كذبت على أبي
كذبت على أبي وأخبرته أنني أخفقت في امتحان الثانوية العامة، رغم أن نتيجتي كانت من بين الأعلى على مستوى المحافظة.
أما أبي...
فلم يكن يعنيه الرقم أصلًا.
كل ما كان يعنيه هو شيء آخر.
شيء لم أفهمه إلا قبل أسبوعين فقط.
في ذلك اليوم، عدت إلى المنزل مبكرًا على غير عادتي.
وعندما مررت بجوار غرفة المكتب، سمعت صوت زوجة أبي.
كان الباب مواربًا قليلًا.
ولم أكن أنوي التنصت.
لكن اسمي جعلني أتوقف.
قالت بصوت منخفض
هدى أتمت الثامنة عشرة يا محمود.
ساد الصمت للحظة.
ثم أضافت
البيت أصبح تحت تصرفها بالكامل الآن.
تجمدت في مكاني.
البيت
بيت أمي.
المنزل الذي ورثته عن جدها، والذي أصرت قبل وفاتها على تسجيله باسمي.
لم يكن قصرًا.
ولم يكن ثروة ضخمة.
لكنه كان آخر شيء يربطني بها.
آخر شيء تركته لي في هذا العالم.
سمعت زوجة أبي تتابع حديثها
مروة تريد الالتحاق بجامعة خاصة، والمصاريف أصبحت خيالية. لو استطعنا بيع البيت ستنتهي كل مشاكلنا.
تنهد أبي طويلًا.
ثم قال
الأمر ليس بهذه السهولة.
ولماذا؟ أنت والدها.
لأن الأوراق كلها باسمها.
ضحكت زوجته.
ثم قالت
ستوقع.
وكيف؟
اجعلها تحتاج إليك.
اجعلها تشعر أنها لا تملك أحدًا غيرك.
عندها ستوقع على أي شيء.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
ساد الصمت.
ثم قال شيئًا انتزع آخر ما تبقى لدي من حب نحوه
عندما تفشل في الامتحان سأطردها من المنزل وأجعلها تذهب الى خالتها الفقيرة.. وعندها ستدرك أنها لا تساوي شيئًا من دوني. وعندما تصبح يائسة، سأعطيها بعض المال القليل، وستوقع على أي شيء أريده.
ضحكت زوجة أبي.
حبست أنفاسي.
وأنا اسمع خطتهم.
التنازل المزيف عن الحقوق.
الضغوط.
أساليب التجويع.
والطريقة التي خطط بها أبي لتحطيمي وسرقة الشيء الوحيد الذي تركته لي أمي.
وضعت يدي على فمي.
لم أصدق ما أسمعه.
كنت أظن أن أبي قاسٍ.
لكنني لم أتخيل يومًا أنه كان يخطط لاستغلالي بهذه الطريقة.
عدت إلى غرفتي يومها
جلست لساعات أحدق في صورة أمي.
ثم اتخذت قراري.
ومنذ تلك اللحظة بدأت أستعد.
لهذا السبب كذبت عليه بشأن النتيجة.
ولهذا السبب لم أعترض عندما طلب مني ألا أعود إلى المنزل.
لأنني لم أكن الضحية التي كان يتوقعها.
ولأنني كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط...
هذه المرة، لن آخذ حقي بالبكاء.
ثم توجهت إلى غرفتي للمرة الأخيرة.
لم يكن لدي الكثير لأحمله.
بعض الملابس.
أوراقي الرسمية.
شهادة ميلادي.
بطاقتي الشخصية.
وصورة قديمة لأمي احتفظت بها داخل درج مكتبي سنوات طويلة.
أخرجت الصورة وتأملتها.
كانت تبتسم.
الابتسامة نفسها التي كانت تجعلني أشعر بالأمان مهما حدث.
مررت أصابعي فوق وجهها.
وهمست
أتمنى أنكِ ما زلتِ ترينني يا أمي.
ثم وضعت الصورة داخل حقيبتي.
