بعد ٨ سنين
هنا.
سكتت.
أبويا أخد نفس طويل لأول مرة صوته طلع ضعيف
ليه ما قولتيش؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها وجع سنين
لأنكم عمركم ما سألتوا.
الكلمة نزلت عليهم زي الحقيقة اللي محدش كان عايز يسمعها.
بصيت لكريم
كان واقف مكانه بس مش نفس الشخص.
كل الغرور اللي كان في عينه اختفى.
قال بصوت مبحوح
إنتي كنتي فين كل ده؟
رديت بهدوء
في نفس المكان اللي إنت بدأت فيه بس قبل منك بسنين.
القائد أخد خطوة لقدّام، وقال
الضابطة إيمان كانت جزء من عمليات حساسة نجاحها ساهم في إن ناس كتير، من ضمنهم المتدربين هنا، يوصلوا للي هم فيه النهارده.
الصمت بقى احترام.
مش صدمة بس.
لا
تقدير.
كملت وأنا ببص لهم
أنا ما كنتش محتاجة اعتراف منكم ولا تصفيق.
بصيت لأمي
كنت محتاجة بس إنكم تشوفوني.
دموعها نزلت لأول مرة بس ما ردتش.
بصيت لأبويا
وإنكم تبطلوا تحكموا من غير ما تفهموا.
نزل بعينه الأرض.
وبعدين كريم
قرب خطوة
وقال بصوت هادي
أنا كنت غلطان.
الكلمة كانت بسيطة
بس حقيقية.
ابتسمت له ابتسامة خفيفة
عارفة.
القائد مد إيده ياخد الميكروفون، لكن قبل ما أديهوله
قلت آخر جملة
مش كل الأبطال بيقفوا على منصات بعضهم بيقعدوا في الصفوف الخلفية لحد ما ييجي الوقت.
رجعت مكاني
بس المرة دي
مش كحد غريب.
الحفل انتهى
والناس بقت تبصلي بنظرة مختلفة.
مش فضول
احترام.
وأنا ماشية
أمي نادتني بصوت واطي
إيمان
وقفت.
لفّيت لها.
كانت بتحاول تقول حاجة أي حاجة.
لكن الكلمات خانتها.
بصيت لها لحظة
وبعدين قلت بهدوء
ممكن نبدأ من جديد لو إنتوا جاهزين.
وسبتهم ورايا
بس المرة دي
مش لأنهم رفضوني.
لكن لأنهم أخيرًا فهموا أنا مين.
تمت حكايات محمد عبده
سمعت صوت شريف وهو بيصرخ ورايا بنبرة متوسلة لأول مرة في حياتي مريم! استني! متامشيش كدة.. دول ولادي!
ما لفتش. كملت طريقي بخطوات سريعة وواثقة برة
شريف جِري ورايا برة البيت، ووشه غرقان عرق ودموع، ومراته الجديدة كانت واقفة عند الباب بتبص عليه باحتقار وصدمة، وأمه الحاجة فاطمة ساندة على البوابة وبتعيط بحرقة.
وقف شريف على بعد خطوات من الطيارة، ومكنش قادر يقرب من الهوا الشديد اللي طالع من المراوح، وزعق بأعلى صوته عشان أسمعه وسط الضجة عايز أقعد معاهم! عايز أعرفهم! مريم.. اديني فرصة واحدة!
بصيت له النظرة الأخيرة وأنا بركب ولادي الأربعة واحد ورا التاني في الطيارة، ولما اتأكدت إنهم كلهم قعدوا وأحزمة الأمان اتربطت، لفيت له ووقفت عند باب الهليكوبتر. بصيت له من فوق، من المكان اللي هو عمره ما هيطوله، وشاورت له بإيدي بابتسامة نصر باردة، وقلت له بصوت قوي قرا المروحة الفرصة دي ماتت من تمن سنين يا شريف.. يوم ما اخترت تسيبنا في البرد.
قَفلت باب الطيارة الحديدي في وشه بقوة، والصوت اتقطع تماماً. الطيارة بدأت تترفع ببطء فوق فيلا الشيخ زايد، وبصيت من الشباك الصغير. شريف كان واقِع على ركبه في نص النجيل الأخضر، حاطط راسه بين إيديه وبيعيط، وفيلا عيلته كلها بتبص عليه من بعيد وكأنه جثة هامدة.
الطيارة بدأت تتحرك وتعلى في سما القاهرة الواسعة، ويوسف مسك إيدي وبصلي وهو مبتسم وقال ماما، إحنا رايحين فين دلوقتي؟
بصيت لولادي الأربعة، لضحكتهم، لعيونهم اللي بتلمع بأمل وبكرة، وحسيت لأول مرة إن الحمل التقيل اللي كان على كتفي اترمى بالكامل في جنينة الفيلا دي. أخدتهم كله وابتسمت وأنا ببص على السحاب الصافي وقلت رايحين نعيش حياتنا يا حبيبي.. الحكاية القديمة قفلناها
وفجأة، شاشة الموبايل في إيدي نورت.
