بعد ما جدتى توفت

لمحة نيوز


ما سبتكيش.
اتضح إن خالي فؤاد وخالاتي رفعوا دعاوى ضدي وقتها.
وادعوا إني غير مؤهل لرعايتك.
وإن عندي مشاكل مالية ونفسية.
وزوروا شهادات وتقارير.
واستغلوا فترة مرضي بعد
حادثة كبيرة تعرضتلها.
وفي الآخر المحكمة حكمت مؤقتًا ببقائك مع جدتك.
لكن اللي حصل بعد كده كان أسوأ.
اختفيت من كل مكان.
كل عنوان أروحه ألاقى البيت اتغير.
كل رقم أتصل بيه يبقى مقفول.
لحد ما جدتك نفسها اختفت بيكي من حياتهم كلهم.
وحافظت عليكي بعيد.
سألته
ليه ما دورتش تاني؟
رفع رأسه.
وكان واضح إن السؤال ده عذبه سنين.
دورت 20 سنة يا ندى.
20 سنة كاملة.
شعرت بقلبي بيتقطع.
وجدتي
كانت بتحميني.
وفي نفس الوقت بتحاول تحميني من حرب كاملة.
خلال الأيام اللي بعدها بدأت الحقيقة تظهر قطعة قطعة.
المحامي فتح ملفات قديمة.
واكتشفنا إن بيت أمي الأصلي فعلاً اتباع بأوراق مزورة.
وإن خالي فؤاد حصل على توكيلات مزيفة.
وإن جزء كبير من أملاك العيلة اختفى عبر السنين.
لكن الحاجة اللي خلت الكل يتصدم
كانت دفاتر جدتي.
الحاجة زينب كانت بتسجل كل شيء.
كل قرش.
كل ورقة.
كل توقيع.
كل تهديد.
كل زيارة.
كل محاولة استغلال.
في 17 دفتر مختلف.
كأنها كانت عارفة إن اليوم ده هييجي.
وفي آخر دفتر كتبت
لو

بتقري الكلام ده يا ندى يبقى أنا مشيت.
وأعرف إن الحق عمره ما بيضيع.
بس ساعات بيحتاج حد شجاع يطلعه للنور.
بعد أسبوعين.
وصلت استدعاءات قانونية لكل خالاتي وخالي.
الدنيا اتقلبت.
فجأة بقوا بيتصلوا.
ويعتذروا.
ويقولوا حصل سوء تفاهم.
خالتي نجلاء كانت أول واحدة.
عيطت في التليفون.
وقالت
إحنا أهلك يا ندى.
ابتسمت بحزن.
وقلت
لأ.
إيه؟
الأهل كانوا بييجوا يزوروا جدتي وهي عيانة.
الأهل ما كانوش بينبشوا في دولابها بعد الوفاة.
وقفلت المكالمة.
أما معتز
ابن خالتي اللي كان بيضحك يوم الدفنة
فهو أول واحد انهار.
لأن التحقيقات أثبتت إنه شارك في نقل بعض الممتلكات بأسماء وهمية.
وفجأة بقى يجري بين المحامين والمحاكم.
زي ما كان بيجري بين الأدراج يوم وفاة جدتي.
لكن المرة دي ما كانش فيه حاجة يسرقها.
بعد شهور طويلة من القضايا.
صدر الحكم.
إلغاء عقود البيع المزورة.
واسترداد العقارات.
وتعويضات مالية ضخمة.
وأصبحت كل ممتلكات جدتي وأمي مسجلة رسميًا باسمي.
لكن الغريب
إن الفلوس ما كانتش أهم حاجة.
أبدًا.
أهم يوم في حياتي كان بعد الحكم بأسبوع.
كنت قاعدة في الجنينة الصغيرة القديمة.
نفس الجنينة اللي كانت جدتي تزرع فيها النعناع.
ورفيق قاعد قدامي.
ساكت.
متوتر.

