انا حامل منك
إلى قريتنا كفر النور، لكنني لم أعد الشخص الذي غادرها. أصبحتُ أقضي أيامي جالساً أمام ترعة القرية الصغيرة، أراقب انعكاس وجهي في الماء، باحثاً عن أي أثر لما حدث، وأي تفسير لهذا الكابوس.
الفصل الثاني لغز الجد الراحل
بعد أسبوع من الواقعة، دخلتُ خزينة جدي القديمة في غرفته المهجورة. جدي كان رجلاً غامضاً، يُقال إنه كان بحاراً في شبابه، لكنه لم يلمس بحراً قط في حياته في قريتنا الزراعية. وجدتُ صندوقاً خشبياً قديماً، وبداخله خريطة غريبة ل كفر الغرقان يعود تاريخها لأكثر من مائة عام، ومكتوب بخط يد جدي الماءُ ذاكرة لا تنسى، ومن يفتح باباً في عمق البحيرة، عليه أن يقبل بمدينته.
لم تكن عروسة بحر كما تخيلتُها في أفلام الكرتون، بل كانت كياناً قديماً، حارساً من حراس المياه التي كانت تغطي هذه الأرض قديماً قبل أن تتحول إلى قرى. اكتشفتُ أن عائلتي دون أن أعلم كانت مرتبطة بعهد قديم؛ عهدٌ يربط بين دماء أبناء
الفصل الثالث النداء الأخير
في ليلة مقمرة، وجدتُ مياهاً مالحة تتدفق من تحت باب غرفتي في البيت، رغم أننا في قلب الصيف والحر شديد. لم يكن ماءً عادياً، كان متوهجاً بضوء أزرق خافت. سمعتُ صوتها، لم يكن زئيراً هذه المرة، بل كان أشبه بهمس أمواج هادئة
مصطفى.. الوقت يداهمنا. ابنك يحتاج إلى أن يرى الضوء، والماء لا يعطي حياة إلا لمن يقبل بعهده.
لم أعد خائفاً، بل شعرتُ بانجذاب غريب. مشيتُ خلف ذلك الضوء الذي قادني لا إرادياً مرة أخرى إلى بحيرة الغموض. هذه المرة، لم يكن هناك رعب، كان هناك شعور بالانتماء. وصلتُ إلى حافة البحيرة، ووجدتُها تنتظر، كانت جالسة على صخرة كبيرة، وجهها يفيض بالهدوء، وبطنها الذي كان بادياً عليه الحمل يوحي بحياةٍ جديدة، حياة ليست بشرية تماماً وليست مائية تماماً.
قالت بصوت رقيق أنت لا تغادر عالمك، أنت تكتشف حقيقته. العهد الذي قطعه جدك لم يكن خيانة لأهلك، بل
الفصل الرابع التضحية والعهد
لم يكن المطلوب مني أن أترك حياتي وأعيش كسمكة، بل كان المطلوب هو القبول. وضعتُ يدي على مياه البحيرة، وفجأة، شعرتُ بطاقة باردة تسري في عروقي. رأيتُ في لحظات آلاف السنين من تاريخ هذه الأرض، كيف كانت البحيرة هي القلب الذي يضخ الحياة في الغيط، وكيف أن عائلتي كانت حارسة لهذا السر.
لم تكن تحمل طفلاً بالمعنى البيولوجي، بل كانت تحمل بذرة من جوهر الطبيعة، وكان دوري هو أن أكون الوعاء البشري الذي يمنح هذه البذرة روحاً وأرضاً لتنمو فيها. لم تكن خيانة للبشرية، بل كانت أسمى أشكال الشراكة مع الكون.
الفصل الخامس الحياة الجديدة
مرت الشهور، وعروسة البحر لم تعد تظهر في البحيرة. بدلاً من ذلك، بدأتُ أشعر بحضورها في كل قطرة مطر، وفي كل مرة تفيض فيها الترعة لتسقي أرضنا. أصبحتُ مزارعاً من نوع خاص،
وفي إحدى الليالي، بينما كنتُ أجلس بجانب البحيرة، وجدتُ طفلاً صغيراً بملامح بشرية عادية، لكن عينيه بلون المحيط، يجلس على الضفة ويمسك بيدي. لم يقل شيئاً، لكنه ابتسم لي، وفهمتُ حينها أن العهد قد تم، وأن ابني هو حامي البحيرة، وأنا حامي الأرض، وأن القصص التي تبدو مرعبة في بدايتها، قد تكون في نهايتها أعظم معجزات الحياة التي نغفل عنها.
رحلت الكائنة المائية، لكنها تركت لي أعظم هبة، وأصبحت حياتي مرتبطة بالأرض والماء، في توازن أبدي لا يقطعه إلا الإخلاص للسر الذي حملتُه في قلبي، بعيداً عن صخب الناس وجهلهم، في سلامٍ أزلي يشبه هدوء البحيرة وقت الغروب.
وهكذا، أدركتُ أن الحكاية لم تكن عن نداهة أو خوف، بل كانت عن الأمانة التي كُلفتُ بها، وعن الابن الذي لم يولد من رحم، بل وُلد من عهدٍ قديم، ليبقى شاهداً على أن عالمنا أوسع بكثير مما تراه عيوننا