احتلت حماتي شقتي الصغيرة
يعدي آخر ميعاد.
فضلت باصة للكلام وأنا مش قادرة أصدق إن كل مرة كنت بقلب فيها الشقة وألوم نفسي على ضياع الورق، كانوا هما الاتنين عارفين هو فين.
دلوقتي بس فهمت.
الحجة خديجة مجتش من أسوان عشان تقضي كام شهر مع ابنها.
هي جت تنفذ خطة، ومحمد كان شريك فيها من أول يوم.
جريمتي الوحيدة إني كنت بحاول أجدد إقامتي من شغلي، وأقف على رجلي، ويبقى ليا حق أعيش في البلد دي باسمي أنا، مش باعتباري زوجة معتمدة على جوزها.
اتكرمش الورق بين صوابعي من كتر ما كنت قابضة عليه، ورفعت عيني للعم توفيق وقلت
يا عم توفيق... أنا محتاجة صور من كل ورقة موجودة هنا، وكمان ورقة تثبت إن الملف اتلاقى تحت المرتبة.
هز راسه بهدوء، وطلع ظرف تاني من درج مكتبه وقال
كنت عامل حساب اللحظة دي يا بنتي... صورت مكان الملف قبل ما ألمسه، والتاريخ والساعة باينين في كل صورة، وخدت نسخة من كل اللي لقيته.
بصيتله وأنا حاسة إن الراجل البسيط ده عمل عشاني في ساعة واحدة، اللي أقرب الناس ليا معرفوش يعملوه في ست سنين.
همست
ربنا يجازيك خير.
ابتسم ابتسامة هادية وقال
الحق عمره ما يضيع يا بنتي... المهم يكون فيه اللي يتمسك بيه.
طلعت بالملف للشقة القديمة بعد ما عم توفيق فتحهالي عشان أتأكد إن مفيش حاجة باقيالي فيها قبل ما أسلمه المفاتيح.
أول ما دخلت، حسيت إن الشقة بقت أصغر بكتير.
المرتبة اللي كانت حماتي نايمة عليها تلات شهور كانت اتشالت، ولأول مرة الصالة كلها بانت قدامي، ولسه مكانها معلم على الأرض كأنها كانت حاجبة النور عن الركن ده طول الفترة اللي فاتت.
المطبخ كان نصه فاضي بعد النقل، والكوباية القديمة بتاعتي لسه جنب الحوض، وباب أوضة النوم مفتوح.
ست سنين كاملة عشتهم بين الحيطان دي.
رجعتلها كل يوم مهدودة من
لكن في اللحظة دي، فهمت إن نفس البيت اللي كنت فاكرة إنه ساترني، كان مخبي عني كل الحقيقة.
افتكرت إن كل كلمة من اللي حصل لازم تفضل موثقة، فحطيت الملف على الترابيزة، وفتحت مسجل الصوت في موبايلي، وخدت نفس طويل وقلت، وصوتي بيرتعش غصب عني
أنا نادية... والنهارده استلمت جواز سفري، وخطابات الإقامة، وكل أوراقي اللي اتلاقت تحت المرتبة اللي كانت حماتي نايمة عليها.
لسه بقفل التسجيل، الموبايل رن.
محمد.
رديت.
قال وهو بينهج
نادية... إنتِ فين؟
قلت
في الشقة القديمة.
قال بسرعة
بتعملي إيه هناك؟
قلت
بسلم المفاتيح.
وسأل على طول، بسرعة خلت قلبي يقبض
هو... عم توفيق قالك حاجة؟
وقتها فهمت.
لا سألني إذا كنت كويسة.
ولا اعتذر.
ولا حتى حاول يطمني.
أول حاجة كانت شاغلاه يعرفها...
إذا كنت عرفت ولا لأ.
بصيت للملف اللي قدامي، وقلت
آه.
سكت ثواني، وبعدها قال بصوت متوتر
قالك إيه؟
قلت
قال إن الملف اللي فيه جواز سفري وخطاباتي اتلاقى تحت المرتبة اللي كانت أمك نايمة عليها.
ساد بينا صمت تقيل.
وبعدين قال
اسمعي يا نادية... أنا أقدر أشرحلك.
قفلت عيني وقلت بهدوء
لأ... المرة دي أنا اللي هشرح.
قال بسرعة
نادية...
قاطعته
إنت خبيت عني أوراقي.
قال
الموضوع مش كده.
قلت
وسبت المواعيد كلها تفوت.
وساعتها قال الجملة اللي أكدتلي كل حاجة
كنت خايف.