كانت رسالة تانية من شريف، مبعوتة والرعشة باينة في حروفها مريم، أرجوكي ردي عليا، أنا بتموت، الولاد دول مش هيتحركوا من هنا، أنا هرفع قضايا وهثبت نسبي ليهم، مش هسيبك تاخديهم مني تاني!
بصيت للرسالة، وحسيت بنوبة ضحك حقيقية بتطلع من قلبي. الراجل اللي كان فاكر إنه هيذلني، دلوقتي بيستنجد بالقانون اللي هو نفسه هرب منه تمن سنين. فتحت شنطتي، وطلعت منها ملف ورق صغير كنت مجهزاه معايا من أول ما ركبت الطيارة.
بصيت لداليا مساعدتي اللي كانت قاعدة في الكرسي اللي قدامي وسألتها المحامي جهز كل حاجة؟
داليا ابتسمت بثقة وهزت راسها كله تمام يا فندم، محضر إثبات الحالة، وقضية النفقة المتجمدة بتاعة تمن سنين، وبلاغ التخلي عن أطفال في حالة خطر.. كله اتقدم للنيابة من نص ساعة بالظبط، وأمر الضبط والإحضار في السكة لبيت والدته دلوقتي.
لفيت وشي للشباك، وكتبت له الرد الأخير والنهائي أنا اللي رفعت القضايا يا شريف، تمن سنين هروب وإنكار ثمنهم غالي أوي، البوليس زمانه على وصول عندك، ومحامين شركتي هيعلموك يعني إيه قانون.. اشبع بعزومة العيد.
عملت بلوك للرقم، وشيلت الشريحة كلها من الموبايل ورميتها في أرضية الطيارة.
التفتت لولادي الأربعة اللي كانوا مشغولين بيتفرجوا على النيل من فوق وبيضحكوا، كريم ونور بيشاوروا على المراكب، ويوسف وملك بيمسحوا على إيدي بحنان. في اللحظة دي، الطيارة بدأت تنزل تدريجي عشان تهبط فوق ال Helipad بتاع برج شركتي في وسط البلد.
الباب اتفتح، والهوا استقبلنا بريحة نجاح وفلوس وقوة أنا اللي صنعتها بنفسي. نزلت ونزلتهم معايا، وأنا شايفة
وقبل ما ندخل لمكتبنا الكبير، يوسف وقف فجأة، مسك فستاني وبصلي بعينيه الذكية وقال ماما.. هو الراجل ده مش هيضايقنا تاني صح؟
نزلت لمستواه، حطيت إيدي على وشه، وبصيت في عينيه وعيون إخواته اللي اتجمعوا حوالينا، وقلت بنبرة حاسمة هزت السطح كله الراجل ده انتهى يا يوسف، والنهاردة إحنا مش بس خدنا حقنا.. إحنا دفنا الماضي بتاعه تحت رجلينا وللأبد دخلنا صالة المكتب الكبيرة، والهدوء والوقار اللي في المكان كان بيعكس حجم الإمبراطورية اللي بنيتها من الصفر. الموظفين كانوا بيبصوا للولاد بإعجاب وفخر، وداليا دخلت ورايا وهي ماسكة التابلت وبتقرأ التحديثات اللي بتوصلها أول بأول.
مريم هانم، المحامي بيكلمني حالا... داليا قالتها وصوتها فيه نبرة انتصار مكتومة. الشرطة وصلت فيلا الشيخ زايد. شريف حاول يعمل مشكلة ويقول إن الأطفال ولاده وإنك خطفتيهم، بس المحامي قدم ورق إنكار النسب القديم اللي هو مضى عليه بإيده من تمن سنين، وقدم البلاغ الجديد.. شريف دلوقتي في البوكس ورايح على القسم.
الولاد مكانوش مركزين مع كلامنا، كانوا بيجروا فرحانين في الصالة الواسعة، بيلعبوا بلعب العيد الجديدة اللي كنت مجهزاها ليهم في المكتب. بصيت عليهم وحسيت بنشوة نصر عمري ما دوقتها في حياتي. تمن سنين من التعب، السهر، الدموع المكتومة، الخوف من بكرة، والوجع.. كل ده اتمحى في ثواني.
فجأة، تليفون المكتب الأرضي رن. داليا ردت، ووشها اتغير، بصتلي وقالت دي الحاجة فاطمة.. بتبكي وبتستنجد بيكي، عايزة تكلّمك.
أخدت السماعة منها ببرود شديد، وحطيتها على ودني. صوت الحاجة فاطمة كان جاي متقطع ومنهار وسط البكاء بوس إيدك يا مريم.. يرضيكي ابننا يقضي ليلة العيد في الحجز؟ شريف هيموت جوة، مراته الجديدة سابته