حماتي كانت بتدخل تشيل كل الأكل

لمحة نيوز

 

​بس اللي مكانتش حماتي تعرفه، إني تحت كل كيس، وجوه كل علبة، كنت حاطة ورقة. والورق ده مكانش ورق عادي.. ده كان كشف حساب السنتين اللي فاتوا كلهم! مكتوب فيه بالإبرة والفتلة: الإيجار، وصل النور، المية، الغاز، مصاريف السوق، وجزء من مرتبي اللي بيروح في البيت، وكل أسبوع التلاجة كانت بتتمسح فيه وكنت بضطر أعيش على الإندومي. كل ورقة كان مكتوب فيها التاريخ، والمبلغ، وجملة واحدة واضحة: "الأكل ده كان مال بيتنا وحقنا".

​يوم الأحد الصبح، شرفت حماتي. نفس الابتسامة، ونفس الخطوات السريعة، وعينها اللي راحت جري على التلاجة.

قالت وهي بتفتح الباب بلهفة: "يا سلام يا مرات ابني، وريني كده شلتيلنا إيه النهاردة".

أنا منطقتش.. قعدت قدامها بكل برود وأنا بشرب كوباية الشاي بتاعتي.

​مدت إيدها وطلعت أول كيس، وأول ما فتحته، شافت الورقة اللي جواه. بدأت تقرأ، وملامحها اتغيرت.

وقالت والتحير واللخبطة باينين

على وشها لأول مرة: "إيه ده؟ إيه اللي مكتوب هنا ده؟"

رديت عليها بصوت هادي ورزين: "اقرئي يا ماما.. اقرئي المكتوب".

​فتحت الكيس التاني.. وبعده التالت.. نفس الورق ونفس الكلام في كل حته، والمبالغ عمالة تزيد وتكبر. وشها فجأة بقى أبيض زي الليمونة المصرورة والدم هرب منه.

في الوقت ده، أحمد جوزي خرج من الأوضة.

زعق وقال: "في إيه؟ إيه الورق ده كله؟"

بصيت في عينه بكل قوة وقلت له: "ده الصوت اللي كان بيمشي من هنا كل أسبوع، بس النهاردة رجع وبيتكلم".

​حماتي رجليها مشيلتهاش وقعدت على الكرسي، وإيدها كانت بترتعش زي الورقة.

وقالت وصوتها بيقطع: "أنا.. أنا مكانش قصدي.. مكانش عندي فكرة..."

هنا ولأول مرة عليت صوتي، بس مكانش صوت غضب، كان صوت وجع طالع من جرح قديم:

"مكانش عندك فكرة إن مرات ابنك دي بني آدمة برضه؟ وإن ميزانية البيت كل شهر مابتتعملش بالسهل والدعاء، دي بتتعمل بالدموع والشقى؟"

​ملامح أحمد

اتخطفت ووشه اتغير تماماً. مسك الورق وبدأ يقرأ ورقة ورقة بتركيز.

وبصلي وهو مش مصدق: "كل ده؟ إنتِ شيلتي وعانيتي في كل ده لوحدك؟"

هزيت راسي وقلت له: "أنا جيت وقلت لك.. بس إنت قولت عليا أنانية".

​الوضة سادها سكوت قاتل، وفجأة الدموع بدأت تنزل من عين حماتي.

وقالت بنبرة كسرة: "يا بنتي أنا آسفة.. حقك عليا.. أنا كنت فاكرة إن عيشتكم مرتاحة والخير عندكم كتير..."

رديت عليها بالراحة: "الخير بيبقى كتير لما بيبقى فيه احترام متبادل ويحسوا ببعض".

​وفجأة، أحمد رمى نفسه على ركبه قدامي تحت رجلي الصدمة.

وقال وهو بيبكي: "أنا غلطت في حقك.. أنا كنت أعمى ومش شايف".

وبعدين بص لأمه وقال لها: "يا أمي، من السبع توب لغاية النهاردة، مفيش لقمة ولا حاجة هتطلع من البيت ده من غير إذن. ده بيتنا.. ودي مراتي وليها احترامها".

​حماتي مدت إيدها ومسكت إيدي، ولأول مرة المسكة دي يكون فيها ندم وأسف حقيقي، مش فرعنة

وسيطرة.

وقالت لي: "إنتِ عملتي الصح يا بنتي.. لو مكانتش المراية دي اتعكست قدام وشي النهاردة، عمري ما كنت هفوق ولا هفهم اللي بعمله".

​اليوم ده، مفيش لقمة خرجت برا البيت. قعدنا إحنا التلاتة ولمينا بعض وأكلنا مع بعض بلقمة هنيّة.

وعلى بالليل، التلاجة كانت مليانة.. بس المرة دي مكانتش مليانة أكل وبس، كانت مليانة بصلح النفوس والعلاقات اللي اتصلحت.

​ومن بعد اليوم ده، كل حاجة اتبدلت 180 درجة. حماتي لما كانت بتيجي، كانت أول حاجة تقولها: "يا مرات ابني، أخد إيه معايا وأنا ماشية؟"

وأحمد بقى يقعد معايا كل أول شهر بالورقة والقلم عشان نظبط الميزانية مع بعض.

​أما أنا؟ أنا اتعلمت درس عمري؛ إن السكوت مش دايماً بيكون رضا وتنازل—ساعات لما تعلي صوتك وتجيب حقك، بيكون ده أكبر هدية بتقدمها لنفسك ولبيتك.

​القصة دي مخلصتش بـ "غالِب ومغلوب"، لكن خلصت بدرس وعبرة—

إن الشخص اللي مش فاهم الأصول والحسابات

في العلاقات، ساعات بيبقى لازم تفهمه الحقيقة وتصدمه بيها على ورق.

تم نسخ الرابط