في يوم حصل حريق

لمحة نيوز

فى يوم حصل حريق دمر بيتي ومالقيتش حتة أنام فيها، كلمت بنتي أسألها لو ينفع أقعد عندها كام يوم بس. جوزها ضحك باستهزاء وقالي أنا مبعملش خير في حد، وبيتي مش ملجأ للمشردين!
على مدار عشرين سنة، إيديا ما كانتش بتفضى من ريحة الكلور والمنظفات. بإيديا دي اللي كانت دايماً حمرا، ومشققة، وبتوجعني من الحرقان، كنت بمسح كل بلاطة وبلمع أرضيات الرخام في فيلات وقصور الأغنياء.. كل ده عشان أبني سلم لبنتي ياسمين عشان تطلع منه وماتشوفش الذل والفقر اللي أنا عشته.
لما ياسمين كانت لسه طفلة صغيرة، رسمتلي رسمة وكتبت عليها أجمل مامي في الدنيا. كنت بشوف الرسمة دي كأنها حاجة مقدسة، وكنت بلزقها على حيطان كل شقة معفنة ومعتمة نتنقل ليها. لكن ياسمين كبرت، والرسمة فضلت زي ما هي، في حين إن قلبها هو اللي اسودّ ومات. بدأت تبص لإيديا اللي مليانة كالو وعجز بقرف واشمئزاز حقيقي!
افتكر وهي عندها 16 سنة لما قالتلي هو إنتي لازم تيجي تاخديني من المدرسة بهدوم الشغل دي؟ الناس بيفكروكي الشغالة!.. الكلمتين دول كانوا زي السكينة اللي اتغرست في روحي. وقتها مفيش في إيدي حاجة غير إني ابتسمت بوجع وقولتلها يا ياسمين، ما أنا فعلاً الشغالة، وده الشغل اللي بيكبرك ويأكلك عيش.
الموضوع

ادهور أكتر لما ياسمين اتجوزت شريف.. راجل بابتسامة صفراء مرسومة وروحه فاضية من جوه. هما الاتنين مع بعض حولوني لمجرد ماكينة فلوس متحركة ATM. من أول مليم كنت شايلاه للزمن وللطوارئ، لحد فواتير الكهربا وتصليح العربيات.. كنت بشيل كل ده على ضهري وأنا ست عندي 65 سنة! نزلت اشتغلت في شغلانتين زيادة، وكنت بركع على ركبي في الشغل لحد ما المفاصل تطقطق كل ليلة، وكل ده عشان هما يتنفسوا ويرتاحوا.
بس حنان الأم مش ملوش نهاية مالهاش آخر، ده قنبلة موقوتة مستنية بس الشرارة عشان تنفجر!
في ليلة تلات، بعد ما خلصت تنظيف تالت بيت في يوم واحد وتحت مطر زى السيول، عدّيت على شقتهم عشان أحط لهم شنط الأكل والخضار اللي اشتريتها بآخر فكة وفلوس باقية معايا.
الباب كان موارب.. وصوت ضحك عالي طالع من جوه، ومعاه ريحة خمرة غالية.
سمعت شريف جوزها وهو بيقول بنبرة كلها تريقة وسخرية هو إنتي بجد مش هتعزمي الشغالة دي في حفلة البيت الجديد الأسبوع الجاي؟
ياسمين أخدت بؤ من كاسها وردت ببرود تام إنت مجنون؟ عايرني أعزمها إزاي؟ بص لمنظر إيديها الوسخة وريحة الكيماويات اللي طالعة منها! أصحابك كلهم ناس من المجتمع الراقي، وأنا مش عايزة حد فيهم يعرف إني اتربيت على إيد شغالة رخيصة..
سيبها تقعد في البيت وتطفح في الشغل، ما هو اللبس و الفواتير دي مش هتدفع تمنها بنفسها!
كنت واقفة مجمَدة في ضلمة الطرقة بره، شنطة الأكل وقعت من إيدي واتفشكلت على الأرض.. بالظبط زي ما قلبي اتكسر ميت حتة. بصيت لإيديا اللي كانت بترتعش.. الإيدين اللي كبّرت وربّت وحش!
في اللحظة دي، سرى في عروقي هدوء قاتل وواضح زي الشمس.
ياسمين فاكرة إني هفضل عبدة عندها طول العمر.. ما تعرفش إن الشقة اللي هي عايشة فيها، والعربية اللي بتركبها، والمنظرة الكدابة اللي بتحارب عشان تحميها.. كل ده واقف ومسنود على ورقة واحدة بس في إيدي.. وأنا مستعدة أفرتكها وأقطعها حتت الليلة دي!
روحت بيتى و كنت مقهورة من اللى سمعته.
لحد ما جت ليلة الثلاثاء اللي غيرت كل حاجة..
صحيت الساعة 2 بالليل على ريحة غريبة مش بتاعة حلم. ريحة دخان تقيل وزيت حامي ونار. فتحت باب أوضتي ولقيت في وشي حيطة من النار واللون البرتقالي! المطبخ كان طار، والطرقة بقت نفق من الدخان الأسود. سلك قديم في الحيطة عيب كنت عايزة أصلحه بس مكنتش معايا فلوس عشان بعت فلوس التصليح ل شريف عشان يحضر كورس إدارة أعمال السلك ضرب وولع في البيت!
ملحقتش أنقذ الرسمة. ملحقتش آخد صوري. كل اللي عملته إني مسكت تليفوني وصندوق
حديد صغير فيه أوراقي من تحت السرير، وجريت في الشارع بقميص النوم والجاكيت فوقيه.
قعدت على الرصيف، متغطية ببطانية جارتي، وبشوف شقى 30 سنة بيتحول لكوم تراب ونار مأكولة. النار كانت دافية بس قلبي كان متجمد من جوه. على ما الصبح طلع، مكنش معايا غير الهدوم اللي عليا وشنطة صغيرة جارتي حطتلي فيها كام بلوفر قديم.
كلمت ياسمين أول ما الشمس طلعت، صوتي كان مبحوح ومتبهدل من الدخان
البيت ضاع يا ياسمين.. كل حاجة ولعت.. أنا.. أنا معنديش مكان أنام فيه.
حصل سكون طويل على الناحية التانية من الخط. كنت مستنية صرخة، عياط، أنا جايلك حالا يا ماما.
بس هي قالت ببرود طب وفلوس التأمين يا ماما؟
قولتلها أنا.. أنا لغيت قسط التأمين السنة اللي فاتت يا بنتي.. مكنتش قادرة أدفعه مع إيجار شقتكم.. قولت مش مشكلة كام شهر والامور تمشي.
سكون تاني أبرد من مية التلج طب وده كلام برضه؟ دي عدم مسؤولية يا ماما بجد! إحنا مش هنقدر نساعدك، إحنا يادوب ممشيين حالنا بالعافية، وشريف في نص صفقة شغل كبيرة أوي دلوقتي.
دموعي نزلت ياسمين.. أنا واقفة في الشارع.. معنديش حاجة!
قالتلي روحي أي ملجأ أو تصرّفي الليلة دي، وهنبتكلم بعدين!.
مروحتش ملجأ. ركبت الأتوبيس وروحت لحد باب شقتها. قولت لنفسي
أكيد لما تشوفني
 

تم نسخ الرابط