جابها تحل محل مراته

لمحة نيوز


اختفاء السلسلة، وتم فصلها يدويًا.
رفع أحمد رأسه ببطء.
قالت منى
وقتها قلت إن ده عطل عادي.
ثم نظرت مباشرة في عينيه.
لكن واضح إنه ما كانش عطل.
ساد صمت ثقيل.
حتى ياسمين بدت مذهولة.
قالت بصوت مرتجف
أحمد... إنت كنت تعرف السلسلة راحت فين؟
ظل صامتًا.
ولأول مرة منذ بداية الليلة...
لم يجد إجابة.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف أحمد.
نظر إلى الشاشة، فتجمد.
كان المتصل يحمل اسمًا واحدًا
مجلس الإدارة.
نظر إلى الجميع، ثم أغلق الهاتف دون أن يرد.
لكن بعد ثوانٍ قليلة...
وصلت رسالة قصيرة.
قرأها، واختفى اللون من وجهه.
رفع عمر الهاتف من يده بعدما سقط على الأرض.
قرأ الرسالة بصوت مسموع
نرجو حضورك اجتماعًا عاجلًا صباح الغد لمناقشة مستندات وصلت إلى مجلس الإدارة.
رفع الجميع أنظارهم نحو منى.
أما هي...
فاكتفت بالقول
لسه الليلة طويلة ابتسم أحمد ابتسامة متوترة وهو يحاول يستعيد هدوءه.
يعني هتخوفيني بشوية ورق؟
هزت منى رأسها.
لا... الحقيقة عمرها ما كانت بتخوف. اللي بيخوف هو إن الإنسان يفضل فاكر إنها مش هتظهر.
أخذ أحمد مفاتيحه من فوق الكونسول.
أنا ما عنديش وقت للكلام ده.
واتجه ناحية الباب.
لكن قبل ما يفتحه...
قال عمر
لو خرجت دلوقتي... متفتكرش إننا هنكون موجودين لما ترجع.
توقف مكانه.
التفت لابنه.
ولأول مرة، لمح في عينيه نظرة لم يرها من قبل.
لم تكن غضبًا...
كانت خيبة أمل.
قال عمر بهدوء
طول عمري كنت فاكر إنك بطلي.
كنت بحكي لأصحابي إن أبويا بنى شركة كبيرة من الصفر.
عمري ما اتكسفت منك...
إلا النهارده.
انخفضت عين أحمد للحظة.
أما سارة، فأخذت نفسًا عميقًا وقالت
إحنا مش صغيرين يا بابا.
إحنا فاهمين إن الجواز ممكن يفشل.
وإن الناس ممكن تختلف.
لكن اللي عمرنا ما هنتقبله إنك تعامل أمي كأن كل السنين اللي عاشتها معاك ملهاش قيمة.
ساد صمت طويل.
ثم تقدمت ياسمين خطوة.
خلعت السلسلة نهائيًا، ووضعتها في

يد منى.
وقالت بصوت خافت
دي مكانها عند صاحبتها.
أنا ماشية.
حاول أحمد يناديها
ياسمين... استني.
لكنها هزت رأسها.
لا.
أنا دخلت البيت ده على أساس صورة مختلفة تمامًا.
واضح إن فيه حاجات كتير أنا مكنتش أعرفها.
ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
نظر أحمد إلى الباب المغلق، ثم إلى أولاده.
لم يتحرك أحد.
أما منى، فأمسكت السلسلة، وأغلقت علبة القطيفة التي احتفظت بها طوال تلك الشهور.
وقالت بهدوء شديد
بكرة كل واحد فينا هيبدأ صفحة جديدة.
لكن المرة دي...
على أساس الحقيقة، مش على أساس اللي كان بيتقال.
ولأول مرة منذ سنوات...
لم يجد أحمد أي كلمات يدافع بها عن نفسه، بينما بقيت نظرات ولديه أبلغ من أي عتاب.
