وصلت البيت اللي ورثته عن أمي
عاوزاها.
لأول مرة، شفت في عين مارك إنه بدأ يفهم إن مش هينفع يضغط عليا، وإن اللي كان بيخطط له مش هينجح أبدًا. بص لأهله، ولما شاف نظراتهم المستنية، تنهد بثقل وقال بصوت تعبان
خلاص يا جماعة، فاليري عندها حق من الناحية القانونية، والبيت بتاعها فعلاً، ومش ينفع نعمل حاجة من غير رضاها. يلا نرجع البيت، ونفكر في الموضوع بعدين.
حماتي حاولت تعترض
يعني إيه يا مارك؟ هنرجع ونسيب البيت ده كلو ليها؟
قالها بحدة لم أشوفها منه من قبل
قلت كفاية يا ماما! احنا كنا غلطانين، ومش ينفع نكمل كده. يلا بينا.
بدأت تجمع أغراضها پغضب، وميجان نزلت ابنها من فوق الكنبة، وسحبت إيده وهو بيعيط عشان عاوز يلعب، وريتشارد ومراته سارعوا وراهم، وكل واحد كان بيطلع نظرة غاضبة أو محرجة لي، ولا حد قال لي كلمة ولا سلام.
لما مشوا، وفضلت أنا ومارك وحيدين في البيت الكبير، ساد صمت طويل، كنا نسمع فيه صوت العربيات بتاعتهم بتتحرك وتغيب في الشارع، وبعدها صوت العصافير في الجنينة الخلفية.
كنت واقفة مكاني، ماسكة الملف بقوة، وقلبي كان بيدق بسرعة، مش عارفة أنا فرحانة إني حافظت على حقي، ولا حزينة عشان الحالة اللي وصلنا ليها أنا ومارك.
مارك جلس على أول سلم، ودفع راسه بين كفيه، وقال بصوت ضعيف
أنا آسف يا فاليري. كنت غلطان، وكنت أناني، وكنت فاكر إنك هتتقبلي الأمر عشان خاطري، وعشان خاطر أهلي. ما كنتش أتخيل إن
قربت منه شوية، بس ما قعدتش جنبه، وقلت بصوت هادي
المشكلة مش إنك عاوز أهلك يعيشوا معانا، المشكلة إنك ما سألتنيش، وإنك شفت البيت بتاعي كأنه ميراث ليك، وإنك تعاملت معايا كأني مش موجودة، كأني مجرد صاحبة المفاتيح اللي هتفتح لكم الباب وبس. أمي حذرتني من كده، قالت لي الناس لما تشوف عندك حاجة، بتنسى كل الحب والعلاقات، وبتشوف بس الحاجة اللي عاوزين تاخدها. وصدقت كلامها.
رفع راسه وبص لي، وعيناه كانت مليانة دموع
أنا ما كنتش أكرهك ولا أستغلك يا فاليري. بس أهلي همّوني، قالولي إن البيت كبير ومش هتعرفي تخدميه لوحدك، وإن وجودهم هيساعدك، وإنك هتتضايقي لو قلتلك عشان كده خبيت عليك لحد ما نجهز كل حاجة. كان لازم أكون أذكى من كده، وأفهم إن ده حاجة تخصك أنتِ أول وأخيرًا.
سكت شوية، ثم أكمل
أنا مستعد أتعوض عن غلطي. كل حاجة في البيت هنختارها سوا، الأوض اللي هنقعد فيها، واللي هنحط فيها الأثاث، ومش هدخل أي حد من أهلي إلا لو أنتِ وافقتِ، ومش هضغط عليكِ أبدًا. وعد مني، من النهاردة كل قرار في البيت ده هناخده سوا، زي ما المفروض يكون بين الزوجين.
بصيت له طويلًا، كنت عاوزة أصدقه، بس الچرح كان لسه جديد،
أنا مش عارفة أصدقك دلوقتي يا مارك. الغلط اللي عملته كبير، واثق فيك اتهز كتير. ممكن نبدأ من جديد، بس ببطء، وعليك تثبت لي إنك تستاهل
هز راسه بسرعة
حاضر، كل اللي عاوزاه هفعله. سأتصل بهم
النهاردة وأقولهم كل حاجة، ولن أسمح لهم بالتدخل في شئوننا ولا في البيت ده أبدًا.
بعدها بدأنا نرتب البيت مع بعض، شلنا البلاستيك من الأثاث اللي أمي اشترته بذوقها اللي عرفته، واخترنا مع بعض الألوان للستائر والدهانات اللي كانت محتاجة تتغير، وزرعنا مع بعض ورود في الجنينة الخلفية زي ما كانت بتحب أمي.
مرت الأيام، واتضح إن مارك كان صادق في كلامه، تكلّم مع أهله ووضح لهم كل حاجة، وابتدوا يفهموا غلطهم بالتدريج، خصوصًا لما شافوا إننا فعلًا هنعيش سوا براحتنا، وإننا كنا نزورهم باستمرار، وندعوهم للزيارة في البيت من وقت للتاني، فشعروا إنهم مش منبوذين، بس مش لهم حق في الملكية. حماتي لما جت أول زيارة، قعدت معايا في المطبخ، وقالت لي بصوت خجول
سامحيني يا فاليري، كنت طماعة، ونسيت إن البيت ده تعب أمك، وإنك من حقك تفرحي بيه زي ما عاوزة. والله ما كنتش عاوزة أضايقك، ولا أتخانق معاكِ.
سامحتها، لأن المسامحة
يا بنتي، الحق أحق أن يتبع، ولا تخافي من أحد لو كنتِ على حق، واعرفي إن الكرامة أغلى من كل بيت وكل فلوس، ولو خيروك بين الكرامة والدنيا كلها، اختاري كرامتك، لأنها اللي بتبقى معاكِ لآخر العمر. وأنا واثقة إنك هتكوني قوية كفاية تحققي نفسك، وتعيشي حياة سعيدة.
دموعي نزلت وأنا بقرأ الكلام، وحسيت إنها معايا في كل لحظة، وإنها فرحانة لما شافتني واقفة قدام البيت اللي تعبت عشان يبقى لي،
وحافظت عليه وحافظت على كرامتي معاه.
والبيت ده، اللي كان هيتحول لساحة ڼزاع وسړقة، بقي بيت دفء وسعادة، كل ركن فيه بيحكي قصة تعب أمي وقوتي، وكل يوم بيمر فيه بزيد حبي له، وللأيام اللي جاية مع مارك، اللي تعلم من الغلط، وبقى شريك حقيقي لي، يقف جنبي في كل موقف، ولا يفكر أبدًا في أي حاجة تانية غير سعادتنا مع بعض.
وعرفت في النهاية إن أجمل ما في الميراث مش البيت ولا الفلوس، هو القوة والشجاعة اللي ورثتها من أمي، واللي خلتني أقدر أقف في وجه كل واحد حاول ياخد حقي، وأقول له بكل ثقة ده حقي، ولا أحد