بعد ما دفنت ابني الوحيد
بعد ما دفنت ابني الوحيد بإيدي، اكتشفت إن أبويا وأمي وأختي كانوا بيحتفلوا بموته على البحر... لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في الخيانة دي. الصدمة جات بعد 3 شهور، لما فتحت فلاشة قديمة لقيتها في شنطة ابني، وسمعت صوت جوزي الميت بيقول لو بتسمعي التسجيل ده يا مريم، يبقى الحادثة اللي قتلتني ما كانتش حادثة...
وقعت الفلاشة من إيدي.
قلبي وقف.
والدنيا كلها بقت ساكتة.
لثواني طويلة فضلت أبص للشاشة السودا قدامي ومش قادرة أتنفس.
لأن جوزي شريف مات من تسع شهور.
وابني مازن مات من تلات شهور.
يعني مستحيل أسمع صوته دلوقتي.
مستحيل.
لكن الصوت كان صوته.
نفس النبرة الهادية.
نفس الطريقة اللي كان بينطق بيها اسمي.
مريم... لو التسجيل ده وصلك، يبقى فيه حاجة حصلتلي أنا ومازن.
بدأ جسمي كله يرتعش.
لكن قبل ما أحكيلكم اللي كان جوه التسجيل...
لازم أرجع بيكم لليوم اللي بدأت فيه الكارثة كلها.
اسمي مريم رأفت.
عندي 38 سنة.
وكنت فاكرة إن عندي عيلة.
كنت فاكرة إن أبويا راجل محترم.
وإن أمي قلبها أبيض مهما كانت قاسية أحيانًا.
وإن أختي جيهان ممكن تبقى مدلعة وأنانية شوية، لكنها في النهاية أختي وسندي.
كنت غبية.
غبية جدًا.
لأن الحقيقة إن الإنسان أحيانًا بيعيش عمر كامل جنب وحوش متنكرين في شكل أهل.
جوزي شريف كان موظف بنك في الإسكندرية.
راجل محترم لدرجة تخليكي تستغربي إنه لسه موجود في الزمن ده.
أكتر حاجة كان بيحبها في الدنيا كانت أنا ومازن.
وابني مازن...
كان عنده 12 سنة.
12 سنة بس.
كان بيصحى كل يوم الصبح يجري يحضني قبل المدرسة.
وكان بيقولي
ماما لما أكبر هشتريلك فيلا كبيرة قد البحر.
وأضحك وأقوله
بس ذاكر الأول يا باشا.
فيضحك ويجري.
ماكنتش أعرف إن الأيام دي كلها كانت بتجري ناحية النهاية.
يوم السبت الصبح خرج شريف ومازن يصطادوا.
قبل ما ينزلوا، مازن رجع من عند الباب وجري عليا.
وقال
خلي الأكل جاهز يا ست الكل... هرجع جعان.
ضحكت.
وضربته بخفة على كتفه.
وقلت
امشي يا ولد.
كانت آخر مرة ألمسه فيها وهو حي.
آخر مرة أشم ريحته.
آخر مرة أسمع صوته.
الساعة عدت ستة.
بعدين سبعة.
بعدين تمانية.
وماحدش رجع.
تليفوناتهم مقفولة.
قلبي بدأ يقبض.
لكن كنت بقول لنفسي يمكن الشبكة وحشة.
يمكن اتأخروا.
يمكن أي حاجة.
لحد ما الساعة 847 مساءً.
الباب خبط.
فتحت.
لقيت اتنين ضباط واقفين.
أول ما شفت وشوشهم...
عرفت.
فيه مصيبة.
مصيبة كبيرة.
واحد منهم بلع ريقه وقال
مدام مريم؟
رجلي بدأت تضعف.
قال بصوت منخفض
حضرتك لازم تتفضلي معانا المستشفى.
ساعتها عرفت إن حياتي انتهت.
لكن حتى وأنا راكبة العربية معاهم...
ماكنتش متخيلة إن الكابوس الحقيقي لسه ما بدأش.
وإن الحادثة اللي قالوا إنها قضاء وقدر...
كانت في الحقيقة أول خطوة في مؤامرة هتدمر عيلة كاملة.
وصلت المستشفى وأنا حاسة إن روحي سبقتني هناك.
أول ما دخلت قسم الطوارئ، شفت عربية شريف.
أو اللي فاضل منها.
كانت متكورة زي علبة صفيح مداس عليها.
وقفت مكاني.
رجليا بطلت تشيلني.
الدكتور قرب مني وهو بيبص في الملف اللي بإيده.
قال بصوت هادي
حضرتك زوجة الأستاذ شريف؟
هزيت راسي.
بلعت ريقي بالعافية.
الدكتور سكت ثانية طويلة
البقاء لله.
الكلمة وقعت على دماغي زي الرصاص.
لأ...
خرجت مني ضعيفة.
لأ...
