بعد دفن أمي ب ٦ شهور

لمحة نيوز


مدار الست شهور اللي فاتوا.
فتحت الدوسيه.
طلعت منه تلات أظرف.
وحطيتهم على الترابيزة قدامهم.
إلهام سألت بفضول إيه ده؟
رديت المفاجأة بتاعتي.
زقيت أول ظرف ناحية مصطفى وقلتله افتحه.
فتحه وهو متقيد ومضايق، كان فاكر إنه هيلاقي كشف حساب من البنك.
لكن أول ما بدأ يقرا السطور، وشه اتقلب تماماً.
حواجبة عقدت وعينه برقت.
قرا الكلام تاني.
وبعدين رفع عينه وبصلي إيه ده يا إيمان؟
قلتله ده عقد اتفاق ما قبل الجواز بتاعنا.
إلهام طلعت منها ضحكة باستهزاء وده إيه علاقته باللي إحنا بنقوله وبفلوسنا؟
رديت بثقة علاقته كبيرة قوي.
مسكت نسخة تانية من الورق وكملت إحنا مَضينا العقد ده قبل جوازنا بثلاث أسابيع.
مصطفى ريقه جِف وبلع بالعافية إيمان...
قاطعته بحسم ما تقاطعنيش.
ولأول مرة من سبع سنين جواز، عليت صوتي عليه شوية.
والحركة دي جابت نتيجة؛ خاف وسكت تماماً.
كملت البند رقم تمانية في العقد بيقول بكل وضوح إن أي ورث بيحصل عليه أي طرف من الزوجين بيعتبر ملكية خاصة وحصرية ليه لوحده، ومش من حق الطرف التاني يلمسه أو يطالب بنقله.
عيني إلهام برقت من الصدمة مش ممكن! ده مستحيل يحصل.
رميت لها الورقة وقلت اقريها بنفسك.
بدأت تقرا والورقة بتترعش في إيدها مصطفى... إنت مضيت على الكلام ده؟
وطى راسه في الأرض وقال بصوت واطي آه.
زعقت

