احتلت حماتي شقتي الصغيرة

لمحة نيوز

لمدة تلات شهور احتلت حماتي شقتي الصغيرة وكانت كل يوم تقولي إني مجرد خدامة عند ابنها وإن البيت ده ملكه وهو اللي بيصرف عليا وأنا كنت ببلع الإهانة وأسكت ومكنتش أعرف إن ورقة واحدة هتقلب الدنيا كلها وتخلي الست اللي كانت بتطردني من بيتي هي أول واحدة تدور على مكان تنام فيه.
يا نادية... قبل ما تسلمي مفاتيح الشقة، ارفعي المرتبة اللي كانت حماتك نايمة عليها.
فضلت باصة للشاشة ثواني طويلة، ومش قادرة أستوعب.
الشقة كانت هادية بشكل يخوف.
لأول مرة من شهور، مفيش صوت حماتي وهي بتنادي عليا من أوضتها، ولا صوت محمد وهو بيحاول يهديني بكلمتين مالهمش أي معنى، ولا حتى خناقة على كباية شاي أو أكلة مش عاجباها.
بس نور الشمس داخل من البلكونة، وكراتين النقل مرصوصة، وصوت نفسي اللي بقى عالي أوي.
فتحت الصورة اللي كانت مع الرسالة...
واتجمدت مكاني.
دي أوضة النوم في شقتي القديمة في الجيزة.
المرتبة كانت مرفوعة على جنب، والسجادة متنية، وتحتها مباشرة ملف بلاستيك شفاف ومتخبي بعناية، كأن اللي حطه هناك كان متأكد إن محدش هيفكر يبص تحته أبدًا.
كبرت الصورة...
وساعتها الدم نشف في عروقي.
بطاقتي.
جواز سفري.
أوراق شغلي.
وكل المستندات اللي قلبت الدنيا عليها شهرين كاملين.
وكمان ظرف بني مكتوب عليه بخط إيد محمد
لنادية... متفتحيهوش غير وأنا معاكي.
إيديا تلجت.
أنا دورت على الورق ده في كل حتة.
فتشت الأدراج... الدولاب... الشنط... حتى أكياس الزبالة فتحتها بإيدي.
وكل مرة كانت حماتي تبصلي باحتقار وتقول
إهمالك هيضيع ابننا معاكي... الست الشاطرة بتحافظ على بيتها قبل أي حاجة.
وأنا كنت بعيط وأصدق نفسي إني فعلًا السبب.
ومحمد كان يحضني ويقول
هيظهر يا نادية... أكيد هيظهر.
آه... ظهر فعلًا.
بس كان مستخبي تحت مرتبة أمه... طول الشهرين

