باع زوج أمي دمه
فحص الحمض النووي أبو سيف ليس زوج أم سيف... بل هو والده الحقيقي.
لم أستطع أن أكمل القراءة.
كانت الورقة تحرق يدي.
قبل ثلاثة أشهر، عندما بدأ وجه أبي سيف يميل إلى الاصفرار، وعندما رأيته يتعب وهو يصعد درجتين فقط، أخذته سرًا إلى مستشفى خاص في بغداد لإجراء فحوصات كاملة. هو ظنّ أنها مجرد مراجعة عادية. أما أنا فطلبت أيضًا فحص الحمض النووي، لأنني كنت قد وجدت رسالة قديمة من أمي داخل صندوق خشبي متهالك.
رسالة لم تُرسل أبدًا.
رسالة كانت تكتب فيها
أبو سيف، سامحني لأنني تركت سيف يكبر وهو يعتقد أنه ليس ابنك.
ومنذ ذلك اليوم، بقيت الوثيقة داخل درج مكتبي.
ليس لأنني كنت أشك فيه.
بل لأنني كنت أخاف أن أتأكد أن الرجل الذي أعطى دمه من أجلي لم يكن أبًا بالحب فقط، بل بالدم أيضًا، وأن أحدًا لم يخبره.
تبعت أبا سيف حتى وصل إلى مسجد صغير في زقاق هادئ قرب سوق قديم، حيث تختلط رائحة الخبز الحار برائحة البنزين وغبار الشارع.
جلس على دكة إسمنتية خارج المسجد.
خلع قبعته القديمة.
وبكى.
لم يبكِ كما يبكي الرجال حين يريدون أن يراهم أحد.
بكى بصمت، منكسراً، مطأطئ الرأس، يخفي وجهه بكلتا يديه، وكأنه حتى في وجعه يحاول ألا يزعج أحدًا.
وقفت خلف عمود قريب، والظرف في يدي.
نزلت زوجتي مريم من
سيف، إذا كانت هاي مفاجأة، فهي طلعت قسوة مو مفاجأة.
لم أجب.
لأنها كانت محقة.
اقتربت ببطء.
يابه.
رفع أبو سيف رأسه.
مسح عينيه بسرعة، كأنه خجل من دموعه.
لا تكلي هسه يابه يا ولدي... ترى الكلمة تكسرني أكثر.
جلست على ركبتي أمامه.
كان الناس يمرون قربنا. امرأة تحمل أكياس السوق، شاب يبيع العصير على عربة صغيرة، وطفلان يركضان بملابس المدرسة. بغداد كانت تواصل ضجيجها وحياتها، بينما عالمي كله توقف على تلك الدكة الإسمنتية.
قلت له
ما راح أعطيك دينار واحد.
أغمض عينيه.
فهمت يابا.
لا. ما فهمت.
أخرجت أول ورقة من الظرف.
ما راح أعطيك دينار واحد لأنني لن أقرضك شيئًا. لأنك لن تبيع الحلوى في الشارع حتى ترد لي المال. لأنك لن تكون مديونًا لي ولا بدينار واحد.
فتح أبو سيف عينيه.
وضعت أمامه ورقة العملية.
العملية مدفوعة بالكامل.
لم يتكلم.
ظل ينظر إلى الورقة.
شنو؟
في المستشفى. دخولك يوم الاثنين. تحدثت مع الطبيب. العملية، الفحوصات، العلاج، وفترة النقاهة... كل شيء مدفوع.
بدأت شفتاه ترتجفان.
ولدي...
وأنت لن ترجع إلى تلك الغرفة القديمة.
أخرجت سند البيت.
اشتريت لك بيتًا صغيرًا في حي هادئ. ليس قصرًا، لكنه بيت نظيف. فيه حوش، ومطبخ واسع، وغرفتان،
تراجع أبو سيف كأنني دفعته.
لا.
نعم.
ما أگدر أقبل.
تگدر.
لا يا سيف. هذا كثير.
ضحكت بمرارة.
كثير؟ وبيع دمك من أجل كتبي لم يكن كثيرًا؟ وأكلك الخبز والشاي حتى أشتري أنا ملابس المدرسة لم يكن كثيرًا؟ ونومك على الكرسي في محطة العلاوي يوم سافرت للجامعة لم يكن كثيرًا؟
غطى فمه بيده.
أني كنت مسؤول عنك.
لا.
فتحت الورقة الثالثة.
الفحص.
الورقة التي كنت أخافها.
كنت أبي.
تجمد أبو سيف في مكانه.
تجمد لدرجة أنني ظننت أنه لم يفهم.
وضعت الورقة في يديه.
قرأ السطر الأول.
ثم اختفى اللون من وجهه.
لا.
خرج صوته مكسورًا.
مستحيل.
ليس مستحيلًا.
أمك...
أمي كانت تعرف.
ضغط الورقة على صدره.
لا. لو كانت تعرف، كانت قالت لي.
أرادت أن تقول لك.
أخرجت الرسالة.
كانت قديمة، عليها آثار رطوبة وثنيات متعبة. وجدتها داخل صندوق صغير كانت أمي تحتفظ فيه بصور قديمة، وإيصالات، وخصلة من شعري عندما كنت رضيعًا.
لم يأخذها أبو سيف في البداية.
كان خائفًا.
وأنا أيضًا كنت خائفًا.
قلت
اقرأها.
هز رأسه رافضًا.
إذا قرأتها، كأنها تموت قدامي مرة ثانية.
قلت بصوت مرتجف
إذن دعها تتكلم أخيرًا.
جلست مريم بجانبنا من دون أن تقول شيئًا.
فتح أبو سيف الرسالة بيدين ترتجفان.
ظهر خط أمي كأنه صوت عائد من بعيد
أبو سيف، سيف ابنك. سامحني. الظروف فرّقت بيننا في الوقت الذي كان يجب أن نكون فيه معًا. وتحت ضغط العائلة اتخذت قرارات ندمت عليها طوال عمري. كبر سيف بعيدًا عن الحقيقة، بينما كنت أنت ترعاه وتعتني به وتمنحه حب الأب من دون أن تعرف أن الدم الذي يجري في عروقه هو من دمك. كل مرة كان يناديك فيها باسم أبو سيف كان قلبي ينكسر. أردت أن أخبرك مرات كثيرة، لكنني خفت أن أخسر ما تبقى من حياتنا.
أطلق أبو سيف صوتًا لم يكن بكاءً ولا صراخًا.
كان وجعًا قديمًا تأخر عشرين سنة.
همس
كنت أعرف.
تجمدت مكاني.
ماذا؟
ظل ينظر إلى الرسالة.
ليس بورقة. ولا بفحص. لكن عندما رأيتك وأنت رضيع... كانت أذناك تشبه أذني. ويداك تشبه يدي. وطريقتك في النوم ويدك مقبوضة... كانت مثلي. أمك قالت لي لا تسأل. وأنا لم أسأل.
سألته
لماذا؟
نظر إلي بعينين ممتلئتين.
لأنني لو سألت وقالت لا، كنت سأنكسر. ولو قالت نعم، ربما كنت سأغضب. فاخترت أن أحبك من دون إذن.
لم أعد أستطيع التماسك.
جلست على الأرض أمامه.
الرجل الذي باع دمه من أجلي كان يشعر طوال عمره أنني ربما ابنه، ومع ذلك لم يطالب بشيء.
ولا مرة.
ولا حتى عندما كنت مراهقًا وصرخت في وجهه وقلت له أنت لست أبي.
ولا عندما ابتعدت
ولا عندما