ابني بلال ٢
الشاب – اللي طلع اسمه يوسف – بص لي وعينيه مليانة دموع وحيرة، وقال: "أنا مش فاهم حاجة.. أنا طول عمري عايش مع أبويا عماد، من يوم ما وعيت على الدنيا وهو بيقول لي إن أمي ماتت وهي بتولدني، وإننا ملناش حد في الدنيا.. الصورة دي قالي إنها صورتي وأنا صغير.. أنا من كام شهر بس بدأت أشوف أحلام غريبة.. بشوفك أنتِ يا أمي.. بشوف الوش ده بينده عليا.. ولما رسمتك وطلعتِ لي في اللايف، أنا خفت.. خفت وحسيت إن فيه سر كبير مستخبي عني!"
في اللحظة دي، شريط الـ 15 سنة كله اتعرض قدام عيني في ثانية. افتكرت يوم ما بلال اختفى.. افتكرت إن عماد في اليوم ده كان عندنا في البيت، واختفى فجأة بحجة إنه رايح مشوار، وافتكرت إن مصطفى بعديها بكام شهر أقنعني إننا ننقل من منطقتنا ونروح محافظة تانية عشان "ننسى الوجع". وافتكرت نظرات مصطفى وعماد لبعض في كل عزا أو كل مرة كنت بفتح فيها سيرة بلال.
التفتت لمصطفى وبصيت له بنظرة مليانة غل وكسرة قلب.. صرخت فيه: "أنت كنت عارف؟ قولي إنك مكنتش عارف! أخوك سرق ابني؟ أخوك حرمني من ضنايا 15 سنة وأنت كنت بتقولي ادعيله بالرحمة وسيبك من الأوهام؟!"
مصطفى حط إيده على وشه وبدأ يعيط بنشيج يقطع القلب، قعد على ركبه
الدنيا دارت بيا.. حسيت إن الحيطان بتميل عليا والنور بيقفل. جوزي.. شريك عمري.. أبو ابني.. كان عارف! كان بياكل معايا في طبق واحد وهو دافن ابني بالحيا في محافظة تانية! كان بيشوفني بموت كل يوم وهو معاه مفتاح السر وكاتمه في قلبه عشان "أخوه لحمه ودمه"! وأنا؟ أنا مكنتش لحمه ودمه؟ الوجع اللي عشته 15 سنة مكنش يشفع لي عنده؟
يوسف (أو بلال) كان واقف بيسمع الكلام ده وجسمه كله بيترعش.. بص لعماد اللي كان واقف زي الفأر المبلول في الصالة وقال له بصوت كله قهر: "أنت مش أبويا؟ أنت خطفتني؟ السنين دي كلها كنت بتكذب عليا؟ حرِمتني من أمي اللي كانت بتجيلي في الحلم
عماد حاول يقرب منه وهو بيبكي: "يا ابني أنا ربيتك أحسن تربية.. أنا محرمتكش من حاجة.. أنا حبيتك أكتر من نفسي!"
"متجيبش اسم الحب على لسانك!" صرخت فيها أنا، ودخلت الشقة زي الإعصار.. مكنتش شايفة قدامي.. مسكت عماد من هدومه وفضلت أضرب فيه بكل غل الدنيا، بضرب فيه وبعوض 15 سنة من الدموع، 15 سنة من السهر والتعب وقلة النوم.. 15 سنة وأنا ببص في وشوش الناس في الشارع بدور على ملامح ابني، وهو حابسه هنا ومغير اسمه ومفهّمه إن أمه ماتت!
يوسف جه وحجزني عنه.. أخدني اللي كنت مستنياه من 15 سنة. حسيت بدفا غريب.. حسيت إن عضمي اللي كان بيوجعني ارتاح. شميت ريحته.. مكنتش ريحة عيل صغير، كانت ريحة راجل.. بس هي نفس الريحة اللي انطبعت في روحي يوم ما ولدته.
فضلت أعيط كأني خايفة يختفي تاني.. قولتله وأنا بنهج: "أنت بلال.. أنت ابني.. عندك نمش خفيف هنا عند مناخيرك.. وكنت بتغني ودندن وأنت صغير.. افتكرني يا بلال.. عشان خاطر ربنا افتكرني!"
بلال دموعه نزلت وباس راسي وقال: "أنا منسيتكيش يا أمي.. الوش ده كان دايماً معايا.. كنت برسمه من غير ما أعرف هو مين.. سبحان الله، الروح عمرها ما بتكدب".
التفت لورا.. لقيت مصطفى واقف
طلعت موبايلي وبإيد ترعش كلمت الشرطة.. بلغت عن واقعة خطف وتستر بقالها 15 سنة. عماد قعد في الأرض مستسلم، ومصطفى متحركش من مكانه، كأنه كان مستني اللحظة دي عشان يرتاح من ذنب بقاله سنين كاتم على نفسه.
الشرطة جت وأخدتهم هما الاتنين.. وأنا وافقت أروح معاهم عشان الإجراءات وتحليل الـ DNA اللي هيثبت كل حاجة قانوناً، رغم إن قلبي مكنش محتاج أي إثبات.
وأنا خارجة من الشقة، بلال مسك إيدي.. بص في عيني وقال لي: "أنا هاجي معاكي يا أمي.. مش هسيبك تاني".
بصيت لكشكول الرسم اللي كان راميه على التربيزة، وأخدته في إيدي.. الكشكول اللي كان السبيل الوحيد اللي رجع لي ابني بعد السنين دي كلها.
العدالة أخدت مجراها.. مصطفى وأخوه أخدوا جزاءهم، وأنا بدأت رحلة جديدة.. رحلة إني أتعرف على ابني الراجل، وأعوضه عن كل السنين اللي ضاعت مننا.. السنين اللي عشناها في كذبة، بس نهايتها كانت الحقيقة اللي قلبي دايماً كان