جوزي طلقني
حازم بدأ ينهج، الوجع والكسرة والذل بانوا في عينه. هو طول عمره عايش دور البرنس، الشاب الوسيم اللي عيلته مغرقاه فلوس. دلوقتي محطوط في اختيار صعب كرامته المزعومة قصاد ملايين الجد اللي هتنقذهم من الإفلاس وتخليهم عايشين في نفس المستوى.
أخته قربت من أمه ووشوشتها ماما.. الشيكات اللي على حازم والفيلا اللي هتتسحب مننا لو مدفعناش القسط الجاي.. وافقي، خليه يخلصنا!
أمه بصت لحازم بنظرة كلها رجاء ذليل.. نظرة عكس تماماً النظرة اللي بصتهالي في المستشفى وهي بتقوله خير ما عملت يا بني.
حازم بلع ريقه بصعوبة، وقرب مني وخطواته تقيلة كأن رجليه مربوطة بسلاسل من حديد. نزل على ركبه ببطء، ودموعه نزلت من كتر القهر والذل. مد إيده المرتعشة، ومسك طرف البنطلون بتاعي، وقرب وباس الطرف الصناعي بكل انكسار.
في اللحظة دي، أنا محسيتش بالشماتة بقدر ما حسيت بقيمة نفسي. حسيت إن ربنا عادل جداً، وإن الدنيا دوارة وبتلف وتجيب العالي واطي.
قلتله بنبرة جافة
قوم.. قرفاني منك ومن شكل الذل في عينك. بكرا الساعة عشرة الصبح هكون قدام البنك. وكلمة زيادة، أو محاولة لتغيير الاتفاق، مش هتشوفوا وشي تاني.
وقف وهو باصص للأرض، وأمه وأخته سحبوا نفسهم وخرجوا يجروا ديول الخيبة وراهم، والباب اتقفل وراهم.
تاني يوم الصبح، لبست أحسن طقم عندي. كنت مهندسة معمارية بجد، شياكة وأناقة وقوة. ركبت الطرف الصناعي بتمكن، ومسكت عكاز شيك جداً كنت بستخدمه للمساعدة في المشي السريع، ونزلت مع أبويا اللي كان ماسك إيدي كأنه بيسلمني لعرش انتصاري.
وصلنا
دخلنا مكتب مدير البنك، اللي كان مستنينا بملف ضخم.
المدير بصلنا بوقار وقال أهلاً بحضرتك يا بشمهندسة عزة، البقاء لله في الحاج صالح.. وأهلاً يا أستاذ حازم.
حازم قال بلهفة أهلاً يا فندم.. إحنا جاهزين عشان نمضي وننقل الحسابات والورث.
المدير فتح الملف، ونضارته القراءة نزلت على مناخيره وقال تمام.. بس قبل الإمضاء، لازم أقرا عليكم نص الوصية بالكامل زي ما الحاج صالح وصى رسمياً، ولازم البشمهندسة عزة تسمعها وتوافق عليها.
المدير بدأ يقرأ بصوت واضح
أنا صالح عبد الرحمن، أوصي بجميع أملاكي وعقاراتي والأسهم المملوكة لي في الشركات لحفيدي حازم.. بشرط لا غنى عنه ولا يجوز الالتفاف عليه
أن يحضر حازم برفقة زوجته أو طليقته عزة، وتقوم عزة بالتوقيع على موافقتها على استلامه للورث.
وفي حال رفضها، أو في حال ثبت أن حازم قد أساء إليها أو طلقها بسبب مرضها أو عجزها دون رضاها.. فإنني أوصي بنقل 80 من كامل الثروة باسم البشمهندسة عزة كتعويض مالي وأدبي عما بدر من حفيدي وعائلته تجاهها، وال 20 المتبقية تذهب لجمعيات رعاية ذوي الهمم، ولا يرث حازم أو عائلته مليمًا واحدًا.
المدير خلص جملته، والصمت حل في المكتب زي الصدمة الكهربائية!
حازم وأمه وقفوا من طولهم وصوتهم طلع في نفس الوقت إيه؟! أنت بتقول إيه يا متر؟! دي وصية باطلة!
