حاجات بنت جوه."
"حاجات إيه؟"
وش منى نشف.
"ده مش معناه إن فيه حاجة مرعبة حصلت."
"بتول عندها حاجة هناك."
معرفتش أنام طول الليل، وكل ما أغمض عيني أشوف صور إيما وهي بتبتسم في الصور، ولبسها المحطوط في أكياس الزبالة كأنها حاجة ملهاش أي قيمة. فكرة إن جارتنا الهادئة المنظمة دي
ممكن يكون وراها سر مرعب فضلت تاكل في عقلي وتصحيني كل شوية، ومراتي منى كانت حاسة بيا وساكتة، كأننا الاتنين مستنيين الصبح يطلع بفارغ الصبر عشان نعرف إيه الحكاية.
أول ما النور طلع وبدأت حركة الشارع تخف، وقفت قدام الشباك بستنى اللحظة اللي بتول تطلع فيها بأكياسها زي كل يوم. وبالفعل، على الساعة سبعة الصبح، باب بيتها اتفتح، وطلعت وهي لابسة الروب البينك كالعادة، وبتجر وراها أكياس سوداء كتيرة وثقيلة تعبتها وهي ماشية بيها لحد الرصيف. استنيتها لحد ما مشيت وركبت عربيتها وسابت الشارع، واستنيت عربية الزبالة الخاصة الغامضة دي لحد ما جت وخدت الأكياس ومشت زي كل يوم.
بعد ما العربية اتحركت، استنيت لحد ما الشارع هدي خالص، ونزلت جري على صندوق البريد بتاعها. قلبي كان بيدق بسرعة، ومديت إيدي جوه الصندوق وطلعت الإيصال اللي السواق دايماً بيسيبه لها. فتحت الورقة وعيني جريت على اسم الشركة المكتوب بخط بارز، وطلعت شركة خاصة بنقل النفايات الطبية والخطرة، والعنوان كان لمركز رعاية وتأهيل صحي واقع في أطراف المحافظة بعيد عننا.
رجعت البيت وأنا مش مصدق، ووريت الإيصال لمنى اللي بصت لي بقلق وقالت لي بصوت واطي: "مركز رعاية؟ بس إيه علاقة ده بلبس بنت وصورها في الزبالة؟"
قررت إني لازم أفهم الإجابة بنفسي، وركبت عربيتي وسوقت لحد ما وصلت
للمركز الطبي المكتوب في الإيصال. كان مكان هادي ومبنى كبير محاط بسور، وقفت قدام الاستقبال وطلعت صورة إيما اللي كنت صورتها بالموبايل من الكيس، وسألت الموظفة باهتمام بالغ لو كانت تعرف البنت دي.
الموظفة بصت للصورة وملامح وشها اتغيرت فجأة وفضلت ساكتة شوية كأنها بتسترجع الذاكرة، وبعدين بصت لي وقالت بصوت هادئ ومكسور: "دي إيما.. بنت دكتورة بتول. بس هي مش هنا دلوقتي."
قلت بسرعة وبلهفة: "امال فين؟ وهي بتعمل إيه في الأكياس دي كل يوم؟"
الموظفة نزلت عينيها باختناق وقالت: "إيما الله يرحمها.. ماتت بحادثة عربية وهي راجعة من حفلة عيد ميلادها الـ 16 من سنتين. من ساعت ما ماتت، والدتها دخلت في حالة صدمة عصبية شديدة ورفضت تصدق إن بنتها سابتها. دكتورة بتول كانت كل يوم تصحى الصبح تفتح دولاب بنتها وتطلع لبسها وحاجتها، وتحطهم في أكياس وتقفلهم بحنان وتخرج ترميهم، وكأنها في كل مرة بتدفن حتة من قلبها وبتحاول تنسى إن الأوضة فاضية.. بس كل يوم الصبح، الوجع بيرجع يصحى تاني، فترجع تشتري نفس اللبس وتكرر نفس اليوم، كأنها عايشة في نفس اللحظة اللي بنتها سابتها فيها للأبد."
وقفت قدام الموظفة، وكل الكلام وقف في زوري، وحسيت بغصة مرعبة في قلبي وأنا بفتكر وش بتول الهادئ ولبسها المنظم وعربيتها الفخمة، واكتشفت إن خلف كل باب مقفول وجع
أعظم بكتير من كل الظنون والفضول اللي في الدنيا.
 

تم نسخ الرابط