عدت لأخذ نظارتي حكايات محمد عبده
عُدتُ لأخذ نظارتي فوجدتُ حماتي تضرب ابنتي، بينما زوجها غارق في هاتفه.
واحدة عديمة الفائدة زيك ما تستاهلش تحمل اسم ابني!
دوّى صوت الصفعة في أرجاء الفيلا الواسعة، فتجمّدت نوال عبد الرحيم عند عتبة الباب. كانت قد عادت فقط لتأخذ نظارتها لا أكثر. نسيتها فوق طاولة رخامية أثناء الغداء العائلي في تلك الفيلا الفاخرة بمنطقة التجمع الخامس في القاهرة بيت كل شيء فيه يلمع، لكن لا شيء فيه نظيف من الداخل.
سقطت ابنتها مريم على ركبتيها بجوار طاولة الطعام، يدها على خدها المحمّر، وعيناها مليئتان بالانكسار. أمامها وقفت ليلى الشناوي، حماتها، بثوب أنيق بلون البيج، وعقد من اللؤلؤ، ونظرة باردة لا تعرف الرحمة.
قالت ليلى بحدة
مش عارفة حتى تخلصي شوية ورق للمحاسب! ابني اتجوزك شفقة مش عشان عندك عقل!
أما كريم الشناوي، زوج مريم، فكان جالسًا على الأريكة، يمرر إصبعه على شاشة هاتفه وكأن ما يحدث مجرد مشهد ممل في مسلسل قديم.
قال ببرود دون أن يرفع رأسه
أمي عندها حق إنتِ دايمًا بتعقّدي كل حاجة يا مريم. إنتِ عبء.
شعرت نوال بأن الدم يصعد إلى حلقها. لأشهر طويلة، كانت ترى ابنتها ترتدي ملابس ثقيلة في عز الحر، تلغي الزيارات، وتبتسم بابتسامة حزينة وكأنها مكوية بعناية. كانت تقول دائمًا
أنا كويسة يا ماما بس تعبانة شوية.
ونوال احترامًا لزواجها، كانت تصمت.
لكن
أرادت أن تندفع للداخل، أن تصرخ، أن تأخذ مريم وتخرج بها من ذلك الجحيم فورًا. لكنها كانت تعرف ابنتها جيدًا لو تدخلت بدون دليل، ستعتذر مريم وكأنها المخطئة. وسيمثل كريم دور الزوج الحنون. وستبكي ليلى أمام العائلة.
وفي اليوم التالي سيكون العقاب أشد.
تراجعت نوال ببطء، أخذت نظارتها من على الكونسول عند المدخل، وغادرت دون أن يراها أحد.
في الشارع، تحت ظل شجرة، أخرجت هاتفها واتصلت برقم لا يعرفه إلا القليلون.
تحت أمرك يا مدام نوال، جاء صوت المستشار حسام السيوفي.
قالت بهدوء يخفي ألمًا عميقًا
أوقف كل الطلبات مع شركة الشناوي فورًا. فعّل تحصيل ديونهم بالكامل. وبلغ البنوك إن مجموعة عبد الرحيم للصناعات مش هتوافق على أي تمديد تاني.
ساد صمت ثقيل.
يا فندم من غيرنا، الشركة مش هتكمل أسبوع!
قالت
عارفة.
وأغلقت الخط.
عائلة الشناوي كانت تظن أن نوال مجرد أرملة ميكانيكي بسيط من شبرا، تمتلك ورشة قديمة ما زالت رائحتها زيت وحديد.
لم يكن أحد منهم يعلم أن تلك الورشة تحولت، خلال 30 سنة من الكفاح، إلى مجموعة عبد الرحيم للصناعات واحدة من أكبر مورّدي قطع غيار السيارات في مصر.
وكانت مريم هي من طلبت إخفاء الحقيقة قبل زواجها.
قالت يومها
عايزة أعرف كريم بيحبني أنا ولا فلوسي.
وافقت نوال.
والآن
في تلك الليلة، اتصل كريم.