المدير بصلهم ببرود مهني وقال الوصية مسجلة في الشهر العقاري وبحضور محامي الحاج صالح الخاص وبشهادة شهود، ومفيش فيها أي ثغرة قانونية. الخيار للباشمهندسة عزة.. لو وقعت بالموافقة، الورث يروح لحازم. لو رفضت ووقعت على بند الرفض وإثبات الضرر والطلاق بسبب العجز.. الثروة كلها بتتحول لحسابها هي والجمعيات الخيرية.
أمه بدأت تصوت وتلطم على وشها في المكتب يا خراب بيتك يا حازم! يا مصيبتك يا حازم! البت دي هتاخد شقا عمرنا! أبوس إيدك يا عزة.. أبوس رجلك أنتي يا بنتي.. وافقي وخذي اللي أنتي عايزاه بس سيبيلنا الباقي!
حازم انهار تماماً، وبدأ يتكلم بنبرة كلها رجاء وندم حقيقي المرة دي
عزة.. أنا غلطت، الشيطان وزني، وأمي هي اللي فضلت تقولي مش هتنفعلك وهتعطلك عن شغلك وحياتك.. أنا بحبك يا عزة، ارجعيلي ونبدأ من جديد، والفلوس كلها هتبقى تحت رجلك، بس بلاش تضيعي مستقبلي ومستقبل عيلتي!
بصيت لحازم وبصيت لأمه اللي كانت بتتبطر عليا من ست شهور ودلوقتي بتتمنى رضايا. وبصيت لأبويا اللي كان واقف مبتسم، وعينيه بتقولي الحق حقك يا بنتي، والقرار قرارك.
أخدت القلم من مدير البنك ببطء وهدوء.
بصيت لحازم وقلتله أنت فاكر إن كل الناس زيك؟ فاكر إن الفلوس هي اللي بتملى عيني؟ أنا مهندسة، وبعرف أبني نفسي من الصفر، ومش محتاجة فلوس جدك الله يرحمه عشان أعيش ملكة.. أنا ملكة بكرامتي وبأهلي اللي سندوني.
مضيت على الورقة..
بس مضيت على بند رفض التنازل وإثبات طلاقي تعسفياً بسبب العجز الطبي.
مضيت عشان أثبت ليهم وللدنيا كلها
أول ما مضيت، المدير ابتسم وقال مبروك يا بشمهندسة عزة.. الثروة والشركات بقت تحت تصرفك من اللحظة دي.
حازم وقع على الكرسي وهو شارد ومش مصدق إن كل حاجة ضاعت في ثانية. أمه فضلت تصرخ لحد ما أمن البنك دخل وطلعهم برا المكتب وهما بيجروا أذيال الخيبة والفضائح.
مرت سنة كاملة على اليوم ده.
النهاردة، أنا مش بس واقفة على رجلي بفضل الطرف الصناعي الحديث اللي سافرت وركبته بأحدث تكنولوجيا بره مصر.. أنا واقفة على أرض صلبة جداً.
استلمت شركات الحاج صالح، وبمساعدة بابا وإخواتي طورتها وبقت من أكبر شركات المقاولات والتصميم المعماري في مصر. دمجت شغلي وتخصصي الهندسي مع ثروتي الجديدة، وعملت مؤسسة خيرية كبيرة باسم مؤسسة صالح عبد الرحمن لتأهيل وتدريب ذوي الهمم وتوفير الأطراف الصناعية مجاناً لكل حد محتاجها ومش قادر على تمنها.
أما حازم وعيلته؟ عرفت إن الفيلا بتاعتهم اتباعت في المزاد العلني عشان يسددوا ديونهم وشيكات حازم، وهو دلوقتي شغال موظف صغير في شركة تانية بمرتب بسيط جداً، وأمه وأخته عايشين في شقة إيجار وبقوا عبرة لكل الناس اللي بتبص للمظاهر وبتتخلى عن الإنسانية في وقت الشدة.
كل يوم الصبح، ببص لنفسي في المراية، وببتسم وأنا بربط رجلي الصناعية. بفتكر الوجع وبفتكر الكسرة، بس بفتكر أكتر إن الضربة اللي متموتش.. بتقوي.
أنا عزة.. المهندسة اللي صممت حياتها من جديد، وطلعت