روحت ازور بنتي
دخل راجل في الخمسينات، لابس بدلة شيك، ومعاه اتنين من أفراد الأمن، ووراهم محضر تنفيذ.
أول ما شافني قال باحترام: "مساء الخير يا مدام ليلى... كل الأوراق جاهزة."
كريم اتوتر.
"إيه ده؟!"
المحامي بص له وقال: "حضرتك الأستاذ كريم؟"
"أيوه."
فتح الملف وقال: "أحب أعرف حضرتك إن الفيلا دي مسجلة باسم شركة النور للاستثمار العقاري... وصاحبة الشركة هي مدام ليلى."
كريم ضحك.
"شركة إيه؟ الفيلا دي كتبها عمي باسم مراتي."
المحامي هز رأسه.
"لا يا فندم... اللي اتكتب باسم داليا هو حق انتفاع بعد الزواج فقط... وده مش بيدي أي حق للبيع أو التصرف أو منع المالكة الأصلية من دخول بيتها."
الحاجة سعاد قامت مرة واحدة.
"إحنا مش فاهمين حاجة."
طلعت نسخة من العقد من شنطتي.
"فاكرة يا داليا لما قلتلك بعد الجواز: الورق ده احتفظي بيه وما تفتحيهوش إلا لو احتجتيه؟"
داليا هزت رأسها وهي دموعها بتنزل.
"افتكر."
قلت: "أنا يوم فرحك ما جبتلكيش شبكة زيادة ولا عربية أحدث... أنا اشتريتلك أمان."
بصيت لكريم.
"البيت ده اتعمل
وش كريم بدأ يصفر.
"أنا... أنا مراتى..."
قاطعته.
"مراتك؟"
ورفعت صورة كانت معايا.
صورة لداليا يوم استلام الفيلا.
"دي كانت أول مرة تدخل البيت."
وبعدين طلعت صورة تانية.
داليا وإيديها مليانة دهانات وهي بتختار ألوان الأوض.
قلت: "هي اللي اختارت كل ركن هنا."
الحاجة سعاد بدأت تتكلم بعصبية.
"هو يعني علشان غسلت كام طبق..."
لفيت ناحيتها بسرعة.
"كام طبق؟"
وبصيت على إيد بنتي.
"الكدمات دي كام طبق عملهم؟"
ما ردتش.
قلت لداليا بهدوء: "ارفعي الكم."
داليا سكتت.
لكن رفعت الكم.
الصالة كلها اتجمدت.
زرقان قديم...
وجرح لسه جديد.
المحامي بص للكدمات وقال: "هل حضرتك حابة نثبت ده في المحضر؟"
داليا كانت لسه خايفة.
بصت لكريم.
كريم قرب منها وقال بنبرة متوترة: "قولي لهم وقعتي."
قبل ما تنطق...
قلت لها: "بصيلي يا بنتي."
بصت في عيني.
"أول مرة وقعتي فيها... صدقتك. تاني مرة... قلتي خبطيتي في الباب. تالت مرة... قلتي الحنفية وقعت. لكن النهارده
وسكت شوية.
"كفاية."
داليا انفجرت في العياط.
جريت حضنتني.
"سامحيني يا ماما... كنت فاكرة هيتغير."
حضنتها جامد.
"الغلط مش إن الإنسان يثق... الغلط إنه يكمل بعد ما الحقيقة تبقى واضحة."
كريم بدأ يفقد أعصابه.
"هي مش هتمشي."
المحامي قال بمنتهى الهدوء: "هي هتمشي بإرادتها."
أحد أفراد الأمن وقف قدامه.
"وحضرتك هتفضل بعيد."
الحاجة سعاد صرخت: "إحنا هنروح فين؟"
قلت: "زي ما كنتوا بتقولوا لبنتي كل يوم... الدنيا واسعة."
لكنني سكت لحظة ثم أكملت:
"أنا مش هطردكم في الشارع الليلة. هتاخدوا أسبوع ترتبوا أموركم، لأن أخلاقي مش هتخليني أعمل فيكم اللي عملتوه في بنتي. لكن من النهارده، داليا مش هتعيش تحت سقف فيه ذل."
كريم اتغير صوته.
"يا طنط... والله سوء تفاهم."
ابتسمت لأول مرة.
"من شوية كنتِ بالنسبة لك (حضرتك داخلة شقتي)... دلوقتي بقيت طنط؟"
نزل رأسه.
قلت للمحامي: "قدّم البلاغ."
رد: "تم."
وفجأة...
رن موبايل كريم.
كان مديره في الشغل.
رد بسرعة.
ثواني...
ولون وشه اختفى.
"إيه؟..
المدير كان وصله فيديو من كاميرات الفيلا الداخلية، اللي كانت راكبة من يوم التشطيب لحماية البيت. الفيديو أظهر طريقة معاملته لداليا، ودفعه لها، وإهانته المستمرة.
قفل المكالمة وهو بيرتعش.
بصلي.
"حضرتك دمرتي حياتي."
قلت بهدوء:
"لا...
اللي دمر حياتك هو إنك افتكرت إن القوة معناها تهين اللي أضعف منك."
خرجت أنا وداليا.
وقبل ما نركب العربية...
قالتلي وهي ماسكة إيدي:
"أنا آسفة يا ماما... كنت فاكرة إن الصبر هيصلح كل حاجة."
ابتسمت ومسحت دموعها.
"الصبر جميل... بس الصبر على الظلم عمره ما كان فضيلة."
بعد ستة شهور...
كانت داليا رجعت لشغلها اللي كانت بتحبه.
ابتدت علاج نفسي.
ورجعت تضحك بنفس الضحكة اللي افتقدتها سنين.
أما كريم...
خسر بيته، وشغله، وزواجه، والأهم... خسر احترام نفسه قبل احترام الناس.
وفي يوم، قابلني قدام المحكمة.
قال بصوت مكسور:
"لو يرجع بيا الزمن... كنت هعاملها على إنها نعمة."
بصيت له وقلت:
"النعمة لما ما تعرفش قيمتها وهي بين إيديك... غالبًا
ومشيت.
وساعتها حسيت إن بنتي ما كسبتش بيتًا...
هي كسبت نفسها من جديد.
تمت.