اخويا رمالي بنته

لمحة نيوز

الجزء الأول
خلي بنتى دى عندك يا أميرة.. أنا خلاص مبقتش قادر عليها.
دي كانت آخر كلمة صرخ بيها أخويا سامح في وش بنته، قبل ما يدور عربيته ويختفي وسط المطر والشوارع الغرقانة في شبرا. ساب بنته فرح قدام الصاج الحديد بتاع المخبز بتاعي، كأنها شوال دقيق مالوش عازة ولا حد عايزه.
البنت كان عندها 7 سنين، مصابة بشلل دماغي، وعلى رجليها بطانية قديمة ومتهالكة، وشنطة ضهر بينك متعلقة ورا كرسيها المتحرك. ما كانتش بتبكي.. وده أكتر حاجة قطعت في قلبي. كانت بتبص على عربية أبوها وهي بتبعد، وكأنها لسه عشمّانة إنه في أي لحظة هيندم، ويضرب فرامل، وينزل يجري عليها ويقولها إن كل ده كان كابوس وهيمشي.
بس سامح مارجعش.
أنا كنت لسه طافية طواحين الفرن بتاعي مخبز البركة، في منطقة شعبية بسيطة. كانت إيديا كلها دقيق، وصوابعي متلسعة من الصاجات، وضهري مهدود ومكسور من وقفة الفجر عشان أبيع عيش فينو وقرص وبقسماط من الساعة خمسة الصبح. لما سمعت الرزع على الصاج الحديد، افتكرت زبون من الجيران جاي ياخد عيش شُكك.
فتحت البندة ولقيت أخويا واقف تحت اللمبة الصفرا بتاعة المدخل. وراه عربية دايرة ومستنياه، وقدامه بنته.
مش قادر أكمل قالها ببرود ومن غير نقطة دم ولا خجل إنتي طول عمرك بتحبي تعملي فيها الشيخة والخيرة.. أهو جالك رزقك.
سامح.. دي بنتك!
ضحك ضحكة ناشفة وتريقة
دي مصيبة.. لا بتمشي، ولا بتتكلم زي الناس، وكل حاجة تكسرها وتكلكعها.. دي دمرت لي حياتي.
فرح وطت راسها في الأرض. كانت كبشة في إيديها على قلم رصاص مبري ومقرقض بأسنانها، كبشت عليه جامد لدرجة إن عقل صوابعها ابيضت. أنا حسيت بحاجة بتتكسر جوايا.. مش عشاني، عشانها هي. لأنها فهمت.. طبعا فهمت. العيال بيفهموا

