امي طردت الممرضة

امي طردت الممرضة

لمحة نيوز

الجزء الأول هدوء زائف واقتحام غريب
أمي عندها 81 سنة، وطريحة الفراش بقالها 12 سنة بسبب حادثة قطار أليمة أفقدتها القدرة على الحركة وجعلتها رهينة سريرها الأبيض في تلك الغرفة الواسعة التي تفوح منها رائحة الأدوية والمطهرات. طوال تلك الفترة الطويلة، كنت أنا ابنتها الوحيدة سارة، أعمل في شركة محاسبة كبرى لكي أوفر لها مصاريف العلاج الباهظة وثمن نمط الحياة المريح الذي تستحقه. وبسبب غيابي الطويل في العمل، كانت هناك ست طيبة وودودة تدعى ميرفت بتعتني بيها وتجلس معها، وكانت دائمًا بتعاملها بكل احترام وحنية، وتطهو لها ما تحب وتؤنس وحدتها، حتى ظننت أن الأمور استقرت تماماً وأننا نعيش في سلام وهدوء لا يعكره شيء.
لكن من شهرين، انقلب كل شيء رأساً على عقب. كنت أقف في مكتبي أراجع بعض الميزانيات حين رن هاتفي، وكانت ميرفت هي المتصلة. لم تكن نبرتها هادئة كالعادة، بل اتصلت بيا وهي بتعيط بحرقة ونشيج مكتوم هز قلبي. سألتها بفزع مالك يا ميرفت؟ في إيه؟ أمي جرى لها حاجة؟، فقالت بصوت مرتعش والدتك طردتني يا سارة... رمت فلوسي في وشي وقالت لي مش عايزه أشوفك هنا تاني، وجابت حد تاني مكاني. وصدقيني، إنتِ مش هتحبي تعرفي مين اللي قاعد معاها دلوقتي.. أنا خايفة عليكي وخايفة عليها!.
نزلت الكلمات عليّ كالصاعقة. تركت كل ما في يدي، أخذت حقيبتي وجريت على السيارة، وقدمي تضغط على البنزين بجنون وأنا أحاول استيعاب ما حدث. كيف لأمي الهادئة المستسلمة لمرضها أن تطرد المرأة التي خدمتها لسنوات؟ ومن هذا الشخص الذي حل محلها؟ أول ما وصلت البيت، دفعت الباب الخارجي وركضت نحو أوضة أمي، وأول ما وصلت الباب اتجمدت مكاني من صدمة المشهد الذي رأيته.
كان