فيه وليه ما قلتليش على المصيبة دي؟
رد وهو مش قادر يبص في عينها لأني عمري ما تخيلت إن الورقة دي هيكون ليها لازمة في يوم من الأيام.
ابتسمت وقلت ودي الغلطة رقم تلاتة.
طلعت الظرف التاني.
ودلوقتي.. افتح ده يا مصطفى.
مصطفى فتح الظرف، وكان دوسيه موثق من الشهر العقاري، وعرف الختم اللي عليه أول ما شافه.
قال بذهول لا... مش معقول.
رديت آه.. معقول جداً.
قال إنتي مستحيل تكوني عملتي كده!
رديت لأ عملته وبأعلى قانون في البلد كمان.
خدت نفس عميق وكملت من أربع شهور، عملت صندوق ائتماني ووصية مغلقة بناءً على تعليمات وتوجيهات أمي اللي سابتها لي كتابةً قبل ما تموت.
إلهام وقفت مذهولة ومكانتش قادرة تتحرك تعليمات إيه دي؟
طلعت جواب قديم لونه مصفر شوية، مكتوب بخط إيد أمي، ومحفوظ بعناية شديدة.
وقلت كتبت الجواب ده لما عرفت إنها مريضة بالسرطان.
مصطفى فضِل ساكت ومصدوم.
أمي كانت عارفة كويس قوي حقيقة عيلتك يا مصطفى.
إلهام وقفت بغضب تقصدي إيه بكلامك ده؟
رديت أقصد إن أمي شافت حاجات أنا كنت برفض أشوفها أو أصدقها وعميت عيني عنها.
بدأت أقرا الجواب بصوت عالي
لو في يوم من الأيام بعتي الشقة دي، احمي الفلوس دي بكل طريقة ممكنة. أوعي تخلي أي حد يحسسك بالذنب عشان بتحافظي على شقا عمري واللي تعبت وسهرت السنين عشان أبنيه.
عيني دمعت،
بس دوست على نفسي وكملت قراية
لو بتقري الكلام ده، فده معناه إني خلاص مش معاكي في الدنيا. ولو في أي حد حاول ياخد حاجتك وشقاكي تحت مسمى كلمة عيلة، افتكري حاجة واحدة بس يا بنتي اللي بيحبك بجد عمره ما بيجردك من حاجتك ولا بياكل حقك.
السكوت في الأوضة بقى قاتل ومحدش قادر يتنفس.
إلهام نزلت عينها الأرض بكسوف.
وأنفاس مصطفى بقت سريعة ومكتومة.
كملت كلامي الفلوس دي مابقتش موجودة في حسابي الشخصي أصلاً.
فجأة سمعنا صوت من عند الباب بيقول أومال الفلوس فين؟
التفتنا ولقيناه سامح، محدش فينا حس بيه وهو داخل.
كان لابس نفس الجاكيت الجلد القديم المتبهدل، وريحة السجائر والمكيفات طالعة منه، وماسك في إيده كوباية قهوة جايبها من كشك في الشارع.
قلت بسخرية يا محاسن الصدف.. كده كلنا بقينا موجودين.
سامح ابتسم وبلاهة وقال يعني إنتي هتساعدينا وهتدفعي الفلوس؟
بصيت له من فوق لتحت؛ الراجل ده عنده أربعين سنة، خسر تلات مشاريع، ومديون لنص طوب الأرض في البلد، ومع ذلك داخل وبكل عين قوية حاسس إن ليا فرض عليه وأني مديونة له بحاجة!
قلتله بكلمة واحدة لأ.
ابتسامته الطماعة اختفت فجأة يعني إيه؟
يعني مش هتاخد ولا مليم أحمر.
إلهام انفجرت فيا وزعقت دي قسوة وافترا منِك!
رديت عليها بحزم لأ مش قسوة... القسوة بجد هي إن أمي تشتغل وتطحن أربعين
سنة عشان في الآخر فلوسها تروح تسدد مراهنات وديون راجل شاحط ومقضيها قمار ولعب.
سامح خد خطوة ناحيتي وقال بقلة حيلة أنا كنت هسدد كل حاجة وهرجعهم.
سألته منين؟
قال هبدأ من جديد.
ضحكت زي الخمس مرات اللي فاتوا؟
سكت وملا قاش يرد.
طلعت الظرف الثالث وقلت ودلوقتي بقى، وصلنا للجزء الممتع والمشوق في الحكاية.
وش مصطفى كان قالب ألوان وشكله زي اللي بيموت إيمان.. أرجوكي.
قلتله من شهرين جالي تليفون.
سأل بخوف من مين؟
من البنك.
إلهام بلعت ريقها بصعوبة بنك إيه؟
البنك اللي مصطفى واخد منه قرض بضمان مشترك.
وش مصطفى بقى أبيض زي الأموات لا... بلاش دي.
رديت لأ هقول.. وأنا براجع الأوراق اكتشفت حاجة غريبة جداً.
طلعت مستندات تانية وحطيتها قدامهم من تمن شهور، جوزي العزيز طلب زيادة في حد الائتمان بتاعه بمبلغ 12 مليون جنيه... وحط بيتنا اللي عايشين فيه ده كضمان وعقود رهن للبنك.
إلهام فتحت بقها من الصدمة.
وسامح وقع كوباية القهوة من إيده على الأرض.
ومصطفى وقف وهو هيموت من الرعب أنا كنت هقولك والله.
سألته امتى؟
قال كنت مستني الوقت المناسب.
زعقت فيه مستني إيه؟ مستني أمي تموت؟
إيمان...
مستني لما أبيع شقتها؟
ما نطقش.. والسكوت ده كان هو الإجابة الكافية اللي أكدت لي كل شكوكي.
إلهام بدأت تعيط وتلطم على وشها مصطفى... يا مصطفى!

رد ذليل يا أمي...
زعقت فيه وهي مش مصدقة إنت كنت ناوي تاخد فلوس إيمان عشان تسدد
 

تم نسخ الرابط