اللي كنت بموت فيهم كل يوم.
اتصلت على طول بالعم توفيق، البواب، وقلتله وأنا صوتي بيترعش
إوعى حد يلمس الملف... بالله عليك.
قال بهدوء
اطمني يا بنتي... أول ما شلت المرتبة الملف اتحرك ووقعت بطاقتك من فوقه، فعرفت إنه بتاعك، خدته على طول وقفلت عليه في الدرج. حسيت إن لازم تشوفيه قبل ما أي حد يرجع.
بلعت ريقي بالعافية.
أول حاجة جت في بالي إن محمد يكون سبقني وشاف اللي جواه.
فسألته بسرعة
محمد شافه؟
قال
لأ... هو وأمه مشيوا من الصبح. كانوا بيتخانقوا على باب العمارة، وبعدها ركبوا عربية ومشيوا.
الكلام نزل على قلبي تقيل.
رغم كل اللي حصل...
كان جوايا حتة صغيرة لسه مستنية إنه يختارني مرة واحدة... مرة واحدة بس.
بس اللي عمره عاش طول عمره تحت أمر أمه... صعب يعرف يعني إيه يقف جنب مراته في يوم.
مسحت دموعي بسرعة وقلت للعم توفيق
أنا جاية حالًا... متخليش حد يقرب من الملف لحد ما أوصل.
قال بثقة
متقلقيش يا بنتي... مستنيك.
لبست طرحة الخروج بسرعة، وخدت شنطتي وقفلت باب الشقة ورايا.
وأنا نازلة السلم، كان قلبي بيدق بطريقة عمره ما دقها قبل كده.
ركبت المترو من الجيزة.
كل محطة كنت بحسها سنة كاملة.
الناس حواليا عايشة يومها عادي... واحدة ماسكة كوباية قهوة وبتقلب في موبايلها... راجل مغمض عينه من التعب... وأم بتحاول تسكت ابنها الصغير اللي عمال يعيط.
ولا واحد فيهم يعرف إن مستقبلي كله كان مستخبي تحت مرتبة... في شقتي أنا.
وصلت العمارة.
ريحة السلم كانت زي ما هي... خليط بين ريحة الطبيخ القديم والتراب والدهانات.
وأنا طالعة، باب الحاجة أم أحمد اتفتح سنة صغيرة.
بصتلي بقلق وقالت
مالك يا بنتي؟ وشك مخطوف كده ليه؟
حاولت أبتسم... معرفتش.
اكتفيت إني هزيت راسي ومشيت، لأني لو كنت نطقت بكلمة واحدة، كنت هانهار من العياط
قدامها.
نزلت تاني على أوضة العم توفيق تحت العمارة.
كان مستنيني، وأول ما شافني قام وقف، وسحب الملف من درج مكتبه، وحطه قدامي على الترابيزة بحرص شديد، كأنه ماسك حاجة ممكن تقلب حياة بني آدم.
بصلي وقال بصوت هادي
والله يا بنتي... ما بصيتش غير لأول ورقة عشان أعرف الملف بتاع مين، ولما لقيت بطاقتك قفلته على طول... بس اللي شوفته كان كفاية يقلقني عليكي.
قعدت قدام الملف وأنا حاسة إن إيديا بتترعش، ومديت صوابعي بالعافية ومسكت جواز سفري، ولمسته برفق، كأني بلمس حتة من روحي كانت ضايعة مني ورجعتلي بعد ما فقدت الأمل فيها، وفضلت أبص لاسمي وصورتي عليه وأنا مش قادرة أصدق إنه كان قدامي طول الوقت، وأنا بقالي شهرين بقلب الدنيا عليه.
بعدها فتحت أول جواب.
كان ميعاد مقابلة مهم... وعدى.
فتحت التاني.
كانوا طالبين مني أوراق زيادة، والمهلة القانونية خلصت.
أما التالت...
أول ما عيني وقعت على أول سطر فيه، الدنيا لفت بيا، والكلام بقى بيتراقص قدام عيني.
إشعار بنية رفض الطلب.
حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
الطلب ده مكنش مجرد ورق.
ده كان حلمي.
كان الأمل الوحيد اللي كنت متعلقة بيه عشان أبقى واقفة على رجلي، وأعيش في البلد دي باسمي أنا، مش باعتباري مرات محمد، ولا تحت رحمته، ولا تحت أوامر أمه اللي كانت شايفة إن ماليش أي قيمة من غير ابنها.
أنا تعبت عشان الشغل ده.
كنت بروح المستشفى بدري، وأرجع آخر النهار جسمي مكسر، ومع ذلك عمري ما اتأخرت، ولا اشتكيت، لحد ما المدير بنفسه رشحني، وقال إن التزامي وشغلي يشفعولي في الطلب.
فاكرة الليالي اللي كنت بستخبى فيها وأفتح حسابي وأفضل أدور على أي خبر عن الورق، والحالة كل مرة تفضل زي ما هي الطلب تحت المراجعة، وأكلمهم وأسأل إذا كانت الرسائل خرجت ولا لأ.
وكل مرة محمد كان
يبصلي ويقول بمنتهى البرود
استهدي بالله... الجوابات بتتأخر عادي.
وحماتي كانت تضحك الضحكة اللي كانت بتحرق قلبي وتقول
وإنتِ هتعملي إيه بأوراق لوحدك؟ ما جوزك موجود... هو راجل البيت، وكل حاجة باسمه.
وساعتها كنت بسكت...
وأقول يمكن عندهم حق.
لكن وأنا ماسكة الخطابات بين إيديا، فهمت الحقيقة اللي كانت مستخبية طول الشهور دي كلها...
ومحدش ضيعها حد خبّاها بإيده.
الخطابات وصلت بس عمرها ما وصلتلي.
فتحت الظرف البني اللي كان محمد كاتب اسمي عليه بخط إيده، وبدأت أطلع اللي جواه ورقة ورا التانية. كان فيه صور من مفردات مرتبي، وكشوف حسابي البنكي، وعقد إيجار الشقة، وصورة من بطاقة إقامتي المؤقتة في مصر، الإقامة اللي بقالي ست سنين بجددها من خلال شغلي في المستشفى بعد ما سيبت بلدي واتجوزت محمد، وكل المستندات اللي تخص ملفي، وتحتهم رسالة مطبوعة من بريد إلكتروني لمحامي هجرة عمري ما سمعت اسمه قبل كده.
كانت الرسالة موجهة لمحمد، والمحامي كاتب فيها
في حالة رفض طلب تجديد إقامة زوجتك المستند إلى عملها بسبب عدم استكمال الإجراءات أو انتهاء المواعيد المحددة، يمكن التقدم بطلب آخر باعتبارها زوجة لمواطن مصري، مع ضرورة استمرار الإقامة المشتركة وتقديم ما يثبت قيام العلاقة الزوجية..
قريت الرسالة مرتين، ويمكن تلاتة.
المحامي مكنش بيقوله يخبي ورق، ولا يكسر قانون، ولا يعمل أي حاجة غلط.
كان بيشرحله الخيارات القانونية وبس.
لكن وأنا بقلب باقي الملف، لقيت صفحات مطبوعة من محادثات بين محمد وأمه.
وأول رسالة وقعت عيني عليها خلت نفسي يتقطع.
محمد كان كاتب
سيبي جواز السفر والجوابات عندك يا أمي... لو لحقت تجدد إقامتها من شغلها هتبقى مستقلة ومش هتحتاجني.
وردت عليه الحجة خديجة
سيبها عليا... طول ما الورق مستخبي هيفوتها ميعاد
الرد، وساعتها مش هيبقى قدامها غيرك.
وفي رسالة بعدها بكام يوم، كتب لها
متطلعيش أي ورقة غير لما
 

تم نسخ الرابط