تمت في صباح اليوم التالي...
لم ينم أحد في البيت إلا دقائق متقطعة.
منى كانت أول من نزل إلى المطبخ.
أعدّت القهوة كعادتها.
نفس الفنجان الأبيض.
نفس الملعقة الصغيرة.
لكن لأول مرة منذ سنوات...
لم تجهز فنجانًا ثانيًا.
دخل عمر وهو يفرك عينيه.
نظر إلى الفنجان الوحيد، ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
أخيرًا عملتِ قهوة لنفسك بس.
نظرت إليه منى.
يمكن اتأخرت... بس مفيش حاجة بتمنع الإنسان يبدأ من جديد.
بعد دقائق نزلت سارة.
جلست بجوار أمها وأمسكت يدها.
مهما حصل النهارده... إحنا معاكي.
ربتت منى على يدها دون أن تتكلم.
في الجهة الأخرى من البيت...
كان أحمد يجهز نفسه للخروج.
بدلته الأنيقة لم تستطع أن تخفي الإرهاق في وجهه.
أخذ حقيبته، ولما وصل إلى الباب، التفت نحو السفرة.
كانت فارغة.
لأول مرة منذ سبعة عشر عامًا...
لم ينتظره أحد ليتناول الإفطار معه.
خرج بصمت.
في مقر الشركة...
دخل أحمد قاعة الاجتماعات وهو يحاول أن يبدو واثقًا.
لكن الوجوه التي استقبلته لم تكن كالمعتاد.
لا ابتسامات.
ولا مجاملات.
ولا حتى ترحيب.
قال رئيس مجلس الإدارة
اتفضل يا أستاذ أحمد.
جلس.
ثم وُضع أمامه ملف سميك.
سأل
إيه ده؟
رد
الرجل
مستندات تخص السنوات الأولى لتأسيس الشركة.
فتح أحمد الملف...
فتجمد.
كانت نفس المستندات التي كانت مع منى.
لكن معها أوراق أخرى لم يرها من قبل.
ومن بينها...
خطابات بخط يده يشكر فيها منى على تولي الشؤون القانونية للشركة في سنواتها الأولى.
ورقة بعد أخرى...
كان يقرأها، ويزداد صمته.
قال أحد أعضاء المجلس بهدوء
واضح إن في أشخاص كان ليهم دور أكبر مما كنا نعرف.
وفي الوقت نفسه...
كانت منى تجلس في مكتب محامٍ قديم، زميل دراسة لم تره منذ سنوات.
ابتسم عندما رآها.
وقال
رجعتي للمحاماة أخيرًا؟
ابتسمت لأول مرة منذ وقت طويل.
أيوه...
وحاسة إني رجعت لنفسي.
فتح أمامها ملفًا جديدًا.
وقال
مستعدة نبدأ؟
أخذت القلم.
وقبل أن توقع أول ورقة...
رن هاتفها.
كان رقمًا غير مسجل.
ردت بهدوء.
فجاءها صوت امرأة تقول
حضرتك الأستاذة منى؟
أيوه.
مع حضرتك سكرتيرة مكتب رئيس مجلس إدارة شركة منصور للمقاولات... في حد عايز يقابلك ضروري.
توقفت منى للحظة.
نظرت إلى المحامي.
ثم سألت
بخصوص إيه؟
جاءها الرد الذي لم تكن تتوقعه
بخصوص... حقك في الشركة أغلقت منى الهاتف ببطء.
ظل المحامي ينظر إليها منتظرًا.
سألها
خير؟
وضعت الهاتف على المكتب وقالت
رئيس مجلس الإدارة طالب يقابلني.
رفع حاجبيه.
واضح إنهم عرفوا الحقيقة.
تنهدت منى.
الحقيقة كانت موجودة من زمان... بس محدش كان عايز يسمعها.
بعد ساعة...
