أب أرمل
مسموعين بوضوح.
عفواً.. يا فندم.. بدأت صافي تتأتأ، إحنا.. إحنا ما كناش نعرف.. يعني.. السيستم.. كان فيه عطل تقني.. إحنا نعتذر جداً عن سوء التفاهم ده..
عاصم بص لها، وابتسامة باهتة ومؤلمة اترسمت على وشه. سوء التفاهم، يا آنسة صافي، مش في السيستم. السيستم دايماً بيقول الحقيقة لو دورتي في المكان الصح. سوء التفاهم الحقيقي هو في الطريقة اللي اخترتي بيها تتعاملي مع ضيف واقف قدامك، سواء كان مالك الفندق أو أب بسيط بيدور على مكان يريح فيه بنته. الكرسي اللي أنتي قاعدة عليه ده اتصمم عشان يخدم الضيوف، مش عشان يقيّم قيمتهم من هدومهم.
في
اللحظة دي، وصلت عفاف بخطوات سريعة ومعاها مدير المناوبة اللي كان بيجري وراها وهو بيعدل كرافتته بارتباك، بعد ما عرفت عفاف الحقيقة من نظرة عيون صافي المذعورة وهمست له بكلمتين. مدير الفندق وصل وهو بينهج، وبص لعاصم بذهول قبل ما ينحني باحترام باشمهندس عاصم! أهلاً بك يا فندم.. إحنا.. إحنا نتشرف بوجود حضرتك.. مش عارف أقول إيه على اللي حصل..
عاصم قاطعه بإشارة
بص لعفاف اللي كانت واقفة بعيد بكسوف، وكمل عفاف هي الوحيدة اللي شافت إنسان قبل ما تشوف زبون. وده اللي أنا محتاجه في كل موظف بيشتغل في جراند ريجنت.
طلع عاصم في الأسانسير الزجاجي، وعفاف معاه. طول الطريق، ما كانش فيه أي كلام، بس كان فيه نظرات تقدير متبادلة. لما وصلوا للجناح 904،
جناح رئاسي بيطل على النيل، حط عاصم بنته بالراحة على السرير الضخم، وغطاها ببطانية ناعمة. قعد جنبها، وطلع الأرنوب القماش اللي كان في شنطته وحطه في حضنها، وباس جبينها.
خرج للصالة الكبيرة، لقى عفاف لسه واقفة مستنية بتهذيب. عفاف، أنا مش بس شاكر ليكي موقفك، أنا عايز أعرف أكتر عن شغلك هنا.
فضلت عفاف تتكلم عن طموحها، وعن إنها بتشتغل عشان تكمل تعليمها، وعن تعبها في الفندق اللي بيتعاملوا فيه مع عمال النظافة
في الوقت ده، كان تحت في اللوبي، المشهد كان كارثي. المدير سمير استدعى صافي ونادية للمكتب. إنتوا مش بس أهنتوا ضيف، إنتوا أهنتوا مالك المكان. عارفين يعني إيه عاصم عز الدين؟ الراجل اللي كان بيشرف بنفسه على اختيار خامات المفروشات دي! الراجل اللي بيعرف كل موظف باسمه لو اهتم يسأل! طردكم مش كفاية، أنا هعمل اللي في وسعي عشان ما تلاقوش شغل في فندق تاني في مصر كلها!
تاني يوم الصبح، ليلى صحيت وهي بتفرك عينيها، شافت باباها واقف في بلكونة الجناح، بيبص على النيل، والورد اللي كان دبلان كان محطوط في فازة كريستال، مرشوش عليه مية طازجة، وشكله رجع ينور تاني.
بابا؟ نادت ليلى بصوت واطي.
لف عاصم وابتسم، ابتسامة حقيقية المرة دي، خالية من ۏجع السنين اللي فاتت. صباح الخير يا ليلى. النهاردة يوم جديد خالص.
عاصم ما اكتفاش بطرد الموظفين، ده أصدر قرار
وإنسانية مع الضيوف، بغض النظر عن رتبتهم. وعفاف؟ عفاف بقت مديرة قسم العلاقات العامة، لأنها أثبتت إن اللي بيعرف يتعامل بقلبه هو الوحيد اللي يقدر يدير قلوب الناس.
عاصم عز الدين، الأرمل اللي كان داخل الفندق بقلب مكسور وشنطة قديمة، خرج منه وهو أقوى. اكتشف إن جراند ريجنت مش بس حجارة ورخام، ده بيت المفروض يلم الناس، مش يطردهم.
ومع كل سنة بتمر، في ذكرى ۏفاة سارة، كان عاصم بيحجز نفس الجناح، وبياخد ليلى، وبياخد عفاف معاهم في العشا، ويحكوا لليلى عن مامتها، وعن اليوم اللي اتعلموا فيه إن الكرامة مش في الفلوس اللي في جيبك، ولا في اللبس اللي لابسه، الكرامة في الطريقة اللي بتشوف بيها الناس، والطريقة اللي بتخلي بيها غيرك يحس بوجوده.
نهاية القصة ما كانتش بس برجوع حق عاصم، كانت بداية لروح جديدة دبت في الفندق، روح بتفكر كل اللي بيدخله إنت هنا غالي.. مش عشان اللي تملكه،