اخويا رمالي بنته

لمحة نيوز


دي، قبل ما يمشي ويختفي، أنا صممت وزعقت معاه عشان يكتب أي إقرار يثبت إنه سابها بكامل إرادته. وهو كتب الكلمتين دول وهو بيضحك وبيتريق، لأنه كان متأكد إن الورقة دي مالهاش أي قيمة ومش هتنفع في حاجة.
الورقة كان عليها إمضته وبخط إيده المكتوب بكل قسوة
أنا بسلّم البنت دي لأختي لأنها مابقتش نافعة معايا في أي حاجة، ومش عايزها.
المحامية بتاعته وشها جاب مية لون واصفرت. وسامح حاول يداري كدبه بضحكة فاشلة
يا جماعة دي مبالغة.. كلنا بنقول كلام فارغ وبنغلط لما بنكون مضغوطين ومستعجلين!
فرح رجعت مسكت القلم وكتبت تاني
لما سبتني ومشيت ليلتها.. أنا فضلت فاكرة سنين إني السبب، وافتكرت إنك عملت كده عشان أنا كسرت الفنجان الأخضر بتاعك من غير قصد.
الأوضة كلها سكتت، والجو بقى تلاجة. أنا افتكرت الفنجان ده كويس.. قبل ما يرميها بيومين، فرح وقعت الفنجان الأخضر بتاعه على الأرض غصب عنها. سامح يومها فضل يصرخ في وشها لساعات.. قال لها إنتي بتبوظي كل حاجة، إنتي حمل تقيل، وإنتي طفلة ما كانش ينفع تتولدي أصلاً.
تمان سنين مرت، والبنت لسه شايلة جوا قلبها الصغير ذنب وهمي ومقنعة نفسها إنها اتمت في الشارع عشان فنجان مكسور!
المحامية بدأت تتكلم بسرعة وبصوت عالي عن التسويات، والاستقرار القانوني، وحق الأب الشرعي والبيولوجي. والأستاذ مدحت رد عليها بقوة وتكلم عن الإهمال الجسيم، والتخلي عن قاصر، والضرر النفسي والعاطفي اللي مالهوش علاج. ولما مدحت جاب سيرة إن القاضي ممكن يطلب يسمع ويشوف شهادة فرح بنفسه وبخط إيديها، سامح ضحكته اختفت تماماً.
قبل ما يخرج من الباب، حاول يقرب من فرح ويتمسكن
يا بنتي، أنا جاي عشان أصلح كل حاجة وندخل صفحة جديدة.
فرح كتبت له آخر جملة
الآباء مابيرجعوش بس لما الفلوس

