بعت هدوم جوزي المغسلة

لمحة نيوز

 

​نزيل دائم!

ضغطت بأصابعي على مكتب الاستقبال وقُلت: "رقم الأوضة كام معلش؟"

ترددت الموظفة: "أنا آسفة يا مدام، ماقدرش أديكِ الرقم.."

​أخرجت كارت المفتاح الذي وجدته في جيب قميصه، ووضعته على المكتب وابتسمت بثقة مصطنعة: "أنا مراته، وهو مستنيني فوق بس تليفونه مقفول، وأنا عايزة أطلع أساعده".

نظرت الموظفة للكارت ثم خفضت صوتها: "غرفة 1412.. بس يا فندم أنا.."

​لم أنتظر سماع بقية جملتها. تحركت نحو المصعد الذي شعرت أن رحلته للدور الرابع عشر استغرقت دهرًا كاملًا. عندما فتح الباب، كان الممر هادئًا لدرجة أنني كنت أسمع صوت أنفاسي المتسارعة.

​مشيت بخطوات مرتجفة حتى وصلت للغرفة 1412.

مررت الكارت.. ومضى الضوء الأخضر.. وتكّ قفل الباب ليفتح.

​والصوت الأول الذي اخترق مسامعي لم يكن صوت خيانة جسدية أو ضحكات..

بل كان صوت بكاء!

صوت نحيب لامرأة، بكاء ضعيف، منكسر ومكتوم.

​ثم جاء صوت رامي، منخفضًا وحادًا ومستعجلاً: "بس بقى! لازم تاخديها حالا.. مفيش وقت!".

​تجمد الدم في عروقي.

دفعت الباب بقوة أكبر ليتسع..

​كان رامي واقفًا بالقرب من السرير، وقد شمر أكمام قميصه، ممسكًا بكوب من الماء في يد، وفي يده الأخرى حبة دواء.. واحدة من تلك الحبوب البيضاء.

وعلى السرير، كانت تجلس فتاة شابّة ترتدي برنص الحمام، وجهها متورم ومخطط من البكاء، وعيناها تشعان رعبًا وخوفًا.

​نظرت إليّ الفتاة وكأنها كانت تنتظر معجزة أو شخصًا ينقذها من الموت..

ثم همست بكلمتين زلزلتا كياني وهزتا الأرض من تحت قدميّ:

"أنا حامل!"...

​التفت

رامي بسرعة نحو الباب، وعندما رآني، سقط كوب الماء من يده لينكسر على الأرض وتتناثر شظاياه ومياهه في كل مكان. تحول وجهه إلى اللون الأبيض الشاحب، وتلاشت كل علامات السيطرة والبرود التي كان يرتديها دائمًا.

​"نادية؟!" نطق اسمي بصوت متحشرج وخافت، كأنه يرى شبحًا.

​نظرتُ إليه، ثم إلى الفتاة الجالسة على السرير، والتي تبدو في أوائل العشرينيات من عمرها. كانت ترتعش وتهز رأسها برعب، ممسكة ببطنها وكأنها تحاول حماية شيء ما بداخله. انقبض قلبي بقوة؛ لم أشعر برغبة في الهجوم عليها أو تمزيق شعرها كما تفعل الزوجات المخدوعات في الأفلام. كل ما شعرت به في تلك اللحظة كان مزيجًا قاتلًا من القرف والشفقة.

​"إيه اللي بيحصل هنا؟" سألتُ بصوت هادئ، هدوء غريب ومخيف أرعب رامي أكثر من الصراخ.

​تقدم رامي نحوي بضع خطوات ويداه ممدودتان في الهواء محاولًا تهدئتي: "نادية، أرجوكي.. الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة.. اسمعيني بس..".

​"مش زي ما أنا فاهمة؟!" قاطعته وأنا أخرج الكيس البلاستيكي من حقيبتي وألقيه في وجهه. "الحبوب دي.. كارت الأوضة.. الرسالة اللي بخط إيدك اللي بتقول فيها (هي مش لازم تعرف)!.. تقصد إيه بـ (هي)؟ تقصدني أنا، صح؟"

​نظرت الفتاة إلى الكيس البلاستيكي ثم صرخت وهي تبكي: "أنتِ مراته؟ هو قال لي إنه مطلقك! وقال لي إن الحبوب دي مجرد فيتامينات ومثبتات عشان الحمل! كان عايزني آخدها غصب عني!".

​في تلك اللحظة، رُفع الستار عن المؤامرة كاملة، ووقعت الحقيقة على رأسي كالصاعقة.