القسوة كويس حتى لو الكبار حاولوا يداروها أو يجمّلوها.
ماينفعش ترميها كده يا سامح!
سامح فتح باب العربية وقال وهو بيمشي
خلاص.. ابقي إنتي أمها.
وساق وعربيتو اختفت.
الليلة دي، فرح فضلت تعيط لحد ما نامت على صدري، وكانت بتتنفض وتترعش كل ما عربية تعدي من الشارع. أنا ماكانش عندي أوضة زيادة ليها، ولا معايا فلوس، ولا عندي خبرة، ولا حتى عارفة إزاي أشيلها من غير ما أوجعها أو أئذيها. كان حيلتي مخبز صغير، وديون، وإيدين تعبانة، وخوف قد الدنيا.
بس كان عندي حاجة عمرها ما كانت عند سامح يقين كامل إن الضنا مابترميش في الشارع لما الدنيا تضيق والعيشة تبقي صعبة.
ومرت السنين، وفرح كبرت وسط ريحة العيش الطالع من الفرن والشاي بلبن. عملت لها طرابيزة صغيرة جمب الفاترينة عشان تفضل جمبي وأنا ببيع للزبائن. في الأول كانت بتشخبط شخبطة معوجة على أكياس العيش الورق. بعد كده الشخبطة دي بدأت تتبدل.. بدأت ترسم ورد، وأسواق شعبية، وكلاب نايمة تحت عربيات الطماطم، وستات لابسة مآزر المطبخ، وعيال شايلة بلالين، وبيوت فيها مشايات مائلة للكراسي، وعائلات ملمومة حولين الطبلية.
كانت بترسم الدنيا وكأنها لسه مصدقة إن كل حاجة مكسورة في العالم ده تستاهل حنية.
لما تمت 15 سنة، زبونة من الزباين صورت الرسومات دي ونزلتها على النت. في أسبوع واحد، آلاف الناس شاركوها. بعدها كلمتنا دار نشر من الإسكندرية.. وبعدها مؤسسة كبيرة.. وبعدين شركة إنترناشونال طلبت تستخدم رسوماتها في كتب مخصصة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
العقد كان ب 4 مليون دولار.
أنا قعدت أعيط وأنا بقرأ الأرقام ومش مصدقة. فرح ماعيطتش.. كل اللي عملته إنها فتحت كشكولها الأزرق وكتبتلي فيه
يا خالتو، دلوقتي هنقدر
نشتري فرن جديد كبير عشان إيديكي ماتتحرقش تاني وأنتِ بتخبزي.
حسيت إن الدنيا أخيراً افتكرتنا وطبطبت علينا وبدأت تخلينا نتنفس.
وفي اللحظة دي.. سامح رجع.
رجع بعد 8 سنين كاملين.. لابس جزمة بتلمع، وقميص مكوي على الشعرة، ومعاه محامية واقفة جمبه.
ماسألش حتى بنته عاملة إيه ولا صحتها إزاي.
بص على البيت، والمشاية اللي عملتها للكرسي، واللوحات المتعلقة على الحيطة، وقال بكل بجاحة
أنا جاي آخد حاجتي.. جاي آخد بنتي.
الجزء الثاني
فرح كانت قاعدة جمب الشباك، بترسم بنت ليها أجنحة من ورق. أول ما سمعت صوت سامح، إيديها وقفت فجأة. ما صرختش.. ما استخبتش.. كل اللي عملته إنها رفعت عينيها وبصت للراجل اللي رماها في ليلة شتا قدام المخبز، كانت بتبص له كأنها بتبص لشخص غريب وِقِف ومصمم يدخل بيت مش بيته بالعافية.
سامح ابتسم ابتسامة صفرا كلها حنية مزيفة وقال
يا بنتي.. يا حبيبتي.. بابا رجعلك.
فرح مسكت القلم الرصاص بتاعها، وكتبت براحة وبتأني في كشكولها الأزرق، وبعدين لفت الكشكول عشان كلنا نقرأ اللي مكتوب
إنت اسمك سامح.
المحامية اللي معاه حمحمت ببرود. كانت ست أنيقة، لابطة بدلة رمادي وشايلة في إيديها شنطة جلد سودا. طلعت ورق من الشنطة وبدأت تتكلم بثقة وكأنها كسبت القضية خلاص
الأستاذ سامح لسه هو الأب البيولوجي والشرعي للقاصر فرح. وبناءً عليه، هو بيطالب باسترداد الولاية القانونية عليها، وحق تمثيلها أمام الجهات، وإدارة كل الدخول والأرباح اللي جاية من أعمالها الفنية ورسوماتها.
أرباح؟! حسيت إن الدم غلي في عروقي ووشي جاب ألوان هو ده كل اللي هامك؟ الفلوس؟! إنت رميتها واتخليت عنها!
سامح حط إيده على صدره ومثّل دور الضحية والوجع بكل بجاحة
أنا كنت عيان وتعبان
يا أميرة. وإنتي استغليتي ظروفي الصعبة ووقتي الضيق عشان تظهري في الصورة وتاخدي بنتي مني. أنا دلوقتي رجعت عشان أصلح كل حاجة وأعوضها.
في جملة واحدة، قدر يقلب تمان سنين من الندالة والرمي في الشارع لقصة تانية خالص، طلع فيها هو المظلوم والضحية!
في نفس اليوم بعد الظهر، محامينا الأستاذ مدحت جه وراجع الورق كله. الأستاذ مدحت ده راجل محترم، وكان واقف جمبنا بقاله سنين وبيخلص لنا كل الأوراق الطبية والمدرسية بتاعة فرح. وهو بيقرأ الورق، ملامح وشه اتغيرت وبقت قلقانة وجادة جداً.
بصيت له وأنا كاتمة نفسي ومستنية رد فعل، فقال لي
أميرة.. إحنا في مشكلة.
مشكلة إيه يا أستاذ مدحت؟
الوصاية الودية اللي كنتِ ماشية بيها طول السنين اللي فاتت دي ما اتقفلتش قانونياً بشكل نهائي زي ما كان المفروض يحصل. كان في ورق ومحاضر فعلاً، بس ما طلعتش بيها رغبة قاطعة وحكم نهائي بسقوط ولايته. وسامح بيلعب على الثغرة دي دلوقتي، وداخل المحكمة في ثوب الأب النادم اللي عايز يرجع بنته لحضنه.
سامح ابتسم بنصر.. كأن البيت بقى بتاعه، وكأن الملايين خلاص دخلت حسابه في البنك، وكأن فرح لسه هي البنت الصغيرة الخايفة اللي سابها على الرصيف.
في اللحظة دي، فرح خبطت بالقلم خبطة واحدة قوية على الطرابيزة. فتحت كشكولها الأزرق على صفحة كانت معلّماها بشريط لزق أصفر، وشاورت بأصبعها على جملة معينة.
الأستاذ مدحت قرب وقرأ الكلام، وفجأة اتسمر في مكانه وما نطقش.
فرح بتقول.. إن قبل ما نتكلم في أي فلوس.. هي عايزة أبوها يمضي على نفس الورقة اللي مضاها الليلة اللي سابها فيها هنا.
سامح رجع خطوة لورا ووشه اتقلب.
من بين صفحات الكشكول، وقع وصل استلام قديم من بتوع المخبز.. ورقته مصفّرة ومتبهدلة
بالدقيق. أنا عرفته أول ما عيني جت عليه. الليلة
 

تم نسخ الرابط