اخويا رمالي بنته

لمحة نيوز


منه إنه بيسلم البنت لإنها مالهاش عازة ومابقتش نافعة في حاجة.
المحامية بتاعة سامح اعترضت وقالت ده ورق قديم، وموقف عاطفي، ومالوش علاقة بالقضية الحالية والتغيير اللي حصل للأب.
القاضي مسك الورقة وبص فيها كتير، وقال كلمة هزت القاعة
في ورق قديم بيشرح ويؤكد جروح لسه بتنزف لحد النهارده.
سامح ريقه نشف وبلع بالعافية.
بعدها، القاضي بص لفرح وقال إنه عايز يسمع رأيها وشهادتها.
السكوت ملى القاعة وبقى مرعب. موظف من المحكمة قرب عشان يقرأ اللي هتكتبه، بس فرح هزت راسها بالرفض. الأستاذ مدحت فهم القاضي إنها مجهزة صفحات معينة في كشكولها الأزرق وعايزة تعرضها بنفسها، والقاضي وافق.
فرح فتحت الصفحة الأولى، والموظف قرأ بصوت عالي
بابا بيقول إنه رجع عشان بيحبني.. بس هو ما يعرفش إيه أكتر أكلة بحبها.
قلبت الصفحة التانية
بابا بيقول إنه عايز يخدمني ويراعيني.. بس ما يعرفش إيه الدوا اللي بينيمني وإيه الدوا اللي بيتعبلي معدتي.
قلبت صفحة كمان
بابا بيقول إن خالتو حَرَمَتني منه.. بس هو كان عارف مكان المخبز كويس طول ال 8 سنين وماجاش.
صفحة تانية
لما جالي التهاب رئوي حاد ودخلت المستشفى، خالتو نامت 3 أيام واقفه وقاعدة على الكرسي عشان كانت خايفة نفسي يقف وأنا نايمة.
أنا حطيت إيدي على بوقي عشان ما أصرخش من العياط. وفرح كملت وقلبت الصفحة
لما الكرسي بتاعي اتكسر وماكنش معانا فلوس، خالتو كانت بتقعدني على كرسي المكتب بتاع المخبز وبتلف بيا جوه الفرن عشان ما أحسش إني محبوسة.
صفحة تانية
لما المدرسة قالت إني ماليش لزوم أتعلم ولا أحلم، خالتو باعت سلسلتها الذهب عشان تدفعلي ثمن دروس الرسم.
الأستاذ مدحت غمض عينيه بتأثر.. أنا نفسي ماكنتش أعرف إن فرح فاكرة ومسجلة كل التفاصيل دي جواها!
القاضي طلب يشوف الكشكول بنفسه، وفرح سلمتهوله. الكشكول ده ماكنش مجرد ورق؛ ده كان دفتر حياة وعمر كامل. كان مليان رسومات للمخبز في شبرا، ورسومات ليا وأنا نايمة من التعب على شوال دقيق، وصوابعي المتلفّة بالشاش من لسعات الصاجات، وزباين بتشتري عيش، وجيران بيجمعوا