لكن الدكتور كمل
زوجك توفي في مكان الحادث.
صرخت.
أول صرخة حقيقية في حياتي.
صرخة خلت الممرضات كلها تبص عليا.
لكن الدكتور مسكني قبل ما أقع.
وقال
استهدي بالله... ابنك لسه عايش.
رفعت عيني بسرعة.
مازن؟!
قال
في العناية المركزة.
جريت.
مشيت في الممرات وأنا بترنح.
لحد ما وصلت للسرير.
وشفته.
جسمي كله اتجمد.
مازن كان متوصل بأجهزة أكتر من اللي كنت بشوفها في الأفلام.
أنابيب في كل مكان.
رأسه ملفوفة بالشاش.
وجسمه الصغير مرمي على السرير الأبيض.
قربت منه.
مسكت إيده.
كانت باردة.
همست
أنا هنا يا حبيبي.
لكن ما ردش.
ولا فتح عينه.
ولا حتى حرك صباع واحد.
الدكتور قال إن عنده نزيف حاد في المخ.
وإن حالته حرجة جدًا.
وإن الساعات الجاية هي اللي هتحدد كل حاجة.
ومن اللحظة دي...
بدأت رحلة العذاب.
دفنت شريف بعد يومين.
وقفت قدام قبره وأنا حاسة إني بدفن نصي التاني.
لكن ماكنش عندي وقت للحزن.
كان لازم أرجع المستشفى.
عشان مازن.
عشان ابني.
عشان آخر حاجة فاضلالي في الدنيا.
الأيام اتحولت لأسابيع.
والأسابيع اتحولت لشهور.
ست شهور كاملة.
ست شهور وأنا عايشة بين جهاز التنفس وصوت المونيتور.
أنام على كرسي.
وأصحى على كرسي.
وأدعي.
وأبكي.
وأستنى معجزة.
لكن المعجزة ماجتش.
واللي وجعني أكتر من المرض...
كان أهلي.
أبويا وأمي وأختي.
في أول أسبوع جم يزوروا مازن.
بعدها بأسبوعين جم نص ساعة.
بعدها اختفوا تقريبًا.
لحد ما بقيت أنا وغادة صاحبتي بس.
غادة
تجيبلي أكل.
وتقعد جنبي.
وتخليني أشرب مية بالعافية.
أما أهلي...
فكانوا بيكلموني كل فترة يسألوا سؤال واحد بس
لسه في المستشفى؟
كأنهم مستنين النهاية.
وفي صباح يوم الأربعاء...
جت النهاية فعلًا.
الساعة كانت سبعة إلا ربع.
كنت ماسكة إيد مازن.
وفجأة...
صوت الجهاز اتغير.
الدكاترة جروا.
الممرضات جروا.
والأوضة كلها اتقلبت.
فضلوا يحاولوا.
ويحاولوا.
ويحاولوا.
وبعدين...
خرج الصوت الطويل المرعب.
الصافرة المستمرة.
الصوت اللي أي أم بتكرهه.
الصوت اللي معناه إن القلب وقف.
إلى الأبد.
الدكتور بصلي.
وعينه مليانة أسف.
وقال
البقاء لله.
في اللحظة دي...
ما عيطتش.
ما صرختش.
ما انهارتش.
حسيت إن كل المشاعر ماتت جوايا.
كأن روحي طلعت مع مازن.
وسابت جسمي فاضي.
طلعت برة الأوضة.
ورنيت على أمي.
أول ما ردت قلت
ماما... مازن مات.
سكتت ثانية.
ثم قالت
إنا لله وإنا إليه راجعون.
استنيت.
كنت مستنية تسمعني بتقول
جاية.
مستنياها تقول
استحملي يا بنتي.
أنا في الطريق.
لكنها قالت
للأسف مش هنعرف نيجي.
افتكرت إني سمعت غلط.
إيه؟
قالت
إحنا مسافرين بكرة الساحل مع جيهان وشريف.
اتجمدت.
ماما... ده حفيدك.
قالت ببرود
الحجز مدفوع ومش هنعرف نلغيه.
في اللحظة دي...
كان فيه شيء بيتكسر جوايا.
لكن ماكنتش أعرف إن ده مجرد أول كسر.
وإن الحقيقة اللي هعرفها بعد شهور...
هتخليني أتمنى لو الخيانة وقفت عند السفرية وبس.
قفلت المكالمة.
وقعدت أبص للموبايل في إيدي.
ثواني.
دقيقة.
اتنين.
مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
ابني مات.
وأمي مش جاية
كان نفسي أصرخ.
أكسر حاجة.
أعمل أي رد فعل طبيعي.
لكن الغريب إني حسيت ببرود مرعب.
برود كأن قلبي اتحول لحجر.
بعدها بنص ساعة رن تليفوني تاني.
كانت جيهان.
رديت.
قالت بصوت مستفز
ماما قالتلي على اللي حصل.
ما