ومن خلف الباب كانت أصوات الضحكات تصلني من غرفة الجلوس.
ضحكات أبي وزوجته وابنتهما.
كانوا يحتفلون بشيء ما.
ربما كانوا يحتفلون بالتخلص مني.
ابتسمت بسخرية.
ثم أغلقت الحقيبة.
وحملت كل ما أملك في هذه الحياة.
وغادرت.
في تلك الليلة استقبلتني خالة أمي في شقتها الصغيرة.
وعندما رأت الحقيبة في يدي، اختفت ابتسامتها فورًا.
سألتني
ماذا حدث؟
قولت لها كل شيء ومع كل كلمة كانت ملامحها تتغير.
حتى انتهيت
فوضعت يدها على فمها.
وقالت بصوت مرتجف
لم أكن أتخيل أنه قد يفعل هذا.
أطرقت رأسي.
فقالت وهي تمسك بيدي
أمك اختارت زوجًا سيئًا، لكنها تركت وراءها ابنة ذكية جدًا.
لأول مرة منذ شهور شعرت أن أحدًا يقف في صفي.
قلت لها
خالتي أحتاج إلى الاختباء بضعة أيام.. ولا تقولي لإبي إني جئت هنا
قالت
حسنا لن أقول.
ثم أضفت
وسأحتاج منك أن تؤدي دورًا معي.
لم تطرح أي أسئلة.
كل ما قالته كان
أخبريني ما هو دوري.
وبعد أسبوع أكان أبي يقيم حفلة ضخمة لابنة زوجته بعد ظهور النتيجة.
رغم أنها حصلت على مجموع عادي.
قاعة فاخرة.
مصورون.
أقارب.
وعدد هائل من المدعوين.
وكأنها حققت معجزة.
عندما سمعت الخبر ابتسمت.
لأنني أدركت أن الفرصة التي كنت أنتظرها قد وصلت.
بعد أسبوع وقفت أمام القاعة.
مرتدية ثوبًا أسود بسيطًا.
وفي يدي ملف كبير.
بداخله نسخة من النتيجة.
ونسخة من تسجيل قمت بتسجيله.
وكل الأوراق التي تثبت حقي.
لم يرني أحد بعد.
وكان الجميع منشغلين بالاحتفال.
وقفت أراقب من بعيد.
ثم اهتز هاتفي فجأة.
كان المتصل محامي أمي.
أجبت بسرعة
ألو؟
جاء صوته متوترًا على غير عادته.
هدى... أين أنتِ الآن؟
أمام القاعة.
ساد صمت قصير.
ثم قال
لا تدخلي بعد.
شعرت بانقباض في صدري.
لماذا؟
فأجاب
لأن والدك توجّه إلى الشهر العقاري اليوم ومعه فتاة تدّعي أنها أنتِ...
شعرت وكأن قاعة الاحتفال اختفت من حولي.
استمرت الموسيقى في العزف.
وكان العاملون يتنقلون بين الطاولات حاملين المشروبات والحلوى.
وكانت مروة تضحك تحت الزينة الذهبية.
أما أبي فكان يرفع كأس العصير بفخر وكأنه أسعد رجل في العالم.
وفي الوقت نفسه...
كان هناك من يحاول الاستيلاء على بيت أمي مستخدمًا اسمي.
سألت
كيف عرفت؟
أجاب بسرعة
أحد الموظفين شك في الأوراق وأوقف الإجراءات مؤقتًا، ثم اتصل بشخص أعرفه. وصلتني المعلومة متأخرة، لكن يبدو أنهم حاولوا تمرير المعاملة قبل اكتشاف الأمر.
ثم أضاف بلهجة حازمة
اسمعيني جيدًا يا هدى. لا تفعلي أي شيء متهور. إذا كانت هناك محاولة تزوير فعلًا فسنثبتها قانونيًا.
نظرت إلى الملف الذي بين يدي.
ثم قلت
قبل أي شيء...
هناك أشخاص يجب أن يسمعوا الحقيقة.
وأغلقت الخط.