​رامي لم يكن متزوج على لمجرد المتعة فقط. رامي —الرجل

الذي بكي معي عند إجهاضي مرتين، الرجل الذي كان يواسيني ويدعي الصبر— كان يدير حياة موازية. وعندما حملت هذه الفتاة منه، لم يكن يريد فضيحة تدمر صورته كـ "رجل يعتمد عليه" أمام عائلته وأصدقائه وفي عمله. كان يريد التخلص من الجنين دون أن يترك أي أثر.

​نظرتُ إلى الحبوب المتناثرة على الأرض.. "ميزوبروستول".. حبوب الإجهاض.

​"كنت بتجيب الحبوب دي منين يا رامي؟" سألته وأنا أشعر بالتقيؤ يملأ حلقي. "من عيادة دكتور الخصوبة بتاعي، صح؟ يوم الخميس.. لما كنت بتصر تروح معايا، ولما كنت بتسيبني في العربية وتدخل بحجة إنك بتدفع الحساب أو بتجيب روشتة.. كنت بتسرقها؟ أو بتشتريها من حد هناك؟".

​لم يُجب. تراجع خطوة إلى الوراء، وعيناه تلتفتان في الغرفة كفأر محاصر في مصيدة.

​"أنت مش بني آدم.." همستُ والدموع تحرق عينيّ لأول مرة. "أنا خسرت طفلين وكان قلبي بيتقطع، وأنت كنت بتاخد الحبوب اللي بتنهي حياة الأطفال عشان تدمر بيها حياة بنت تانية؟".

​التفتُ إلى الفتاة، تحركتُ نحو السرير بخطوات ثابتة رغم ارتعاش جسدي. جلستُ بجانبها، وأمسكت بيدها الباردة. نظرتُ في عينيها المرعوبتين وقلت لها: "الحبوب دي مش فيتامينات. دي حبوب إجهاض. كان عايز يموت ابنك ويخلص منه عشان يحمي نفسه".

​شهقت الفتاة ورجعت إلى الورا برعب، وهي تنظر لرامي وكأنها ترى شيطانًا.

​"نادية! لمي الدور واخرجي بره، دي مشاكل تخصني!" صرخ رامي فجأة، محاولًا استعادة السيطرة بصوت جهوري مهدد.

​وقفتُ واجهته بكل شجاعة، وأخرجتُ هاتفي المحمول الذي كان يسجل كل شيء منذ لحظة دخولي

الغرفة. "الموضوع مابقاش يخصك لوحدك يا رامي. المكالمة المسجلة من المغسلة، الحبوب، الرسالة اللي بخط إيدك، والاعتراف الصوتي اللي متسجل حالا على التليفون ده.. كل ده هيروح للشرطة حالا.. ولهلِك.. ولشركتك".

​انطفأت النبرة الشجاعة في صوته فجأة، وتحول إلى ذعر حقيقي: "نادية، بلاش فضايح، إحنا عشرة خمس سنين.. هطلقها.. هنهي كل حاجة.. بس بلاش تخربي بيتنا!".

​"بيتنا اتخرب من زمان يا رامي.. من يوم ما بقيت مسخ ملوش قلب،" قلتها وأنا ألتفت للفتاة: "اجمعي حاجتك وتعالي معايا. مش هسيبك معاه هنا".

​أخذت الفتاة حقيبتها وجاكيتها بسرعة وهي تبكي، وخرجتْ أمامي من الغرفة. التفتُّ لرامي لآخر مرة، نظرت إليه بنظرة احتقار لم يسبق لي أن نظرت بها لإنسان من قبل، ثم أغلقت الباب وراءنا.

​بعد مرور ستة أشهر..

​أنا الآن أعيش في شقة صغيرة خاصة بي في الإسكندرية، قريبة من البحر الذي يغسل الهموم. قضيتي في محكمة الأسرة أوشكت على الانتهاء، وحصلت على الطلاق للضرر بعد أن قدم محاميّ كل الأدلة والتحجيلات للنيابة، وتم فتح تحقيق رسمي مع رامي بتهمة محاولة الإجهاض القسري وحيازة أدوية غير قانونية، وهو الآن ينتظر حكمًا بالسجن قد يدمر مستقبله بالكامل.

​أما بالنسبة للفتاة "منى".. فقد ساعدتها في العثور على ملجأ آمن عند عائلتها بعد أن عرفوا الحقيقة، وهي الآن في شهرها الثامن.

​أحيانًا، عندما أجلس في شرفتي وأشرب الشاي، أتذكر ذلك الأحد العادي.. رائحة الليمون والخبز المحروق.. وأحمد الله على تلك المعجزة الالهية، وعلى قميص رامي الذي نسي أن يفتش جيوبه

قبل أن يرسله إلى المغسلة.. القميص الذي أنقذ حياتي، وأنقذ روحًا بريئة لم تكن لترى النور.

تم نسخ الرابط