على مدار ٩٠ ليلة

لمحة نيوز


بلهجة آمرة وسريعة سامح، اِقفل المدخل الخلفي ده فوراً. مش عايز حد يدخل ورانا!
طلعنا جري على سلم الطوارئ اللي بيودي لسطح المستشفى. وأنا طالعة، رجلي كانت بتخبط في السلم، والترمس في شنطتي عمال يخبط في جنبي... الترمس اللي كنت فاكراه مجرد حتة صفيح بحافظ بيه على القهوة، طلع جواه سر حياتي وموت أبويا.
أول ما وصلنا السطح، الهواء البارد خبط في وشي، الشبورة كانت لسه مغطية المكان بس بدأت تتكشف مع ضوء الشمس اللي بيطلع. كان فيه عربية جيب سودا كبيرة مستنيانا فوق ال Ramp بتاع العمارة الملحقة، الموتور بتاعها داير وجاهز.
قبل ما نركب، سليم لف ليا ومد إيده فريدة، هاتي الترمس. لازم نأمن الداتا دي الأول قبل ما يوصلوا لها.
طلعت الترمس من الشنطة وإيدي بتترعش، وبصيتله وقلت أنا مش فاهمة حاجة يا سليم... لو بابا كان عارف كل ده، ليه سابني عايشة في كذبة عشر سنين؟ ليه م قاليش؟
سليم خد مني الترمس وبصلي بنظرة فيها شفقة بس حاسمة لأنك لو كنتِ عرفتي، م كنتيش هتعرفي تخبي. خوفك كان هيقرا في عينيكي والشركة دي عندها عيون في كل حتة. النية الصافية والروتين اليومي بتاعك هما اللي حموكي

طول السنين دي. محدش يشك في فني معمل غلبان بيجيب أكل لمشرد.
وفجأة... الباب الحديد بتاع السطح انخبط خبطة قوية لدرجة إنه اِتخلع من مكانه!
ظهر من وراه تلات رجالة لابسّين أسود في أسود، ومعاهم أسلحة مجهزة بكواتم صوت. من غير ولا كلمة، بدؤوا يضربوا نار. واحد من الرجالة اللي مع سليم اِتصاب في كتفه ووقع في الأرض، وسليم شدني ورا ظهر العربية وهو بيطلع مسدسه وبيضرب نار عشان يغطى علينا.
الصوت كان مكتوم بس مرعب، شرار الرصاص كان بيخبط في جسم العربية الحديد.
اركبي ونامي في الأرض ورا! سليم زعق وهو بيزقني جوه الكنبة الورانية بتاعة العربية الجيب.
الستيرنج الدريكسيون كان مع واحد من رجالة سليم، داس بنزين بأقصى سرعة، العربية طلعت تجري وتكسر الحاجز الحديدي بتاع السطح وتنزل على المنحدر بسرعة جنونية، وأنا كاتمة صرختي وباصة على سليم اللي كان لسه بيبص وراه من الإزاز المكسور.
بصلي وقال وهو بينهج إحنا خارجين بره القاهرة خالص دلوقتي. بس لازم تعرفي يا فريدة... اللعبة يادوب بدأت. هما مش هيسيبونا، والداتا اللي في الترمس ده... محتاجة كود مشفر عشان تفتح، والكود ده مش معايا... الكود
ده في حاجة تانية أبوكي سابهالك. افتكري كويس... أبوكي سابلك إيه تاني ؟
سليم شاور بإيده على صندوق الزبالة اللي أنا كنت رميت فيه شنطة العشا بتاعته ليلة إمبارح. مد إيده وجاب الترمس اللي كنت بديهوله كل ليلة. وبحركة سريعة، فك القاع المزدوج بتاع الترمس من تحت... وطلّع منه فلاشة فضية صغيرة مشفرة Encrypted Drive.
سليم بصلي وابتسم ابتسامة صغيرة فيها حزن وقال إنتي مكنتيش تعرفي يا فريدة. والدك الله يرحمه خبى الفلاشة دي جوه كراكيب وحاجات طفولتك. ولما عزلتِ ورحتِ شقتك الجديدة، بدأتي تستخدمي الترمس القديم ده بحسن نية. أنا مكنتش قاعد في الممر ده بقالي تسعين يوم عشان جعان... أنا كنت قاعد هنا عشان أضمن إن مجموعات التصفية دي ميوصلولكيش قبل ما أقدر أأمن مفاتيح فك التشفير.
حسيت بمرارة وكسرة في نفسي وقلتله وصوتي مخنوق يعني... يعني كل ده كان كدب؟ القهوة، والسندوتشات، والوجع اللي شوفته في عينيك... كل ده كان مجرد شغل وبقبض تمنه؟
سليم نزل عينه وبص للفلاشة الفضية اللي في إيده، وبعدين رجع بص في عيني وقال بنبرة صادقة جداً المهمة بتاعتي انتهت من أسبوع يا فريدة. كان معايا أدلة
كافية تدمرهم وتهد الشركة كلها، وكان ممكن أمشي وأسيب المكان. بس أنا فضلت قاعد السبع أيام الأخيرة دول لأني عرفت إن لو مشيت، إنتي هتروحي بيتك وتقعي في الفخ وتموتي. أنا قعدت الأسبوع الأخير ده عشان ساندوتشات الفراخ اللي كنتي بتجيبهالي يا فريدة... وعشان إنتي البني آدمة الوحيدة من عشر سنين اللي بصت في وشي وشافتني إنسان، مش مجرد خيال أو شبح مالوش قيمة.
طلع من جيبه باسبور جديد ومجموعة مفاتيح، ومد إيده بيهم ليا وقال الفلاشة دلوقتي بقت في إيد الجهات الرقابية والأمنية، وشركة Aethelgard للأدوية بيتقبض على أصحابها وبتتقفل في اللحظة اللي بكلمك فيها دي. إنتي دلوقتي بقيتي ست غنية جداً بورث والدك وتعويضاتك... بس الأهم من الفلوس، إنك بقيتي حرة.
وإحنا راكبين العربيات السودا الكبيرة وبنحرك بره الممر، بصيت ورايا على المكان الفاضي اللي كان بيقعد فيه. أنا مأسيتش البنت المختفية اللي شغال فني معمل ملهاش صوت في المستشفى، وسليم مابقاش الراجل المشرد اللي لابس جاكيت مقطع... إحنا الاتنين بنبدأ صفحة جديدة تماماً.
ولأول مرة في حياتي كلها... حسيت إن الهوا نِقي، وصافي، وقادرة أتنفسه
بجد.

 

تم نسخ الرابط