بنتي كانت ترجع من المدرسه

لمحة نيوز

​مكملناش ربع ساعة، والباب خبط خبطات سريعة وقوية كأن اللي برا هيكسره.. جريت فتحت، لقيت أحمد واقف وشه أصفر وبيعرق ونفسه مقطوع.. بقاله سبع سنين معتبش بيتي، بس الموقف كان أكبر من أي خلافات قديمة. دخل زي الإعصار وهو بيقول: "في إيه؟ مريم فين؟".. أول ما شاف بنته منهارة والقميص المدمم في إيدي، عينه وسعت من الصدمة، والشرار طلع منها.

​أحمد بيشتغل ضابط شرطة في المباحث، وطول عمره حيتان السوق والمجرمين بيخافوا منه.. قعد على ركبه قدام مريم، ومسك إيديها وبدأ يتكلم بنبرة أول مرة أسمعها منه.. نبرة أب خايف ومكسور: "مريم.. بصي في عيني يا بنتي.. مين اللي كتب ده؟ ومين اللي لمسك؟ قولي لأبوكي ومتخافيش.. أنا هجيب حقك لو كان من بطن السبع!".

​مريم لما شافت أبوها، الخوف بدأ يتحول لدموع حرة، وبدأت تحكي الحكاية كاملة وبصوت متقطع:

​"من شهر يا بابا.. في تلاتة بلطجية بشكل يخوف، بيقفوا لي كل يوم بعد المدرسة في الشارع الجانبي.. أول يوم شدوني من شنطتي وقالوا لي: (أبوكي الضابط أحمد حاطط مناخيره في قضية كبيرة هتخرب بيوتنا.. لو ما لمش نفسه، هنحرق قلبه عليكي). أنا خوفت وجريت.. وتاني يوم وقفوا لي تاني، ولما حاولت أهرب منهم، واحد فيهم ضربني بآلة حادة في كتفي وقطع قميصي، وكتبوا الكلمات دي بالماركر

الأسود وقالوا لي: (لو أمك عرفت هنموتها، ولو أبوكي عرف هنقتله في وسط شغله.. اغسلي القميص ده كويس ومتنطقيش بحرف لو عايزة أهلك يعيشوا)".

​البنت كملت وهي بتبكي بمرارة: "كنت باجي جري، أموت من الرعب كل ما أشوف ماما.. أدخل الحمام وأفضل أدعك في الدم والكتابة عشان متشوفش حاجة وتخاف.. كنت بموت في اليوم مية مرة وخايفة عليكم أنتوا الاتنين!".

​خطة الحماية والانتقام

​أحمد أول ما سمع الكلام ده، قام وقف وطوله فارع، وعروق رقبته كانت هتنفجر من الغضب. ضرب بإيده على الحيطة لدرجة إنها كانت هتتشرخ، وقال بصوت زي الرعد: "ولاد الكلب! واصلة بيهم الدناءة يهددوني ببنتي؟! يستقوا على عيلة عندها 15 سنة عشان يضغطوا عليا في القضية؟!".

​بصيت له وأنا بترعش وقولتله: "قضية إيه يا أحمد؟ بنتنا كانت هتروح مننا بسبب شغلك! أنا شيلت الهم لوحدي سبع سنين عشان أحميها، وتيجي في الآخر تتبهدل البهدلة دي؟!".

​أحمد بص لي بنظرة ندم وأسف وقال: "حقك عليا يا منى.. وحقك عليكي يا قلب أبوكي.. أنا ماسك قضية تشكيل عصابي كبير لتجارة المخدرات والتهريب، وفي حوت كبير فيهم واقع في إيدي ورافض أطلعه أو أهدي اللعب معاه.. مكنتش أتخيل أبداً إنهم يوصلوا لعناوينكم أو يراقبوا بنتي!".

​سكت شوية وعينه بتلمع بذكاء وضغينة، وقال:

"بس هما كدة فتحوا على نفسهم أبواب جهنم.. واللعب معايا أنا مبيرحمش.. هما مفكرين إن مريم لسة مخبية، وده الكارت اللي هنلعب بيه".

​قعدنا احنا التلاتة، وأحمد بدأ يحط الخطة.. طلب من مريم إنها تنزل تاني يوم المدرسة عادي جداً كأن مفيش حاجة حصلت، ولابسة قميص جديد، وتتصرف بطبيعتها تماماً.. وبص لي وقال: "منى.. أنا هحط حراسة سرية حوالين البيت وحوالين المدرسة من بكره الصبح.. زمايلي في المباحث هيبقوا في كل حتة بلبس مدني.. مش عايزك تبيني لمريم أي خوف عشان متتوترش وتكشف الخطة.. بكره هجيبهم كلهم تحت رجلي ورجليكم".

​يوم الحسم

​ليلتها منمتش، كنت واخدة مريم في حضني وبدعي ربنا يمرر بكره على خير.. وفي الصباح، نزلت مريم ورجليها بتترعش، وأنا قلبي كان بيتقطع وراها، بس كنت واثقة في أحمد لأول مرة من سنين.. وعرفت إنه رغم كل عيوبه، ميرضاش بالظلم لبنته.

​مريم مشيت في نفس الشارع الجانبي، وأول ما التلاتة بلطجية ظهروا من ورا سور جنينة مهجورة وبدأوا يقربوا منها بابتساماتهم الخبيثة، وواحد منهم مسكها من دراعها وقال لها: "ها يا حلوة.. أبوكي لسة دماغه ناشفة؟".. في لحظة، الشارع كله اتقلب!

​عربيات ميكروباص قفلت الشارع من أوله لآخره، وطلع منها رجال المباحث بالأسلحة، وفي ثانية واحدة كانوا راكبين

فوق قفا البلطجية ومثبتينهم في الأرض.. أحمد كان أول واحد ينزل من العربية، ومسك رئيس العصابة اللي فيهم وضربه علقة حامية في وسط الشارع خلت الراجل يصرخ زي الحريم ويطلب الرحمة.. أحمد قاله وهو دايس على وشه بجزمته: "بنتي خط أحمر يا روح أمك.. أنت واللي مشغلينك هتدفنوا في السجن!".

​بداية جديدة

​لما مريم رجعت البيت ومعاها أحمد، كانت بتعيط بس المرة دي دموع فرحة وراحة.. حست إن الجبل اللي كان على كتافها انزاح. أحمد دخل وقعد معانا، وطلب مننا نسيب الشقة دي لفترة ونقعد في شقة تابعة للعمارة اللي هو ساكن فيها عشان نكون تحت عينه طول الوقت لحد ما القضية تقفل تماماً ويدخل الحيتان الكبار السجن.

​المرارة اللي كانت في قلبي من ناحية طليقي بدأت تدوب.. شوفت فيه الأب السند اللي بنتي احتاجته في أصعب لحظة في حياتها.. التجربة دي، رغم بشاعتها ورعبها، عرفتني إن مريم كبرت وبقت بتشيل الهم عشان تحمينا، وعرفتني إن الأمان مش إننا نقفل الأبواب علينا وبس.. الأمان إننا نكون إيد واحدة وقت الأزمة.

​من اليوم ده، مريم رجعت تضحك تاني، ورجعت مريم الفرفوشة صاحبة الـ 15 سنة، وبطلت تدخل الحمام بالساعات.. لأن النظافة مش غسيل لبس بالمايه والصابون.. النظافة الحقيقية إننا ننظف حياتنا من الخوف والسرية، ونعيش

في النور وسط اللي بيحبونا ويحمونا.

تم نسخ الرابط