احتلت حماتي شقتي الصغيرة

لمحة نيوز


عقد الشقة، وأنا اللي كنت بدفع نصيب كبير من إيجارها، وأنا اللي كنت بصحى كل يوم قبل الفجر وأنزل المستشفى عشان أشتغل، وأنا صاحبة الورق اللي خبيتوه، وأنا صاحبة الطلب اللي ضيعتوا مواعيده... دي أنا.
صاحت بغضب
إحنا سرقنا إيه؟
قلت
سرقتوا حقي إني أعرف مصيري، وسرقتوا أوراقي، وسرقتوا فرصة كان ممكن تغير حياتي، وكل ده لأنكم كنتم فاكرين إني هفضل طول عمري محتاجة لكم.
وقبل ما تكمل، دخل محمد بسرعة وهو بيعيط
نادية... بالله عليكي متكبريش الموضوع، ومتخليهوش يوصل للمحاكم، أنا هصلح كل حاجة، هكلم محامي، وهنشوف أي حل، وممكن نقول إن الخطابات ضاعت أو حصل فيها غلطة.
ضحكت بمرارة وقلت
ضاعت؟
وسكت لحظة، وبعدين كملت
ضاعت تحت مرتبة أمك؟
ما ردش.
وسمعت صوته وهو بيبكي أكتر من الأول، وقال
أنا آسف... والله أنا آسف.
لكن المرة دي الكلمة معدتش عليا زي كل مرة.
لأن فيه اعتذارات بتيجي بعد ما كل حاجة تكون اتكسرت، وبعد ما الثقة تموت، وساعتها كلمة آسف مبتعرفش ترجع روح لحاجة ماتت.
قلتله بهدوء
فاكر أول شتاء عشنا فيه هنا؟
فضل ساكت كام ثانية، وبعدها قال بصوت متقطع
فاكر.
قلت
فاكر لما التدفئة عطلت، وكنا بننام وإحنا لابسين الجواكت من البرد، وأنا نزلت أشتغل شيفتات زيادة تلات أسابيع عشان نعرف ندفع الفواتير، ولما كنت برجع رجليا كانت بتبقى متورمة من الوقفة، وإنت كنت تمسكها بين إيديك تدفيهالي وتقول إننا هنعدي كل ده سوا.
طلع نفسه بالعافية وقال
أيوه يا نادية...
قلت وأنا دموعي نزلت أخيرًا
وقتها افتكرت إن ده حب... ويمكن كان حب فعلًا، لكن في يوم من الأيام، بقيت تحب الست اللي بتتعب عشانك أكتر من حبك للست نفسها، وبقيت خايف إنها تقف على رجليها، لأنك كنت فاكر إنها أول ما تبقى قوية هتمشي.
حاول يتكلم، لكني وقفته

