بعد وفاة جوزي بالسرطان
المحتويات
تيجي.
وبعدين قفل الخط.
فضلت واقفة مكاني.
المية شغالة في الحوض.
والطبق المكسور قدامي.
والموبايل في إيدي.
شنطة ليلى كانت خرجت من البيت.
وجوزي كان خرج من حياتنا للأبد.
وساعتها افتكرت حاجة مهمة جدًا...
إن الخوف عمره ما بيستأذن قبل ما يدخل القلب.
والخوف الحقيقي بدأ من الليلة اللي قبلها...
الليلة اللي لقيت فيها بنتي واقفة حافية في الحمام وسط خصل شعرها اللي كانت مالية الأرض كلها...
خبطت على الباب مرة وقلت ليلى يا حبيبتي... ممكن أدخل؟
الباب اتفتح على طول.
وأول ما دخلت حسيت إن قلبي وقع.
ليلى كانت واقفة قدام المراية، ماسكة مقص المطبخ في إيد، وفي الإيد التانية خصلة شعر كبيرة مربوطة بإستك، أما شعرها الطويل اللي كانت بتعتني بيه طول عمرها فكان اختفى تقريبًا، وبقى واقف عند كتفها بالعافية، متقصوص بشكل عشوائي وكأنها كانت مستعجلة أو بتعيط وهي بتقصه.
بصيت للأرض الأول.
وبعدين بصيت لها.
وقلت وأنا مش مصدقة اللي شايفاه
ليلى... إنتِ عملتي إيه؟
رفعت كتافها الصغيرين كأنها مستنية إني أزعق أو أغضب.
وقالت بسرعة
بس متزعليش مني يا ماما.
بصيت لها ثانية وقلت
أنا بحاول بالعافية أفهم اللي حصل الأول قبل ما أعرف هزعل ولا لأ.
الكلام خلاها تبتسم ابتسامة صغيرة جدًا سرعان ما اختفت، لأن الدموع كانت بدأت تتملى في عينيها.
وبعدين قالت
في بنت معايا في الفصل اسمها مريم.
وسكتت لحظة.
وكملت
هي خفت من السرطان الحمد لله... بس شعرها لسه مرجعش زي الأول.
بلعت ريقها بالعافية.
وقالت
النهارده في حصة العلوم كام ولد فضلوا يضحكوا عليها قدام الفصل.
ومحدش وقفهم.
ومريم جريت على الحمام وفضلت تعيط لوحدها.
وأنا سمعتها.
بعدها رفعت خصلة الشعر اللي كانت في إيديها وقالت
دورت على النت.
ولقيت إن الباروكات ممكن تتعمل من الشعر الطبيعي.
وعارفة إن شعري لوحده مش هيكفي.
بس يمكن يساعد.
اتنهدت وأنا باصة لها.
وقبل ما أتكلم قالت بسرعة
أنا
بصيت لشعرها المتعوج.
وقلت
بصراحة؟
هزت راسها.
فقلت
شكله كأنك دخلتي معركة مع ماكينة جز عشب وخرجتي منها بالعافية.
في اللحظة دي ضحكت ضحكة صغيرة وسط دموعها.
وبعدين مسحت وشها بسرعة بكف إيدها.
وقالت بصوت واطي
هو أنا عملت حاجة غبية؟
في اللحظة دي افتكرت جوزي الله يرحمه.
وافتكرت شعره وهو بيقع خصلة ورا خصلة على المخدة بعد جلسات العلاج.
وافتكرت ليلى وهي قاعدة جنبه وقتها، رافضة تبعد عنه أو تسيبه يحس للحظة إنه بقى أقل من أي حد.
وحاجات كتير عمرنا ما نسيناها...
دقات قلب 2
عديت ناحيتها بهدوء، وخدت المقص من إيديها.
وقلت وأنا بضمها جامد
لا يا حبيبتي.
لا طبعًا.