الفكة عشان يساعدونا. وفي وسط الورق، كان فيه رسمة بتخطيط مهزوز وهي عندها 8 سنين؛ رسمة لسامح وهو بيبعد بعربيته تحت المطر، وبنت صغيرة بتبص عليه من الكرسي.. ومكتوب فوقيها لو بقيت شاطرة ومؤدبة، يمكن يرجع ياخدني.
القاضي قفل الكشكول براحة وحنية شديدة، وعينيه كان فيها تأثر كبير. القاعة كلها سكتت لثواني. سامح كان باصص في الأرض، وضعه اتغير ومابقاش الأب النادم؛ بقى راجل كداب خطته اتكشفت وبوظت كل حساباته.
وفجأة، فرح طلبت تكتب صفحة أخيرة. القاضي شاور لها تكتبي.
مسكت القلم، وإيديها كانت بترتعش بس كانت قوية. كتبت براحة بخطها اللي اتعلمته وسط أكياس العيش. ولما خلصت، لفت الكشكول للمحكمة.
الموظف قرأ
أنا مش عايزة المحكمة تعاقبه عشان ما حبنيش.. الوجع ده خلاص مابقاش يوجع زي الأول. أنا كل اللي عايزاه إن مالهوش حق يتحكم في حياتي ولا يقرر مصيري.. بس عشان دلوقتي بقى معايا فلوس.
المحامية بتاعة سامح وطت راسها في الأرض من الكسوف. وفرح كتبت سطر أخير
أنا مش ورث ولا سبوبة.. أنا بني آدمة.
الكلمة دي هزت القاعة كلها. سامح وقف ووشه أحمر من الغيظ والغل وزعق
أنا أبوها! ليا حق عليها!
فرح بصت في عينيه لأول مرة من 8 سنين من غير نقطة خوف واحدة، وكتبت
أبويا.. هو اللي فضِل جمبي وما مشيش.
وشاورت عليا.
أنا مش قادرة أشرح الإحساس اللي حسيت بيه ليلتها؛ حسيت إن كل سنين الشقى، والتعب، والوقفة قدام النار وأنا عيانة، وشيلها وأنا خايفة أوجعها، وعياطي الفجر في الحمام عشان ما تشوفنيش ضعيفة.. كل ده انزاح وداب في ثانية، وحسيت براحة مالهاش مثيل.
الحكم ما طلعش في نفس اليوم، بس كلنا خرجنا من القاعة وإحنا عارفين إن الحق ظهر.
بعد تلات أيام، الأستاذ مدحت جه البيت ومعاه الأوراق الرسمية. أنا كنت واقفة بعجن العيش، وفرح قاعدة بترسم. مدحت دخل ووشه كله فرحة وقال
كسبنا يا أميرة.. كسبنا قضيتنا!
رجليا ما شالتنيش وقعدت على الأرض من الصدمة والفرحة.
القاضي أقر بإهمال سامح وتخليه الكامل عن بنته طول السنين دي، ورفض طلب الحضانة بتاعه تماماً، ومنعه من أي
حق في إدارة رسومات وفلوس فرح. والمحكمة حكمت بإن الوصاية والحضانة القانونية الكاملة والنهائية ليا أنا، وأمرت بوضع كل أموال العقود في صندوق ائتماني مقفول باسم فرح، تحت إشراف قانوني مستقل لحد ما تتم السن القانوني، بالإضافة لإلزام سامح بدفع نفقة بأثر رجعي عن كل السنين اللي فاتت.
سامح ما ظهرش تاني خالص. عرفت من الجيران إنه حاول يروح لبرامج توك شو وقنوات عشان يبيع قصته ويقول إن أخته غسلت مخ بنته وسممت أفكارها ضده، بس محدش عبره ولا صدقه. بعدها ساب المنطقة، وناس قالوا إنه سافر الصعيد وناس قالوا إنه سافر بره البلد يدور على شغل. أنا مابقتش أسأل؛ لأن في ناس أول ما تكتشف إنهم عمرهم ما كانوا أمان وسند، بيبطلوا يوجعوك وبيتحولوا لصفحة واتقفت.
مع الوقت، المخبز بتاعنا اتغير خالص وبقى أكبر. اشترينا فرن جديد كبير، غالي وبيلمع، فرح هي اللي اختارت الموديل بتاعه وقالت صوته هادي ومش بيعمل دوشة. وعملنا مشاية واسعة ومريحة عند المدخل، وحطينا طرابيزة رسم كبيرة جمب الفترينة الأزاز الكبيرة عشان فرح ترسم براحتها تحت نور ربنا والشمس.
