قسوة عائلتي

لمحة نيوز

 الجزء الأول: صقيع المرفأ والقلوب اليابسة
بدأت الليلة كالحلم لغيري، وكالكابوس الأبدي لي. كان المرفأ السياحي يتلألأ بأضواء الزينة الملونة، واليخت الفاخر الخاص بـ "طارق" -مدير الشركة الكبير وعريس أختي الصغرى "دينا"- يقذف بنغمات الموسيقى الصاخبة في جوف الليل البارد. كان الجميع هناك يرتدون أفخر الثياب، يتعاطون الابتسامات المزيفة، ويتهامسون بنبرات تملؤها الهيبة والوقار المصطنع.
في المقابل، كنت أقف في زاوية معتمة من الرصيف البحري، أضم ابنتي اليتيمة "نور" ذات السنوات الست إلى صدري. كانت نور ترتدي فستانًا بسيطًا قديمًا أكل الدهر عليه وشرب، وكنت أحاول جاهدة أن أخفي رقاع ثوبي خلف يدي. لقد تمت دعوتي فقط لأكون شاهدة على "عظمة" أختي، وليستخدموني كخلفية باهتة تبرز لمعان عروس الليلة.
لم تكتفِ أمي بمظاهر التفاخر، بل كانت عيناها تلاحقنني بضغينة غريبة منذ أن وطئت قدمي المرفأ. وحين اقتربتُ لأهنئ "دينا"، خطت أمي خطوات سريعة نحوي، وعيناها تلمعان بشرر لم أفهمه حتى اللحظة. وبحركة سريعة ومباغتة، امتدت يدها الغليظة لتدفعني بقوة لا ترحم. لم تكن الدفعة لي وحدي، بل طالت جسد ابنتي الصغيرة "نور" المتشبثة بطرف فستاني.
تطاير الهواء من حولي، وسقطنا معًا في مياه الميناء المتجمدة.
اخترق الصقيع عظامي، واختنق صوتي في الماء المالح وأنا أحاول جاهدة رفع رأس نور فوق السطح. وحين خرجت رأسي أخيرًا لألتقط أنفاسي، كانت ضحكات أمي تملأ الأفق وهي تصيح باستهزاء وسط حشد المعازيم الذين تجمعوا عند حافة الرصيف:
«أختك اتجوزت مدير شركة كبير... وإنتِ ما جبتيلناش غير العار!»
انفجر