فيه راجل ضخم الجثة، عريض المنكبين، قاعد جنب السرير على كرسي خشبي صغير لا يناسب حجمه أبدًا. كان بيأكلها شوربة فراخ بالمعلقة بمنتهى الهدوء والصبر والرفق، كأنه يتعامل مع زجاجة عطر ثمينة تخشى أن تنكسر. هذا الراجل كان يرتدي جاكيت جلد أسود ثقيل يوحي بالقسوة، ودقنه طويلة وكثيفة، والتاتوهات الوشوم الغريبة والمخيفة مالية إيديه ورقبته بالكامل، وخارج النافذة كان هناك موتوسيكل دراجة نارية ضخم من طراز هارلي يركن في حديقتنا الهادئة. والأغرب من كل هذا المظهر المرعب، إن أمي كانت تبص له وهي مبتسمة كأنها أخيرًا لقت راحة بالها، كأن هذا الغريب هو ابنها المفود وليس رجلاً مرعباً اقتحم بيتنا.
الجزء الثاني المواجهة والتبدل العجيب
حاولت أن أتمسك بآخر ذرة من ثباتي الانفعالي. نظرت إلى الرجل بنظرة حادة يملؤها الشك والتهديد، ثم التفتُّ نحو أمي وقلت لها بهدوء مصطنع يحمل في طياته بركاناً من الغضب يا ماما، ممكن أتكلم معاكي لوحدنا دقيقة؟. الراجل لم ينتظر أن تأمره أمي أو أن أصرخ فيه؛ بل قام بكل احترام، ونكس رأسه قليلاً وقال بصوت أجش وعميق لكنه مهذب للغاية أنا هستنى بره في الحديقة يا فندم، خذوا راحتكم.
وأول ما خرج وأغلق الباب خلفه، انفجرت في أمي وعيوني تتسع من الذهول إنتِ جرى لعقلك إيه يا ماما؟ بتطردي الست الطيب اللي عارفاكي وعارفة مرضك عشان تجيبي بلطجي وراكب موتوسيكلات؟ إنتِ عارفة ده مين؟ ده ممكن يسرقنا أو يؤذيكي في أي لحظة! أنا مش هسمح للمهزلة دي تستمر!. لكن أمي، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم تبكِ ولم تطلب مني التهدئة؛ بل وقفتني قبل ما أقول أي حاجة إضافية، وقالت بحزم شديد ونبرة جافة لم أعهدها فيها من قبل اسمعي يا سارة.
. هو هيقعد هنا. أنا اللي طردت ميرفت وأنا اللي عينته، وأنا عايزاه هو بالذات اللي يعتني بيا في الأيام الباقية لي من عمري، ومش عايزة مناقشة في الموضوع ده!.
صدمتني صلابتها، ورغم محاولاتي المستمرة لإقناعها بالمال أو بالخوف، كانت ترفض تماماً الإفصاح عن كيفية تعرفها عليه أو سبب تمسكها به. ومن يومها بقى هو المسؤول عنها وعن طعامها وعلاجها طوال فترة غيابي. وكرهت إني أعترف بكده، لكن الراجل الذي عرفت أن اسمه شريف كان بيتعامل معاها بمنتهى اللطف والرقة التي لا تناسب مظهره الخارجي البتة. والأعجب من ذلك أن أمي بدأت تتغير بشكل جذري؛ بقت تضحك تاني من قلبها، بقت تاكل أحسن بكتير وتطلب أصنافاً معينة من الطعام، وعينيها رجع فيها بريق وحيوية ما شفتوش فيها من سنين طويلة منذ الحادثة.
كانوا يقعدوا بالساعات يتكلموا كل يوم بصوت منخفض، تروي له حكايات قديمة ويستمع لها باهتمام بالغ، لكن أول ما أدخل الأوضة فجأة، يسكتوا فجأة ويتبادلان نظرات غامضة تحمل سراً عميقاً، ثم يبتسم شريف ويستأذن للخروج. هذا الغموض كان يأكل عقلي وروحي، ويزيد من شكوكي بأن هذا الرجل يبتزها أو يخطط للاستيلاء على بيتنا وميراثنا الصغير.
الجزء الثالث ليلة السقوط والصدام الأخير
وبعد مرور شهر ونصف على هذا الوضع الغريب، حصلت الأزمة الكبرى التي كنت أخشاها. استيقظت في منتصف الليل على صوت أنين مكتوم وأنفاس متقطعة تأتي من غرفة أمي. ركضت إليها لأجد وجهها شاحباً كالموت، وجسدها يرتجف بشدة. اتصلت بالإسعاف فوراً، وفجأة ظهر شريف عند الباب؛ يبدو أنه كان يركن دراجته في الجوار أو يراقب البيت. ساعد رجال الإسعاف في حملها بمنتهى القوة والحرص، ورافقنا إلى المستشفى العام.

الدكاترة قالوا بعد الفحوصات والتحاليل إن الموضوع مرتبط بمرضها القديم ومضاعفات السن والقلب، وأن حالتها حرجاً وتحتاج للرعاية المركزة، لكني في غمرة خوفي وقلقي ماقدرتش أبطل لوم الراجل ده. كنت أقول لنفسي بالتأكيد هو من ضغط عليها، أو أعطاها طعاماً سيئاً، أو أن قصصه المرعبة هي من أتعبت قلبها العجوز. فضل شريف قاعد جنب سريرها في الغرفة الخاصة طول الوقت بعد خروجها من العناية، يرفض المغادرة، يرفض النوم، وكأنه واحد من العيلة.. بل كأنه ابنها الحقيقي الذي يخاف عليها أكثر مني.
لحد ما في ليلة، ليلة شديدة البرودة والمطر ينقر على زجاج المستشفى، وبعد ما أمي نامت تحت تأثير المهدئات والمحاليل، استجمعت كل قسوتي وواجهته في الممر الخارجي. نظرت إلى تاتوهاته الممتدة على رقبته وقلت له بنبرة صارمة وخفيضة شريف.. لحد هنا وكفاية. أنا عايزاك تمشي حالاً وتختفي من حياتنا. أنا عارفة إنك بتلعب على مشاعر ست عجوزة، وعشان كده أنا هكون صريحة معاك.. هدفع لك تلات أضعاف مرتبك اللي أمي اتفقت معاك عليه، بس تاخد موتوسيكلك وتمشي ومشوفش وشك هنا تاني.
سكت شريف شوية. حدق في الأرض لفترة بدت كأعوام، وكتفيه الضخمتين تهتزان بأسى لم أفهمه. وبعدين بص لي بحزن عميق وعينين تملؤهما الدموع نعم، هذا العملاق كان يبكي ومشى بهدوء دون أن يلمس الأموال التي أخرجتها من حقيبتي. شعرت بلحظة من الندم والخوف؛ لماذا لم يجادل؟ ولماذا يبدو مجروحاً إلى هذا الحد؟ جريت وراه في ممرات المستشفى وأنا بنادي عليه بصوت مكتوم شريف! استنى! كلمني!. وقف عند باب المستشفى الخارجي، حيث كانت الرياح الباردة تصفع وجهه، والتفت إليّ وقال بصوت هادي ومبحوح من حقك تعرفي الحقيقة يا
سارة..
 

تم نسخ الرابط