أبوكي لو كان موجود دلوقتي كان هيبقى فخور بيكي بشكل إنتِ متتخيليهوش.
وأنا كمان فخورة بيكي.
ساعتها ليلى مقدرتش تمسك نفسها أكتر من كده.
ودفنت وشها في كتفي وفضلت تعيط.
وأنا كنت بربت على ضهرها ومسيباها تخرج كل اللي جواها.
بعد شوية رفعت راسها وبصتلي.
وقالت
طب ممكن نصلح الكارثة دي؟
بصيت لشعرها.
فقالت وهي بتحاول تضحك
أنا حاسة إني شبه واحد من الناس اللي في كتب التاريخ.
ضحكت غصب عني رغم كل اللي كنا فيه.
وبعد أقل من ساعة كنا قاعدين في كوافير مدام تيسير اللي بقالنا سنين بنتعامل معاه.
ليلى كانت قاعدة على الكرسي ولابسة الغطا الأسود، بينما مدام تيسير واقفة وراها بتفحص الشعر اللي اتقص بعناية شديدة.
فضلت ساكتة كام ثانية.
وبعدين طلعت منها تنهيدة طويلة.
التنهيدة اللي أي أم بتفهم معناها فورًا.
في نص الشغل تقريبًا دخل جوزها عم سيد من الباب.
وأول ما لمح خصلة الشعر الكبيرة المحطوطة على الرخامة وقف مكانه.
وقال باستغراب
إيه ده كله؟
كنت لسه هشرح له.
لكن ليلى سبقتني.
وقالت بكل بساطة
في بنت معايا في المدرسة محتاجة باروكة.
ساعتها عم سيد بص لها بجد لأول مرة.
بص لها كذا ثانية من غير ما يتكلم.
وبعدين لف ناحيتي من خلال المراية وابتسم.
وقال
دي فعلًا بنت أحمد.
أول ما سمعت ليلى اسم أبوها، قعدتها اتعدلت فوق الكرسي وكأن حد نفخ فيها روح جديدة.
وبصت له بسرعة.
وقالت
إنت كنت تعرف بابا؟
هز الراجل راسه وقال
آه يا حبيبتي.
أنا اشتغلت مع أبوكي أحمد تمن سنين كاملين.
ليلى لمست أطراف شعرها القصير الجديد وقالت
يعني كان هيعجبه شكلي كده؟
الكوافيرة طلعت صوت استنكار صغير وقالت
لا طبعًا.
مفيش راجل محترم هيوافق على قصة شعر معمولة في الحمام بمقص مطبخ.
ليلى بصتلها وقالت باعتراض
يا طنط!
لكن الكوافيرة كملت وهي بتبتسم
إنما السبب اللي خلاكي تعملي كده؟
آه... ده كان هيحبه جدًا.
الراجل سند ضهره على الكرسي وبص لليلى.
وقال
أبوكي أحمد عمره ما كان بيستحمل يشوف حد بيتوجع لوحده.
كان الموضوع ده بيجننه.
ليلى نزلت عينيها على إيديها.
وقالت بصوت واطي
مريم كانت عاملة نفسها مش فارق معاها.
بس كان فارق معاها.
ابتسمت وقلت
طبعًا كان فارق معاها يا حبيبتي.
الكوافيرة فضلت في المحل بعد معاد القفل.
وبين ما كانت بتحاول تصلح شعر ليلى على قد ما تقدر...
وبين ما كانت بتجهز خصلة شعرها مع خصل تانية كانت محتفظة بيها مخصوص لباروكات الأطفال المرضى...
قدرت تخلص واحدة كاملة قبل صباح اليوم اللي بعده.
وقبل ما تروح المدرسة، أنا وليلى رحنا استلمنا الباروكة.
أول ما حطتها في العلبة وادتهالها مدام تيسير، فضلت ليلى باصة لها كذا ثانية وكأنها مش مصدقة إنها بقت جاهزة فعلًا.