يا مدام نوال، مريم تعبانة شوية، قال بصوت ناعم مزيف.
على فكرة، محتاجين الفلاشة اللي فيها التوقيع الإلكتروني بتاعها ضروري لإجراء خاص بالتأمين.
نظرت نوال إلى صندوق خشبي صغير فوق مكتبها.
كانت مريم قد أعطته لها قبل ثلاثة أيام، ويديها ترتجفان.
ماما خليه عندك. أنا مش حاسة بالأمان هناك.
قالت نوال
هشوفه وأكلمك.
فتحت الصندوق
وجدت الفلاشة، وبطاقة بنكية، وكشف حساب غريب.
شركة باسم مريم مسجلة حديثًا في الجيزة.
الشركة حصلت على قرض ضخم 216 مليون جنيه.
ومريم هي المديرة الوحيدة والضامن الشخصي.
عند منتصف الليل، وصلتها رسالة من ابنتها
ماما لازم أشوفك بكرة. اكتشفت حاجة مرعبة في شركة كريم.
لم تنم نوال تلك الليلة.
لأن الصفعة التي رأتها
لم تكن أسوأ ما يحدث.
كانت فقط أول شق في فخّ كبير،
لم تكن مريم قد أدركته بعد.
شكرًا لقراءتك القصة لسه في بدايتها!
الجزء التالي هيكشف الصدمة الحقيقية هل تحب أكمله لك؟
الجزء الثاني بداية انكشاف الأسرار
لم تنتظر نوال عبد الرحيم حتى الصباح.
مع أول خيط نور، كانت تجلس داخل مكتبها الزجاجي في مقر مجموعة عبد الرحيم للصناعات، أمامها الملف المفتوح وداخلها إحساس ثقيل أن ما ستكتشفه لن يكون سهلًا.
دخل المستشار حسام السيوفي بسرعة، وبيده مجموعة أوراق.
قال
راجعنا الشركة اللي باسم مريم الموضوع أخطر مما كنا متوقعين.
رفعت نوال عينيها ببطء
قول كل حاجة.
تنهد حسام
الشركة دي اتأسست من شهرين بس لكن القرض اتسحب بالكامل خلال أسبوع. الفلوس اتنقلت على حسابات تابعة لشركات تانية وكلها مرتبطة بشكل غير مباشر بشركة الشناوي.
صمت للحظة، ثم أضاف
بمعنى أوضح حد بيستخدم اسم مريم كواجهة لتمرير فلوس وقروض.
قبضت نوال على طرف المكتب بقوة
وكريم؟
رد بهدوء
إمضته مش موجودة لكنه المستفيد الحقيقي.
في نفس اللحظة، رن هاتف نوال.
كانت مريم.
جاء صوتها ضعيفًا، لكنه مليء بالخوف
ماما أنا في كافيه قريب من بيتنا. لازم تشوفيني حالًا.
بعد نصف ساعة
كانت نوال تجلس أمام ابنتها، التي بدت وكأنها لم تنم منذ أيام. عيونها حمراء، ويديها لا تتوقف عن الارتجاف.
وضعت مريم ملفًا صغيرًا على الطاولة.
قالت بصوت مكسور
لقيت ده في مكتب كريم كان مخبيه.
فتحت نوال الملف
صور لعقود تحويلات بنكية وأسماء شركات.
لكن ما جمّد الدم في عروقها كان ورقة واحدة في النهاية.
توكيل رسمي عام.
باسم مريم
لكن التوقيع ليس توقيعها.
همست نوال
ده مزور
أومأت مريم، والدموع تنهمر
أنا ما مضيتش على حاجة زي دي بس كل حاجة باسمي. القرض الشركة حتى الضمانات.
ثم نظرت لأمها بعينين مليئتين بالصدمة
هو بيورطني يا ماما بيخليني أنا اللي أتحمل كل حاجة لو انهار كل
ساد صمت ثقيل بينهما.
ثم قالت نوال بهدوء مرعب
لا هو مش بس بيورطك.
رفعت الورقة أمامها
هو بيحضّر