أكثر من مئة معزوم في ضحك هستيري، كأن سقوط امرأة يائسة وطفلتها اليتيمة في الماء المتجمد كان العرض الترفيهي الرئيسي للحفل. وبدلاً من أن يمد أبي يده لينقذنا، وقف بملامح متصلبة وصرخ في وجهي ليزيد من بؤسي:
«اعرفي مقامك!»
أمسكتُ بحافة الرصيف الحجرية بأصابع متجمدة، ورفعتُ "نور" التي كانت ترتجف كعصفور بلله المطر الشديد. دقات قلبي كانت كأعواد ثقاب تشتعل وتنطفئ في ثانية.
## الجزء الثاني: زلزال الليل وظهور الوحش
سحبتُ جسدي المبتل بصعوبة بالغة إلى الرصيف، وضممت نور إلى صدري تحت نور الميناء الخافت. كان شعرها المبلول يلتصق بوجهها الصغير، وعيناها البريئتان تبحثان في عيني عن إجابة لم أكن أملكها.
«أنا عملت حاجة غلط يا ماما؟»
كان صوت الطفلة يرتعش بشكل يمزق نياط القلوب.
قَبّلت رأسها بهدوء ممتزج بالدموع وقلت: «لأ يا حبيبتي... إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط خالص.»
ومن ورائنا، كان طارق، العريس، يقف على سطح يخته ممسكًا بكأس عصيره، ينظر إلينا باحتقار قبل أن يطلق جملته التي أثارت موجة جديدة من الضحك والتحية بين الحضور:
«...لأن أوقات، لو عايز السفينة تكمل لقدّام، لازم ترمي الزبالة برّه.»
انفجر المعازيم بالتصفيق مجددًا لعريس الليلة البارع في إلقاء الإهانات. بصت لي نور بعينين دامعتين وقالت بكسرة نفس بالغة: «هو ليه كل الناس بيكرهونا يا ماما؟»
لم تكد الكلمات تخرج من فمها حتى اهتزت الأرض تحت أقدامنا.
دوّى صوت بوق سفينة ضخم، صوت عميق ومرعب ترددت أصداؤه في جبال الخليج المحيطة بالمرفأ، لدرجة جعلت زجاج النوافذ في يخت طارق يرتجف. وقفت الموسيقى فجأة، وحل صمت ثقيل لم يقطعه
سوى حركة المياه المضطربة.
من وسط الضباب والظلام الحالك عند مدخل الخليج، بدأت تظهر كتلة سوداء عملاقة. لم يكن يختًا عاديًا، بل كان "إمبراطورية عائمة". يخت أسود عملاق، متدرج الطوابق، كأنه قلعة حربية مدرعة مغطاة بأفخم أنواع الزجاج والمعدن المقاوم للرصاص. بجانبه، بدا يخت طارق الفاخر كأنه مجرد قارب صيد صغير ومهمل.
انتشر الهمس والذعر بين المعازيم:
«إيه ده؟! دي سفينة مين؟»
«ده مش يخت عادي... ده باين عليه ملك لعيلة إمبراطورية!»
وقبل أن يستوعب أحد ما يحدث، اندفعت أربعة لنشات بحرية سوداء سريعة من طراز عسكري، واصطفت في ثوانٍ معدودة لتغلق كل مخارج ومداخل المرفأ، محاصرة يخت الفرح تمامًا.
## الجزء الثالث: أمير المحيطات يترجل
انحنى جسر اليخت الأسود العملاق بآلية هيدروليكية ناعمة وهبط على رصيف الميناء بإحكام. نزل أولاً رجال يرتدون سترات سوداء صلبة، بوجوه خالية من التعبيرات وعيون صقرية تراقب كل زاوية، مشكلين ممرًا آمنًا.
ثم ظهر هو.
رجل طويل القامة، عريض المنكبين، يرتدي حلة رسمية سوداء مفصلة بعناية لا توجد إلا في أرقى دور الأزياء العالمية. كانت خطواته واثقة تضرب الرصيف بقوة وهيبة لا مثيل لها. كان هذا هو "مراد السيوفي"، الملياردير الإمبراطوري الذي تهتز لذكر اسمه البورصات العالمية، والرجل الذي لم يكن يعلم أحد في تلك المدينة أنه زوجي الشرعي الذي غاب لعامين في مهمة سرية بالخارج لإنقاذ شركاته من مؤامرة دولية، وظن الجميع أنه مات أو تخلّى عني.
ما إن وقعت عيناه عليّ وعلى ابنتنا "نور"، اللتين نقف مبتلتين تحت الصقيع، حتى تغيرت ملامحه الهادئة تمامًا. تحولت
عيناه إلى كتلتين من الجمر، وانقبض فكه بعصبية بالغة أظهرت عروق عنقه.
تجاهل الجميع، وخطا نحونا بخطوات واسعة. خلع جاكيته الصوف الفاخر الذي تفوح منه رائحة الهيل والرجولة، ولفّه حول جسدي وجسد نور برفق شديد وكأننا أثمن ما يملك في هذا الكون.
«إنتوا كويسين؟» سألني بنبرة منخفضة ممتلئة بالدفء والخوف علينا.
هززت رأسي والدموع تفر من عيني: «أنا كويسة... بس هما كانوا بيضحكوا وهي بتعيط.»
في تلك اللحظة، شعرت بيده ترتجف غضبًا وهو يضم نور إلى صدره ويحملها بخفة: «إنتِ دلوقتي في أمان يا أميرتي الصغيرة. بابا رجع.»
ثم التفت ببطء نحو يخت الفرح، وصوته الرخيم يخرج كصوت الرعد الهادئ قبل العاصفة المدمرة:
«اقفلوا المكان.»
أشار كبير حراسه برأسه فورًا: «حاضر يا فندم.» في ثوانٍ، تم إغلاق المرفأ بالكامل بسلاسل حديدية، ومنع الحراس أي شخص من التحرك أو مغادرة اليخت.
## الجزء الرابع: سقوط الأقنعة وتجمد الدماء
انزعج طارق من هذا الاستعراض المرعب للقوة، وحاول الحفاظ على كبريائه أمام معازيمه وأمام عروسه دينا التي بدأت ترتعش خوفًا. نزل من يخته بخطوات متوترة، وصاح بنبرة يحاول جعلها قوية:
«إنت مين أصلًا؟ وإزاي تدخل حفلي بالشكل ده؟ إنت متعرفش أنا مين؟ أنا مدير مجموعة شركات...»
قاطعه مراد بنظرة واحدة جعلت الكلمات تجف في حلق طارق. تقدم مراد نحوه ببطء، والجاذبية في المكان كله أصبحت تدور حوله وحده. سأله بنبرة جليدية هادئة:
«إنت الراجل اللي رمى مراتي وبنتي في الميه المتلجة الليلة؟»
ساد صمت مطبق. الابتسامة التي كانت تزين وجه طارق ووجوه والدي وأمي ودينا اختفت تمامًا. تحولت الوجوه
إلى اللون الأبيض الشاحب كالجثث.

 

تم نسخ الرابط