وبعدين بصتلي وقالت
هو أنا شكلي غريب يا ماما؟
بصيت لشعرها الجديد.
وابتسمت.
وقلت
لا يا حبيبتي.
إنتِ شكلك زي ما إنتِ.
بس العناية بيكي بقت أسهل شوية.
ساعتها ضحكت.
الضحكة اللي كنت مفتقداها من شهور.
وبعدين رفعت العلبة شوية بإيديها وقالت
تفتكري مريم هتلبسها فعلًا؟
اتنهدت وأنا ببص لها.
وقلت
معرفش يا حبيبتي.
ممكن تبقى مش مرتاحة فيها.
وممكن تختار متلبسهاش أصلًا.
بس حتى لو ده حصل...
هي هتعرف إن فيه حد
وإن فيه بنت عملت حاجة كبيرة عشان خاطرها.
ليلى ابتسمت.
وضمت العلبة .
وبعدها رحنا المدرسة.
دقات قلب 3
لكن بعد أقل من ساعتين بس...
موبايلي رن.
وكان مدير المدرسة.
وبحلول ما وصلت المدرسة...
كانت كفوف إيديا كلها عرقانة من التوتر وأنا ماسكة الدريكسيون.
ولقيت مدير المدرسة واقف مستنيني قدام المكتب.
أول ما نزلت من العربية جريت ناحيته.
وقلت بخوف
في إيه؟
مين الناس دي؟
المدير مسح عرقه وقال
الناس جم كلهم مع بعض يا مدام نادية.
ولابسين جاكتات المصنع اللي كان شغال فيه أحمد.
وكانوا بيسألوا على ليلى بالاسم.
وبعدين هز راسه وقال
في الأول السكرتيرة افتكرت إن فيه مشكلة.
وبصراحة؟ أنا كمان خفت. لكن بعد ما عرفوا نفسهم وقدّموا بطاقاتهم، فهمت إن مفيش أي خطر
بصيت له بعدم فهم وقلت
طيب بنتي قاعدة معاهم ليه؟
ساعتها ملامحه اتغيرت شوية.
وقال
لأن أول ما سمعوا اسم أحمد...
ليلى هي اللي طلبت تفضل معاهم.
قلبي دق بعنف.
وقبل ما أسأله أي حاجة تانية
مد إيده وفتح باب المكتب.
وفي اللحظة اللي بصيت فيها جوه...
حسيت إن نفسي اتسحب مني مرة واحدة.
ليلى كانت واقفة جنب الشباك.
وحاطة إيديها الاتنين على بقها.
أما مريم فكانت قاعدة على كرسي جنبها.
ولابسة الباروكة.
ولأول مرة من وقت ما المرض أخد شعرها...
كانت شبه أي بنت طبيعية في سنها.
أم مريم كانت واقفة وراها.
وماسكة منديل.
وبتعيط.
لكن ده مكانش أكتر شيء صدمني.
لأن في نص المكتب...
فوق مكتب المدير مباشرة...
كان فيه خوذة صفراء قديمة.
خوذة الشغل الخاصة بأحمد.
خوذة جوزي الله يرحمه.
كانت متحطوطة فوق مكتب المدير.
دقات قلب 4
نفس الخوذة الصفراء اللي كان بيرجع بيها من الشغل كل يوم.
حتى اسمه لسه مكتوب على الحافة من جوه.
وأكتر حاجة وجعت قلبي...
إن النجمة البنفسجي اللامعة اللي ليلى كانت لزقاها عليها وهي عندها ست سنين لسه موجودة مكانها.
وقفت مكاني.
ومقدرتش أتكلم.
في
وقال
يا مدام نادية... قبل ما الناس دي تشرح سبب وجودها هنا.
في حاجة لازم تعرفيها.
لفيت ناحيته.
فكمل
العيال اللي كانوا بيتريقوا على مريم...
الموضوع مكانش مرة واحدة
متابعة القراءة