ثم اتجهت نحو المنصة.
رآني أبي عندما أصبحت على بعد خطوات قليلة منه.
اختفت ابتسامته فورًا.
وشحب وجه زوجته.
وتوقفت مروة عن التقاط الصور.
صعدت الدرجات دون أن ترتجف قدماي.
وأمسكت الميكروفون.
وقلت
مساء الخير.
توقفت الموسيقى.
واستدار الجميع نحوي.
اقترب أبي بسرعة.
وقال
انزلي من هناك يا هدى.
قلت
لماذا؟ ألا تريد أن تتباهى بابنتك الأخرى
انتشرت الهمسات في أنحاء القاعة.
أخرجت نتيجة الثانوية العامة ورفعتها عاليًا.
وقلت
حصلت على 98 7.
لقد نجحت.
بل كنت من بين أوائل المحافظة.
كذبت فقط لأرى ماذا سيفعل أبي عندما يعتقد أنني لم أعد أملك ما يريده.
شدّت زوجته فكيها بقوة.
وحاول أبي انتزاع الورقة من يدي.
لكنني تراجعت خطوة إلى الخلف.
وقلت
وقد نجحت الخطة.
لقد طردني من المنزل.
تمامًا كما كان يخطط.
تغيرت ملامح مروة.
وقالت
أبي؟
التفت إليها.
وقال
لا تستمعي إلى هذا الهراء.
عندها شغلت التسجيل.
وانطلق صوت زوجة أبي من مكبر الصوت الصغير الذي أخفيته داخل حقيبتي
هدى أتمت الثامنة عشرة يا محمود. البيت أصبح تحت تصرفها بالكامل الآن.
تجمدت القاعة بأكملها.
ثم انطلق صوت أبي
إذا تعثرت في النتيجة أو شعرت أنها لا تملك أحدًا غيري فستفعل أي شيء أطلبه منها.
ساد صمت ثقيل.
ثم ارتفعت شهقة من إحدى السيدات.
وقالت
يا ساتر يا رب...
وتبعها صوت رجل من آخر القاعة
لا حول ولا قوة إلا بالله.
وانطلقت الهمسات بين المدعوين.
طردها من المنزل فعلًا؟
كل هذا بسبب البيت؟
لا حول ولا قوة إلا بالله...
حاولت زوجة أبي أن تتقدم نحوي.
لكن خالتي وقفت بجانبي كالجدار.
وقالت ببرود
لا تحاولي.
خفض أبي صوته.
وقال
هدى... أوقفي هذا. أنتِ تفضحين نفسك.
قلت
لا.
الذي يفضح نفسه هو من يحاول استخدام فتاة أخرى لتنتحل شخصيتي في الشهر العقاري.
سقط الكأس من يد مروة.
وتحطم على الأرض.
وبدت الصدمة واضحة على وجهها.
وقالت
ماذا؟
نظر إليّ أبي بكراهية خالصة.
وقال
أنتِ لا تعرفين عمّ تتحدثين.
قلت
بل أعرف.
وكذلك محامي أمي.
وفي تلك اللحظة دخل محامي أمي القاعة مسرعًا.
كان يحمل ملفًا كبيرًا وهاتفه في يده.
تقدم نحونا مباشرة.
وقال
محمود... أعتقد أن لدينا أمورًا كثيرة تحتاج إلى تفسير.
حاول أبي أن يضحك.
وقال
هذه مناسبة عائلية.
نظرت إليه.
ثم قلت
لا.
لقد كانت مصيدة عائلية.
أمسكت زوجة أبي بيد
وقالت
هيا بنا.
لكن مروة سحبت يدها بعيدًا.
ثم سألت
هل كنتم تحاولون أخذ بيت أمها؟
لم يجب أحد.
لأن الإجابة كانت مكتوبة على وجوههم جميعًا.
ونظرت إلى أبي.
للمرة الأولى في حياتي...
لم أر فيه أبًا.
غادرنا القاعة بعد ذلك مباشرة.
وفي صباح اليوم التالي