فجأة سمعته صرخ في ودني صرخة خلتني أبعد الموبايل عن ودني من حدتها، كانت طالعة منه وهو مكسور أكتر ما هو غضبان، وبعدها فضل ياخد نفسه بالعافية وقال بصوت بيرتعش وكأنه أخيرًا خرج اللي كان مخبيه جواه من شهور طويلة
إنتِ اتغيرتي يا نادية... من ساعة ما اشتغلتي الشغل
ابتسمت بمرارة، وقلت وأنا حاسة إن قلبي بيوجعني مع كل كلمة
بطلت أرجعلك من اليوم اللي اكتشفت فيه إنك عمرك ما كنت بتقولي الحقيقة... كنت كل مرة أسألك فيها عن ورقي تبصلي في عيني وتطمني، وإنت عارف كويس إنه مستخبي تحت مرتبة أمك.
سكت ثواني، وبعدها قال بصوت متكسر
إنتِ كنتِ هتسيبيني... أول ما تبقي واقفة على رجلك.
قلت بهدوء
أنا كنت بحاول أبقى في أمان... بس.
رد بسرعة، ومن غير حتى ما يفكر
بالنسبالي مفيش فرق.
الجملة دي نزلت على قلبي زي السكينة، وساعتها فهمت كل حاجة، لأن محمد كان شايف إن الست اللي يبقى معاها شغلها، وورقها، وحقها، وقدرتها إنها تعيش من غير ما تمد إيدها لحد، تبقى ست ممكن تمشي في أي وقت، أما الست اللي محتاجة جوزها في كل ورقة وكل إجراء وكل خطوة، فهي الست اللي يقدر يضمن إنها هتفضل جنبه حتى لو كانت تعبانة ومكسورة.
قلتله وأنا حاسة إن كل كلمة طالعة من وجعي
إنت وأمك حطيتوني في فخ.
قال بسرعة وكأنه بيدور على أي مبرر ينقذه
أنا كنت فاكر إن لو إجراءات إقامتك اتعطلت شوية، هنقدر نصلح حياتنا الأول، وبعدها نخلص كل حاجة.
ضحكت ضحكة مرة، وقلت
الحياة مبتتصلحش بسرقة جواز السفر، ولا بخباية الخطابات، ولا بحرمان واحدة من حقها إنها تعرف مستقبلها.
وفجأة سمعته بيعيط.
كان بيعيط بجد.
وقال بصوت متقطع
أمي فضلت تقوللي إن أول ما ورقك يخلص هتبقي مستقلة، وإنك ساعتها هتسيبيني وترجعي بلدك أو تعيشي حياتك من غيري، وإن لو فقدتك
غمضت عيني، وقلت من غير ما أزعق
أمك قالت كلام كتير... لكن اللي مد إيده وخبى جواز سفري وخطاباتي وساب المواعيد كلها تضيع... كنت إنت.
وما ردش.
أول مرة من ساعة عرفته، يسكت بالشكل ده، كأنه أخيرًا ملاقاش كدبة جديدة يستخبى وراها.
وفي عز الصمت، وصلني صوت ست بيتكلم من بعيد، كان خافت، لكنه واضح، وعرفته من أول حرف.
الحجة خديجة.
كانت قاعدة جنبه.
وسمعتها وهي بتقوله بثقة
متترجهاش يا محمد... سيبها، هترجع لوحدها لما تعرف إنها ملهاش غيرك.
جسمي كله اتجمد، وحسيت إن قلبي وقع في رجلي.
وقلت ببطء شديد
هي قاعدة معاك دلوقتي؟
سكت لحظة، وبعدين همس
أيوه.
قلت من غير تردد افتح السماعة.
لأ.
قلت وأنا ماسكة أعصابي بالعافية
افتح السماعة يا محمد.
سمعت شوية لخبطة على الناحية التانية، وبعدها جه صوت الحجة خديجة واضح وعالي، كأنها كانت واقفة فوق راسه ومستنية اللحظة دي من أول المكالمة.
قالت بسخرية واستعلاء
بقى لقيتي كام ورقة، قمتي فاكرة نفسك بقيتي ست كبيرة؟ الست المحترمة مبتخبيش فلوس عن جوزها، ومتمضيش عقود من وراه، ومتذلش أم جوزها بالشكل ده.
ضحكت ضحكة صغيرة، لكن كانت طالعة من وجع مش من فرحة، وقلت
وإنتِ بقى شايفة إن خباية جواز سفري وخطاباتي كانت من الأصول؟
قالت بمنتهى البرود
أنا مخبيتهمش... أنا حطيتهم في مكان أمين.
قلت
وليه؟
ردت من غير ذرة ندم
عشان الورق ده كان هيكبرك علينا، وأول ما تبقي معاكي أوراقك هتفتكري نفسك مش محتاجة ابني، وهو اللي جابك البلد دي من الأساس، ولولاه كنتِ هتبقي مين؟
لفيت عيني في الشقة حواليّا، وبصيت لكل ركن فيها، للحيطة اللي دفعت إيجارها من عرقي، وللمطبخ اللي كنت بدخله بعد شيفت طويل رجليا فيه كانت
أنا اللي مضيت