والأطفال بدأوا يجوا عندنا.
الأول كانت بنت زبونة، رجلها فيها أجهزة حديد وكانت بتبص للألوان بخوف. بعدها جه ولد مابتكلمش كتير، وبعدها بنت تعرضت لحادثة وحركتها بقت تقيلة. فرح كانت بتستقبلهم من غير نظرة شفقة ولا كلام صعب؛ كانت بتحط الورقة والألوان قدامهم وتكتب لهم
ارسم اللي محدش بيسألك عنه.
ومن هنا بدأ الورشة الفنية لبراعم البركة.
كل يوم سبت، المخبز كان بيبقى ريحته قرص سخنة وعجوة، وكاكاو دافي، وأقلام تلوين. الأمهات كانوا بيقعدوا يعيطوا من الفرحة وهم شايفين عيالهم مركزين ومبسوطين، والآباء يقفوا على الباب مش عارفين يودوا وشم فين من كتر الحنية والمشاعر اللي في المكان. في عيال كانت بترسم حاجات بتخوفهم، وعيال بترسم بيوت، وعيال بترسم طرق.. بس الأغلبية كانوا بيرسموا إيدين.
فرح رجعت ترسم عائلات تاني، بس مش زي زمان. زمان كانت بترسمهم كاملين ومبتسمين ومثاليين؛ دلوقتي بقت ترسمهم حقيقيين.
ست عجوزة
بتزق كرسي متحرك.. خال شايل شنطة مدرسة لابن أخته.. جارة جايبة شوربة لجارتها العيانة.. خبازة إيديها ملفوفة بشاش.. وولد حاضن كلب بلدي عجوز. بقت ترسم ناس تعبانة، مش كاملة، متبهدلة.. بس قاعدين ومكملين ومش بيمشوا.
بعد سنة، دار النشر طلعت أول كتاب رسمي مرسوم بالكامل بإيد فرح. الغلاف كان عليه بنت ليها أجنحة ورق واقفة قدام مخبز منور، والعنوان كان كلمتين مش حمل تقيل.
يوم ما النسخ وصلت المخبز، عملنا حفلة وشاي بلبن ووزعنا عيش وسخنيات ببلاش على كل المنطقة. فرح فضلت تمضي على الكتب للناس ساعات؛ إيديها كانت بطيئة، بس محدش اشتكى، الطابور كان واقف بحب وصبر كأنها حفلة تكريم كبيرة ليها.
في آخر اليوم، بعد ما قفلنا المحل، لقيت الكشكول الأزرق مفتوح على الطرابيزة. كان فيه صفحة جديدة مكتوبة لسه حالا
يا خالتو.. أنا خلاص
مابقتش عايزة أشتريلك إيدين جديدة بدل اللي اتلسعت.
بصيت لها وأنا مش فاهمة، فابتسمت ومسكت القلم وكملت كتابة تحتها
لأن الإيدين التعبانة والمحروقة دي.. هي اللي علمتني وفهمتني إني عمري ما كنت حمل تقيل عليكي.
قعدت قدامها وفضلت أعيط بحرقة وعياط بقالي سنين كاتماه.. بس المرة دي ماكنش عياط حزن؛ كان عياط راحة وسكينة.
لأن طول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إني أنا اللي أنقذت فرح وشيلت مسؤولية فوق طاقتي، وإني ست غلبانة لوحدي ببيع عيش وعليا ديون وإيديا محروقة. بس الليلة دي فهمت الحقيقة كاملة..
أنا ما أنقذتش فرح.. فرح هي اللي أنقذتني؛ حمتني من إني أكون بني آدمة بتشوف الظلم وبتغمض عينيها وتقفل بابها وتعيش لنفسها بس.
من ساعتها، كل ما حد يدخل المخبز ويشوف فرح قاعدة بترسم جمب الشباك والنور مغطيها، يقولولي نفس الكلمة
يا بخت البنت دي إنها لقتك.. دي محظوظة بيكي.
وأنا دايماً برد عليهم بنفس الجملة وبكل ثقة
لا.. أنا اللي يا بختي بيها.. الرزق والمحمل كان عندي أنا.
لأن في عائلات بتتولد في المستشفيات، بشهادات ميلاد وصور حلوة وأسامي مكررة؛ وفي عائلات تانية بتتولد في ليلة شتا ومطر، قدام باب مخبز بسيط، لما حد يقرر إن في
طفلة في الدنيا دي.. مش هتتساب لوحدها تاني أبداً.

 

تم نسخ الرابط