روحت اقدم لابني في المدرسة ٣

لمحة نيوز

كانت باين عليها الطيبة، ملامحها هادية، ولابسة عباية شيك بس وشها كان شاحب وعينها منفوخة من العياط.. عرفت على طول إنها "غادة".. الزوجة الأولى.
غادة أول ما دخلت وشافتني، وشافت أدم في حضني.. رجليها شالتهاش وقعدت على أقرب كرسي.. بقت تبص لأدم بنظرات غريبة.. خليط من الصدمة، والذهول، والحنان.. والكسرة.
​وكيل النيابة بدأ التحقيق.. سأل غادة: "مدام غادة.. أنتِ تعرفي إن جوزك طارق متجوز من سبع سنين الست منى اللي قاعدة قدامك دي؟"
غادة صوتها كان بيترعش وهي بتقول: "لا يا فندم.. والله العظيم ما أعرف.. طارق طول عمره معايا، بيسافر بحجة الشغل يومين في الأسبوع ويقولي عندي تسليم بضاعة في المحافظات.. مكنتش أعرف إنه فاتح بيت تاني.. وعايش مع واحدة تانية."
​الوكيل طلع شهادة الميلاد الحقيقية وقالها: "طب وتعرفي إن طارق سجل الطفل 'أدم' ده باسمك أنتِ في شهادة الميلاد؟ يعني أنتِ أم الطفل ده قدام الحكومة؟"
غادة شهقت بصدمة، وبصت للشهادة وبقت تقرأ

اسمها المكتوب في خانة الأم.. الدموع نزلت من عينيها وبصت لطارق اللي كان واقف في الكلبشات في زاوية الأوضة وقالتله:
"عملت كدة ليه يا طارق؟ للدرجة دي كنت شايفني قاصرة ومكسورة عشان مباخلفش؟ تروح تضحك على ولية غلبانة وتسرق ابنها وتكتبه باسمي؟ أنت إيه يا أخي؟ معندكش دين؟ معندكش رحمة؟"
​طارق رد بصوت مكسور: "كنت عايز أفرحك يا غادة.. وكنت عايز أضمن إن الولد يورث لما نكبر.. ومكنتش عايز عمي يعرف حاجة!"
غادة وقفت بكل كبرياء، وبصت لوكيل النيابة وقالت بقوة:
"يا فندم.. أنا بطعن في شهادة الميلاد دي.. وبقر وبأعترف إن الطفل ده مش ابني.. أنا مخلفتهوش.. والست دي هي أمه.. أنا مش هبني سعادتي على خراب بيت غيري.. ولا هقبل أخد ابن ست تانية انحرمت من اسمها بسببي.. أنا بطلب الطلاق من البني آدم ده.. ومش عايزة أشوف وشه تاني!"
​الكلمات دي نزلت على قلبي زي البلسم.. بصيت لغادة والدموع في عيني.. شافتني وبكت، وجت عليا وقعدت جمبي، وحضنتني.. الست اللي
كان المفروض تكون ضرتي وعدوتي.. بقت هي الوحيدة اللي حاسة بوجعي.. اتجمعنا إحنا الاتنين على غدر راجل واحد خانا إحنا الاتنين ودمر حياتنا بأنانية مفرطة.
​غادة قالتلي وهي بتطبطب عليا: "سامحيني يا منى.. أنا ماليش ذنب.. أنا مكنتش أعرف والله.. ابنك هيرجع لحضنك وباسمك.. وأنا مش هسيب حقك ولا حقي."
​بعد تالت أيام من التحقيقات والعذاب.. النيابة أمرت بتحويل أدم وعمل تحليل DNA ليا وليه لإثبات الأمومة.. النتيجة طلعت بعد فترة وأثبتت طبعاً إن أدم ابني من دمي ولحمي.. وبحكم من المحكمة، تم إلغاء شهادة الميلاد القديمة وتعديل البيانات، واتكتب اسمي أخيراً في خانة الأم.. الاسم اللي كان المفروض يتكتب من سبع سنين.
​أما طارق.. فغادة وأهلها مسبهوش.. عمها عرف الحقيقة وطرد طارق من كل المحلات والشغل، وغادة رفعت قضية خلع وكسبتها، وطارق اتسجن بتهمة التزوير والجناية دي قعد فيها سنين ورا القضبان.. خسر كل حاجة.. خسر فلوسه، وخسر مراته الأولى، وخسرني،
وخسر ابنه اللي كان هيموت عليه.. طمعه وأنانيته ضيعوا منه كل الدنيا.
​النهاردة.. بعد مرور سنة كاملة على الحادثة دي.. أنا قاعدة في صالون بيتي الجديد اللي أجرته بفلوس شغلي.. أيوة، نزلت اشتغلت واعتمدت على نفسي عشان أصرف على ابني..
الباب خبط.. قمت فتحت، لقيت غادة واقفة وبتضحك ومعاها شنطة ألعاب كبيرة لأدم..
أيوة.. غادة بقت صاحبتي الوحيدة.. الوجع المشترك عمل بينا رابطة أقوى من أي صلة دم.. هي بتعز أدم جداً وبتعتبره زي ابنها، وأدم بيحبها وبيقولها يا طنط غادة.
​بصيت لأدم وهو بيجري ويلعب في الصالة، وافتكرت اليوم اللي رحت فيه المدرسة.. اليوم اللي كنت فاكراه مصيبة وخراب مستعجل.. بس طلع هو البداية الحقيقية لحياتي.. البداية اللي فوقتني من وهم كبير، ورجعتلي كرامتي، ورجعتلي اسم ابني اللي كان هيتسرق مني.
عرفت إن ربنا لما بيقفل باب، بيقفلوا عشان يحمينا من شر مكناش شايفينه.. وإن الحقيقة، مهما كانت مرة وبتجرح، بتبتدي دايماً خطوة أولى
لحياة نظيفة وصادقة.

تم نسخ الرابط