رجعت سلسلة دهب تمنها مليون جنيه قصص حماده هيكل
لكن بعد أسبوع واحد فقط، بينما كنت أرتب مكتبي الجديد في الشركة...
وصلتني مكالمة من السيدة هالة.
كان صوتها مختلفًا هذه المرة.
متوترًا وخائفًا.
قالت:
ـ "ياسر... محتاجاك ضروري."
ـ "خير يا فندم؟"
سكتت ثوانٍ ثم قالت:
ـ "الإسورة اللي رجعتها لي... اكتشفت إنها كانت السبب في كشف خيانة عمرها عشرين سنة."
تجمدت في مكاني.
ثم أضافت بصوت مرتجف:
ـ "وفي شخص من عيلتي بيحاول يقتلني قبل ما أوصل للحقيقة..."
وهنا أدركت أن قصة الإسورة الذهبية لم تكن قد انتهت بعد... بل كانت مجرد البداية.
أمسكت الهاتف بقوة وقلت بقلق:
ـ "يعني إيه حد يحاول يقتلك؟"
ردت السيدة هالة بصوت منخفض:
ـ "مش أقدر أشرح في التليفون... محتاجاك تيجي الفيلا حالًا."
أنهيت المكالمة وأنا في حالة ذهول.
أنا مجرد عامل دليفري سابق، فما الذي يمكن أن أفعله في أمر كهذا؟
لكن الفضول والخوف عليها دفعاني للذهاب.
بعد أقل من ساعة كنت داخل الفيلا نفسها التي وقفت أمامها قبل أيام أحمل طلب الطعام.
استقبلتني هالة بنفسها.
كانت شاحبة الوجه ومتعبة بشكل واضح.
جلست أمامي في غرفة المكتب، ثم وضعت الإسورة الذهبية على الطاولة.
وقالت:
ـ "عارف إيه أغرب حاجة في الإسورة دي؟"
هززت رأسي بالنفي.
ففتحت العلبة المخملية وأشارت إلى جزء صغير مخفي داخل القفل.
ضغطت عليه فانفتح تجويف سري لم أكن لألاحظه أبدًا.
ومن داخله أخرجت فلاشة صغيرة جدًا.
نظرت إليها بدهشة.
ـ "فلاشة؟!"
قالت:
ـ "أيوه... ولما فتحتها اكتشفت مصيبة."
ثم أدارت شاشة اللابتوب أمامي.
كانت هناك عقود
وأضافت:
ـ "الملفات دي تثبت إن والدي ما ماتش مفلس زي ما الكل قال."
شعرت بالصدمة.
ـ "إزاي؟"
قالت:
ـ "فيه حد سرق جزء كبير من ثروته قبل وفاته... وزور أوراق كتير."
سكتت لحظة ثم أكملت:
ـ "والأخطر إن الشخص ده من العيلة."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
ـ "مين؟"
نظرت نحوي بعينين دامعتين.
ـ "أخويا الكبير... كريم."
ساد الصمت.
كان اسم كريم معروفًا في عالم الأعمال، والجميع يراه رجلًا ناجحًا ومحترمًا.
قالت:
ـ "أبويا اكتشف الحقيقة قبل موته بفترة قصيرة. ويبدو إنه خبّى الأدلة داخل الإسورة لأنه ما كانش واثق في أي حد."
ـ "ولما الإسورة ضاعت؟"
أجابت:
ـ "كريم افتكر إنها اتخلصت منها بالغلط. لكن لما رجعتها ليا... عرف إن الأدلة لسه موجودة."
هنا بدأت أفهم سبب خوفها.
وفجأة رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة فتغير لون وجهها.
ـ "كريم."
ردت على المكالمة والسماعة مفتوحة.
جاء صوته باردًا:
ـ "سمعت إنك رجعتي تدوري في الماضي يا هالة."
لم ترد.
فقال:
ـ "أنصحك تقفلي الملف ده قبل ما تخسري أكتر من الفلوس."
ثم أغلق الخط.
تبادلنا النظرات.
ولأول مرة شعرت أن الأمر أخطر بكثير مما توقعت.
وفي صباح اليوم التالي، توجهت هالة مع محاميها لتسليم نسخة من الملفات للنيابة.
لكن عندما وصلوا إلى المكتب...
اكتشفوا أن المحامي اختفى.
والفلاشة الأصلية اختفت معه.
أما الرسالة الوحيدة التي تركها على مكتبه فكانت مكتوبًا فيها:
"بعض الأسرار ثمنها الحياة."
عندها فقط أدركت هالة أن الخيانة لم تكن
وأن الدائرة حولها كانت أكبر بكثير مما تخيلت.