تظهر.
سامح جز على سنانه وضغط على فكه من الغيظ، والمحامية شدته من دراعه وخرجوا هما الاتنين.
الليلة دي، فرح مارسمتش خالص. قعدت تبص على المطر وهو بيخبط في قزاز الشباك، وأنا كنت قاعدة جمبها بعمل نفسي برتب المناديل وبنظف المطبخ عشان أداري دموعي.
بعد شوية، لفت الكشكول ليا وكتبت
يا خالتو.. تفتكري القاضي ممكن يصدقه هو؟
أنا قمت من مكاني، وعدلت البطانية على رجليها وبست راسها
مستحيل يحصل كده يا قلب خالتك، طول ما أنا عايشة.
وطت راسها في الأرض وكتبت جملة وجعتني
بس الناس دايماً بتصدق اللي صوته أعلى.
ومن تاني يوم الصبح، ضربات الحرب بدأت تشتغل علينا. في موقع صفحة محليّة نزلت خبر بيقول مخبز شهير يستغل مراهقة من ذوي الهمم بعد ما بقت مليونيرة. وموقع تاني كتب الخالة تمنع الأب من رؤية ابنته وتسيطر على عقودها الفنية بقيمة ملايين الدولارات.
بدأت تيجي رسايل شتيمة وتهديد وقرف للمخبز، وصحفيين بيحوموا حوالين المكان، وناس فضولية وجيران بيتكلموا ويحكموا وهم مش عارفين أي حاجة عن الحقيقة.
وبعد تلات أيام بالظبط.. الاستدعاء الرسمي من المحكمة وصل لحد عندنا
جلسة تمهيدية عاجلة لبحث الحضانة، والولاية التعليمية، والإدارة المالية.
سامح ماكنش ناوي يسيب حاجة.. كان عايز ياخد كل حاجة ويقضي علينا.
الجزء الثالث والأخير
الأسبوعين اللي قبل الجلسة كانوا أطول أسبوعين مروا في حياتي كلها.
البيت اللي كان دايماً ريحته عيش مخبوز طالع سخن ومليان أقلام ألوان، فجأة بقى ساكت وكئيب. فرح كانت لسه بتقعد جمب الشباك، بس رسوماتها اتغيرت تماماً؛ مابقتش ترسم عائلات في الأسواق ولا عيال بتلعب مع كلاب الشوارع، بقت ترسم أبواب مقفولة، عربيات بتبعد وبتختفي، كراسي فاضية، وإيدين بتسيب إيدين تانية وتتخلى
عنها.
كنت ببص عليها وبحس بنار جواه.. مش نار وزعيق، لا، حزن تقيل كاتم على نفسي؛ لأن أصعب حاجة في الدنيا إن حد ييجي يفتح الجروح اللي يدوب بدأت تلم وتشفى، ويوجع نفس المكان تاني.
في ليلة من الأيام على الفجر، صحيت على الصوت الناعم بتاع عجل كرسيها المتحرك. طلعت الصالة ولقيتها واقفة جمب الشباك والدنيا بره بتمطر، نور الشارع كان عاكس على القزاز، وكشكولها الأزرق مفتوح على رجليها.
أول ما شافتني، كتبت
يا خالتو.. إنتي كمان زهقتي مني وتعبتي من حملي؟
حسيت إن قلبي بيتقطع ميت حتة. قعدت على كرسي قدامها، وما ردتش بسرعة؛ لأن في أسئلة محتاجة احترام وتفكير قبل الكلام.
أنا تعبت من الخوف يا فرح قلتلها وأنا باصة في عينيها تعبت وأنا مش عارفة هكفي فلوس دكاترتك وعلاجك الطبيعي منين. تعبت وأنا شايفاكي بتتوجعي ومش قادرة أشيل الوجع عنك. تعبت من الخناق مع المدارس والدكاترة والموظفين اللي كانوا بيتكلموا عنك كأنك مش موجودة واقفة قدامهم.
عينيها دمعت وبقت كلها مية، فكملت وقلت
بس عمري.. عمري في حياتي ما تعبت منك إنتي، ولا هتعَب.
فرح أخدت نفس طويل، وكتبت براحة جداً
خلاص.. يبقى أنا كده كسبت.
مافهمتش الجملة دي ساعتها، بس فهمتها بعدين.
يوم الجلسة، سامح جه لابس على السنجة؛ بدلة كحلي غامقة، ساعة غالية وبتلمع، دقن متظبطة، وعلى وشه هدوء وثقة مرسومة ومتمثلة بدقة تخوف. كان شبه الرجالة اللي بتتصور في المطاعم الفخمة وبتتكلم عن العيلة والقيم والأصول، وهم مخبيين بلاويهم وزبالتهم تحت السجادة.
فرح كانت لابسة فستان أزرق بسيط، ورابطة شعرها بشريط أبيض، وكشكولها في حضنها. وأنا كنت كابشة في الشنطة على السبحة بتاعة أمي الله يرحمها اللي باخدها في كل وقت خوف.
القاضي كان راجل وقور ووشه فيه
علامات التعب والخبرة، بدأ يسمع المحامين الأول.
المحامية بتاعة سامح وقفت واتكلمت عن الحقوق الشرعية، والندم، ولم شمل العيلة بعد سنين الفراق. وقالت إن الأب دايماً يستحق فرصة تانية عشان يصلح غلطه. وقالت إن الخالة اللي هي أنا نيتها طيبة وكل حاجة، بس حَرَمَت البنت من بيئتها الطبيعية وأبوها. وفجرت المفاجأة لما قالت إن قاصر بالثروة دي والعقود الكبيرة دي محتاجة إدارة مالية بجد، محترفة ومسؤولة، والولاية المالية لازم تكون تحت إيد أبوها.
سامح وطى راسه في الأرض في اللحظة دي بالظبط عشان يمثّل الحزن والندم والدموع.
وبعدين طلب يتكلم وقال بصوت واطي ومتمسكن
أنا غلطت يا سيادة القاضي.. كنت بمر بظروف نفسية صعبة، وخسرت شغلي وفلوسي، وماكنتش عارف إزاي أراعي طفلة بظروف خاصة وصعبة زي دي. أختي عرضت تساعدني، بس بعد كده قفلت الباب في وشي ومنعتني أشوفها. أنا عمري ما بطلت أحب بنتي، والنهارده أنا جاي أصلح اللي فات وأحميها وأحمي حاجتها.
تمثيله كان مبهر لدرجة إني لثواني جالي رعب في قلبي؛ لأن الكدب لما بيتقال بهدوء ولبس غالي، ممكن يترأى للناس إنه حق.
في اللحظة دي، الأستاذ مدحت محامينا وقف. ما زعقش، وماكنش محتاج يزعق أصلاً.
طلع وقدم للمحكمة الدفاتر والملفات الطبية؛ فواتير العلاج الطبيعي وجلسات التخاطب اللي اندفعت من قرش وقوت المخبز. قدم شهادات المدرسة اللي ممضية بإمضائي أنا طول سنين الدراسة. قدم الروشتات، ومحاضر النقل، وتجهيز البيت للمشاية. تمان سنين كاملين من الغياب التام لسامح؛ لا مكالمة تليفون، ولا تحويل قرش صاغ، ولا زيارة في عيد، ولا حتى سؤال في يوم ميلادها. ماسألش مرة بنته سخنة؟ عملت العملية؟ بتتوجع؟
وبعدين، حط على مكتب القاضي وصل المخبز القديم المتبهدل بالدقيق.
الوصل اللي سامح كاتب فيه بخط إيده وممضي
 

تم نسخ الرابط