قبل ما ينطق.
وقلت آخر كلمة بهدوء
أنا مش بفكر ألجأ للقانون عشان أمك أهانتني... أنا بفكر ألجأله لأنكم الاتنين حاولتوا تحرموني من حقي، وتخلوني عاجزة قدام القانون، ومربوطة بيكم غصب عني.
وصرخت الحجة خديجة من الناحية التانية، وصوتها كان عالي لدرجة حسيت إنها نسيت إن المكالمة كلها على السماعة
هتروحي تشتكينا بإيه يعني؟
بصيت للملف اللي قدامي، وربت بإيدي عليه، وقلت بهدوء خلى صوتي أنا نفسي استغربه
بكل حاجة عملتوها.
وقفلت المكالمة.
فضلت واقفة في نص الشقة الفاضية كام دقيقة، والموبايل لسه في إيدي، وأنا لأول مرة من شهور بحس إني أنا اللي ماسكة زمام حياتي، مش حد تاني بيقرر عني أعيش إزاي وأعرف إيه وأجهل إيه.
أول اتصال عملته كان للمستشفى.
طلبت مسؤول شؤون العاملين، وحكيتله إن أوراق مهمة تخص ملفي كانت متخبية عني من غير علمي، وإن معايا دلوقتي كل المستندات اللي تثبت ده، وسألته أعمل إيه عشان أحاول أصلح اللي حصل قبل ما الملف يتقفل نهائي.
بعدها اتصلت بالمحامي اللي كان واحد من زمايلي في المستشفى مرشح رقمه ليا من زمان، ولأول مرة وأنا بحكيله اللي حصل، حد قاطعني وقال
متقلقيش... الأول نحافظ على كل الأدلة، وبعدها نبقى نشوف باقي الخطوات.
قفلت معاه، وكلمت واحدة من زميلاتي اللي كانت عارفة جزء من اللي كنت بعيشه، وطلبت منها تبعتلي صور كل الورق اللي كنت مقدماه للشغل قبل كده، عشان يبقى عندي نسخة من كل حاجة.
قبل المغرب، كنت مجمعة كل الصور على الموبايل، والملف متصور بالكامل، وصور عم توفيق لمكان الأوراق محفوظة، وكل حاجة متسجلة بالتاريخ والوقت.
ولأول مرة من وقت طويل، حسيت إني مش لوحدي.
رجعت شقتي الجديدة بعد ما الليل دخل.
الشقة كانت صغيرة، وأبسط بكتير من اللي سبتها.
مرتبة على الأرض.
كرسي
واحد.
حلتين في المطبخ.
وكراتين لسه مفتحتهاش.
لكن أول ما قفلت الباب بالمفتاح، وسمعت صوت الكالون وهو بيتقفل، حسيت بحاجة عمري ما حسيتها قبل كده.
الأمان.
محدش معاه نسخة من المفتاح.
محدش هيصحيني يذلني.
محدش هيحط مرتبة في نص الصالة ويحول بيتي لبيت غريب عني.
ومحدش هيقدر يمد إيده على ورقة تخصني، أو يقرر مستقبلي من ورا ضهري، تاني.
في الساعة تسعة وتمانشر دقيقة بالليل، وصلني فويس جديد من أخت محمد.
افتكرته شتيمة جديدة... أو محاولة تخليني أرجع في كلامي.
لكن أول ما شغلت الرسالة، حسيت من أول نفس إنها بتعيط.
قالت بصوت مكسور
يا نادية... والله العظيم أنا مكنتش أعرف إن محمد وأمي مخبيين عنك أوراقك. إحنا كل اللي اتقال لنا إنك قلبك حجر، وإنك رميتي ست كبيرة في الشارع عشان تعيشي حريتك. لكن من شوية محمد كلم أخويا وهو منهار، وقال إن الموضوع ممكن يوصل للشرطة... وساعتها عرفت إن فيه حاجة كبيرة مستخبية.
سكتت شوية، وبعدها كملت وهي بتتنهد
اسمعيني... في حاجة لازم تعرفيها، حتى لو أمي تكرهني بسببها... دي مش أول مرة تعمل كده.
قلبي وقع.
قالت
قبل ما محمد يتجوزك، كان متقدم لبنت شغالة في التمريض زيك. أمي وقتها خبت شهاداتها وأوراقها، وكانت بتقول إن الست لما يبقى معاها شغل وفلوس هتتمرد على جوزها. البنت فسخت الخطوبة، وأهلها عملوا محضر، لكن أبويا الله يرحمه دخل وحل الموضوع قبل ما يكبر.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش حاسة بإيديا.
يعني...
أنا مكنتش أول واحدة.
ولا أول ست تتسرق أوراقها.
ولا أول واحدة يحاولوا يكسروا جناحها عشان تفضل محتاجالهم.
وبعد دقيقة، بعتتلي صورة قديمة.
الصورة كانت باهتة شوية، لكن باين فيها بنت لابسة يونيفورم تمريض، واقفة قدام قسم شرطة، عينيها حمرا من العياط... ومع كده كانت
رافعة راسها.
وتحت الصورة كتبت
اسمها مريم... ولسه معايا رقمها لو حبيتي تكلميها.
فضلت أبص للصورة شوية.
وبعدين ضغطت على الرقم واتصلت.
رن مرة...
واتنين...
وتلاتة...
لحد ما سمعت صوت ست ردت بحذر
ألو؟
قلت بهدوء
حضرتك مريم؟
قالت
أيوه... مين معايا؟
بلعت ريقي وقلت
أنا نادية... مرات محمد.
ساد صمت طويل...
لدرجة إني افتكرت إن الخط فصل.
وفجأة سمعتها بتاخد نفس بالعافية، وبعدها سألتني بصوت واطي أوي، كأنها خايفة من الإجابة قبل ما تسمعها
متقوليش... هي خبت جواز سفرك وأوراقك إنتِ كمان؟
غمضت عيني، وقلت كلمة واحدة
أيوه.
سمعت زفير طويل خرج منها، زفير واحدة كانت شايلة وجع سنين كاملة على صدرها، ومستنية تسمع من أي ست تانية إن اللي حصلها مكنش خيال، وإنها مكنتش مجنونة ولا بتبالغ.
قالتلي بصوت كله قهر
احتفظي بكل حاجة يا نادية... كل رسالة... كل صورة... كل ورقة... ومتسيبيش شاهد واحد يضيع. الناس دي بتعيش على حاجة واحدة... إنها تقنعنا إننا لوحدنا، وإن محدش هيصدقنا.
حسيت دموعي بتنزل من غير ما أحس.
ولأول مرة من وقت ما بدأت الحكاية، حسيت إن فيه واحدة فاهمة أنا حاسة بإيه من غير ما أشرح.
همست وأنا ببص للملف اللي قدامي
بس أنا... مبقتش لوحدي.
في صباح اليوم التالي، وأنا خارجة من المستشفى بعد ما خلصت ورديتي، شفت محمد واقف عند مخرج العاملين، في نفس المكان اللي كان كل يوم يستناني فيه بعد الشغل، لكن المرة دي مكانش مستني مراته... كان مستني آخر فرصة ينقذ بيها اللي ضاع منه. كان ماسك في إيده باقة ورد، وفي الإيد التانية كيس من المخبز، وعرفت من أول نظرة إنه جايب الفطاير اللي كنت بحبها، نفس الفطاير اللي كان كل ما يلاقيني زعلانة يشتريها ويقولي وهو بيضحك مفيش مشكلة في الدنيا مبتتهونش بفطار حلو وكوباية
شاي. زمان كان المنظر ده كفيل يوقع قلبي من مكانه، وأجري عليه وأنا ناسية أي زعل، لكن
 

تم نسخ الرابط