أما المفاجأة التي اكتشفناها بعد أيام، فقد جعلت اسم آدم ابني يدخل القضية بطريقة لم يتوقعها أحد على الإطلاق...!
مرت ثلاثة أيام كاملة ونحن نبحث عن المحامي والفلاشة الأصلية بلا أي نتيجة.
كانت هالة تعيش في خوف دائم، بينما كنت أحاول التركيز في عملي الجديد ورعاية آدم.
وفي مساء الخميس، حدث شيء غريب.
عاد آدم من المدرسة وهو يحمل ظرفًا صغيرًا.
سألته:
ـ "الظرف ده منين؟"
قال:
ـ "واحد راجل كبير وقفني عند الباب وقال لي أوصله لبابا ياسر."
شعرت بالقلق فورًا.
فتحت الظرف بحذر.
وجدت بداخله مفتاحًا صغيرًا جدًا، ومعه ورقة مكتوب عليها:
"الحقيقة ليست داخل الفلاشة... الحقيقة تحت اسم آدم."
تجمدت في مكاني.
نظرت إلى هالة التي كانت تقف بجواري، فبدت عليها الدهشة نفسها.
وبعد ساعات من البحث والتدقيق في المستندات التي كانت موجودة على نسخة احتياطية من الملفات، اكتشفنا مفاجأة لم تخطر على بال أحد.
قبل سبع سنوات، كان والد هالة قد أسس صندوقًا استثماريًا سريًا لحماية جزء من ثروته من التلاعب.
ولكي لا يصل إليه أي شخص من أفراد العائلة الجشعين، سجّل الحساب باسم رمزي.
ذلك الاسم كان:
"آدم".
ليس ابني تحديدًا، وإنما الاسم الذي كان والد هالة ينوي أن يطلقه على حفيده الذي لم يولد وقتها.
لكن المصادفة العجيبة أن اسم ابني كان هو نفسه.
أما المفتاح الموجود في الظرف، فكان مفتاح خزنة بأحد البنوك.
في صباح اليوم التالي، توجهنا مع النيابة إلى البنك.
وبعد إجراءات طويلة،
كان بداخلها ملفات أصلية، وعقود، وتسجيلات صوتية، وأدلة دامغة تثبت أن كريم اختلس ملايين الجنيهات من شركات والده على مدار سنوات، وزور مستندات الميراث بعد الوفاة.
لم يعد أمامه أي مخرج.
وخلال أسابيع قليلة بدأت التحقيقات الرسمية.
وحاول كريم الهرب خارج البلاد، لكنه أُلقي القبض عليه قبل سفره بساعات.
أما المحامي المختفي، فقد ظهر لاحقًا واعترف بأنه تلقى أموالًا مقابل سرقة الفلاشة وإخفائها.
انتهت القضية بحكم قضائي أعاد جزءًا كبيرًا من الحقوق إلى هالة.
وفي يوم إعلان الحكم، اتصلت بي وطلبت مقابلتي.
ذهبت إلى مكتبها وأنا أظن أنها تريد فقط الاحتفال بانتهاء الكابوس.
لكنها فاجأتني بملف جديد.
ابتسمت وقالت:
ـ "فاكر يوم ما قلت لي إنك مش لاقي فلوس علاج ابنك؟"
هززت رأسي.
قالت:
ـ "لو أنت خدت الإسورة يومها، كان ممكن تبقى غني يومين وتضيع بعدها."
ثم دفعت الملف نحوي.
فتحت الملف فوجدت عقد تمليك.
نظرت إليها غير مصدق.
ـ "إيه ده؟"
قالت:
ـ "شقة باسمك في مدينة نصر، ومدفوعة بالكامل."
شعرت أن الكلمات هربت مني.
وأضافت:
ـ "وفيه حساب تعليمي لآدم يضمن مصاريف دراسته لحد الجامعة."
لم أتمالك دموعي.
بعد شهور انتقلنا أنا وآدم إلى بيتنا الجديد.
تحسنت صحته تدريجيًا، وعاد يضحك ويلعب مثل أي طفل في سنه.
وفي إحدى الليالي، بينما كنا نجلس في شرفة الشقة الجديدة، سألني:
ـ "بابا... هو ربنا بيكافئ الناس لما تعمل الصح؟"
نظرت إليه طويلًا.
ثم تذكرت تلك الليلة أمام الفيلا، عندما جلست على الرصيف ممسكًا
ابتسمت وربتُّ على رأسه وقلت:
ـ "مش دايمًا المكافأة بتيجي بسرعة يا آدم... لكن عمر الأمانة ما ضيعت صاحبها."
ابتسم ابني، وأسند رأسه على كتفي.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
شعرت أن الحياة أنصفتني أخيرًا.
تمت.