دخلت مبنى الشركة الذي ساهمت في تأسيسه قبل سنوات.
كان كل ركن فيه يحمل ذكرى.
الممر الذي كانت تمشي فيه وهي تحمل ملفات العقود.
المكتب الصغير الذي كانت تراجع فيه المستندات حتى منتصف الليل.
لكن هذه المرة...
لم تدخل كزوجة صاحب الشركة.
دخلت وهي مرفوعة الرأس.
استقبلها رئيس مجلس الإدارة بنفسه.
صافحها باحترام وقال
اتفضلي يا أستاذة منى.
جلست بهدوء.
كان أحمد موجودًا بالفعل.
لكنه لم يرفع عينيه نحوها.
فتح رئيس المجلس ملفًا أمامه
وقال
خلال مراجعة أرشيف الشركة اكتشفنا إن حضرتك كنتِ صاحبة دور أساسي في مرحلة التأسيس، وإن في مستندات كتير تثبت مساهمتك القانونية والإدارية.
أومأت منى دون تعليق.
ثم أكمل
وإحنا شايفين إن من حقك يتم إثبات ده رسميًا في سجلات الشركة.
نظر أحمد أخيرًا إليها.
ولأول مرة...
بدا عليه الندم أكثر من الغضب.
قال بصوت خافت
منى...
لكنها لم تلتفت إليه.
قال رئيس المجلس
القرار النهائي هيكون بعد مراجعة كل المستندات من المستشار القانوني، لكن كان لازم تسمعي الكلام ده مننا قبل أي حد.
ابتسمت منى ابتسامة هادئة.
أنا مش جاية أدور على انتقام.
أنا جاية أدور على حقي... وبس.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم وقف أحمد ببطء.
وقال أمام الجميع
في حاجة لازم أعترف بيها.
التفتت إليه كل الوجوه.
أخذ نفسًا طويلًا وقال
الشركة عمرها ما كانت مجهودي لوحدي... ومنى كان ليها فضل كبير في اللي وصلتله.
كانت هذه أول مرة يقولها بصوت مسموع أمام الآخرين.
نظر رئيس المجلس إلى منى وقال
أعتقد إن الاعتراف ده كان متأخر... لكنه مهم.
ابتسمت منى ابتسامة صغيرة، ثم جمعت أوراقها.
وقبل أن تغادر، قالت بهدوء
الاعتراف يريح الضمير... لكن الحقوق بترجع بالقانون.
ثم خرجت من القاعة.
وخلفها، بقي أحمد جالسًا ينظر إلى الباب المغلق، مدركًا أن بعض الخسائر لا يمكن إصلاحها، مهما تأخر الاعتذار. النهاية بعد أسبوعين...
بدأ البيت يتغير.
ليس لأن الأثاث تبدل...
بل لأن الوجوه نفسها لم تعد كما كانت.
منى استأجرت شقة صغيرة قريبة من الجامعة التي سيدخلها عمر وسارة بعد أشهر.
أصرت أن يبدأوا مرحلة جديدة بعيدًا عن التوتر.
وفي أول مساء هناك...
رن جرس الباب.
فتح عمر.
فوجد والده واقفًا، يحمل كيسًا فيه فطائر كان يعرف أن سارة تحبها منذ طفولتها.
ساد صمت طويل.
قال أحمد
ممكن أدخل؟
نظر عمر إلى أمه.
أومأت منى بهدوء.
دخل أحمد، لكنه لم يجلس في المكان المعتاد.
جلس
على أقرب كرسي من الباب.
كأنه يعرف أنه لم يعد صاحب البيت.
خرجت سارة من المطبخ.
توقفت عندما رأته.
قال أحمد
جبتلك الفطائر اللي بتحبيها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لسه فاكر؟
خفض رأسه.
يمكن افتكرت متأخر... لكن لسه فاكر.
وضعت الفطائر
 

تم نسخ الرابط