كأنه خايف.
سألته
مالك؟
ابتسم بخجل.
وقال
طول عمري كنت بحلم بيوم واحد.
إيه هو؟
إنك تناديني بابا.
نظرت له طويلًا.
للشعر الأبيض.
والسنين اللي ضاعت.
والوجع اللي عاشه.
والوجع اللي عشته أنا كمان.
ثم ابتسمت.
وقلت بهدوء
محتاجة وقت.
لمعت الدموع في عينيه.
لكنه هز رأسه وقال
هستنى.
عشرين سنة كمان؟
ضحك وسط دموعه.
وقال
حتى لو العمر كله.
بعد سنة كاملة.
حولت البيت القديم لمؤسسة خيرية باسم الحاجة زينب.
مكان يساعد كبار السن اللي اتسابوا لوحدهم.
ويقدم لهم رعاية حقيقية.
الرعاية اللي جدتي كانت تستحقها.
وعلقت صورتها عند المدخل.
وبجانبها لوحة صغيرة مكتوب عليها
هنا تعيش الكرامة.
إهداء من حفيدتك التي لم تتخلي عنها يومًا.
وفي يوم الافتتاح.
وقفت قدام الصورة.
ولأول مرة منذ رحيلها.
ما بكيتش.
ابتسمت فقط.
لأني فهمت أخيرًا سر المريلة الزرقاء.
جدتي ما كانتش بتخبّي فلوس.
كانت بتخبّي الحقيقة.
وكانت واثقة
إن حفيدتها هتلاقيها في الوقت المناسب.
وبعد انتهاء الافتتاح، الناس بدأت تمشي واحدة واحدة.
فضلت واقفة قدام صورة جدتي.
وبجانبي الراجل اللي ضاع من عمره عشرين سنة وهو بيدور عليا.
أبويا.
رفيق.
مد إيده بتردد.
ولأول مرة
أنا اللي مسكتها.
بصلي وكأنه خايف
اللحظة تختفي.
وقلت له بابتسامة صغيرة
يلا يا بابا نروح البيت.
الكلمة وقفت الزمن ثواني.
عينيه اتمَلّوا دموع.
وحاول يتكلم، لكنه ما قدرش.
فقط هز رأسه ومشى جنبي.
في الطريق، افتكرت جدتي.
افتكرت تعبها.
وصبرها.
والسنين اللي عاشت فيها شايلة أسرار أكبر من طاقتها.
وفهمت أخيرًا ليه كانت دايمًا تقول
الفلوس بتكشف الناس يا ندى لكن الحقيقة بتكشفهم أكتر.
خالاتي وخالي خسروا كل شيء تقريبًا.
مش بسبب الفلوس.
لكن لأن الطمع أكل آخر حاجة كانت فاضلة عندهم احترام الناس.
أما أنا
فكسبت بيتي.
واسترديت حقي.
ولقيت أبويا.
لكن أكبر مكسب كان إني عرفت إن الست العجوز اللي كانت بتلبس مريلة زرقا قديمة كل يوم
ما كانتش مجرد جدة.
كانت بطلة حقيقية.
حمتني وأنا طفلة.
وحفظت حقي وأنا كبيرة.
وسابتلي الطريق كله مرسوم قبل ما ترحل.
وفي ليلة هادئة بعد شهور، دخلت أوضتها القديمة.
فتحت الدرج اللي كانت بتحط فيه مسبحتها.
ولقيت ورقة صغيرة جدًا ماكنتش شفتها قبل كده.
مكتوب فيها بخطها المرتعش
لو وصلتي لهنا يا ندى
يبقى انتصرتي.
سامحيني إني خبيت عنك حاجات كتير.
بس كنت بحارب علشانك.
ولما تقفي قدام المراية يومًا ما
افتكري إنك أقوى مما تتخيلي.
وأغلى من كل الفلوس اللي سبتها.
بحبك.

تيتة زينب.
حضنت الورقة على صدري.
وبكيت.
لكنها كانت أول دموع راحة أنزلها من سنين.
رفعت عيني للسما.
وهمست
متقلقيش يا تيتة
الأمانة وصلت.
والحق رجع.
وأنا بقيت بخير.
لأول مرة فعلًا
خير.
تمت

تم نسخ الرابط