باع زوج أمي دمه
كشك شاي وقيمر تحت.
قلت
أحيانًا يبيعون سلطة بسعر يخوف.
نظر إلي بصدمة.
سلطة؟ يعني خس وطماطة؟ بفلوس كثيرة؟
ضحكت.
قدمته في الشركة.
صافحه زملائي باحترام. خرج المدير لمقابلته لأنني طلبت ذلك. كان أبو سيف يرتدي قميصًا أبيض وبنطالًا بنيًا وحذاءه القديم المرقع، رغم أنني كنت قد اشتريت له حذاءً جديدًا.
قال لي قبل أن نخرج
هذا الحذاء يعرف طريقي.
في قاعة الاجتماعات، أمام الشاشات والأرقام والناس الذين يتحدثون عن الاستثمار كأن المال يولد نظيفًا، قلت
هذا أبو سيف. أبي. درست لأن هذا الرجل باع دمه ليدفع لي الدورات، والمواصلات، والكتب، والطعام. لذلك إذا قال أحد يومًا إنني صنعت نفسي وحدي، سأقف وأخرج.
لم يتكلم أحد.
خفض أبو سيف رأسه من الخجل.
ثم رفع يده وقال
لا تصدقوه. الولد يحب المبالغة.
ضحك الجميع.
لكنني رأيت المدير يمسح عينيه.
ذلك اليوم، عندما خرجنا، قال لي أبو سيف
ما كان لازم تقول هذا الكلام.
قلت
كان لازم.
سأل
لماذا؟
قلت
حتى يسمعوني. وحتى أسمع نفسي.
مشينا حتى وصلنا إلى مقهى صغير.
توقف أمام واجهة زجاجية كبيرة.
قال
أمك كانت ستفرح بك.
ابتلعت غصتي.
قلت
وكانت ستخجل لأنها لم تقل الحقيقة.
هز رأسه.
أمك فعلت أشياء وهي خائفة. هذا لا يجعلها سيئة. يجعلها إنسانة.
قلت
سرقت منك سنوات.
قال
وتركتك لي.
لم أستطع الرد.
هناك أناس يحبون بطريقة تسكت كل حججك.
بعد أشهر أنهينا الإجراءات القانونية.
ليس لأن الورق كان لازمًا كي نحب بعضنا.
بل لأن الورق أيضًا
في دائرة الأحوال المدنية، وقع أبو سيف بيد مرتجفة. ووقعت أنا أيضًا. وعندما خرجنا، صارت أوراقي تقول ما كانت حياتي تعرفه متأخرة
سيف.
ابن أبي سيف.
نظر إلى الورقة وقال
الآن تحمل اسمي.
قلت
كنت أحمله دائمًا. فقط كان ينقصه الحبر.
ذهبنا بعدها لتناول الغداء في مطعم شعبي. طلب أبو سيف سمك مسكوف، رغم أن الطبيب منعه من الإكثار. كانت مريم تراقبه كأنها شرطية.
قال
نجوت من العملية... ولم أنج من زوجة ابني.
قالت مريم
بالضبط.
كان يحبها.
وأنا أيضًا.
مع الوقت، بدأ أبو سيف يتحسن.
لم يعد شابًا.
لا أحد يعيد للجسد ما أخذته منه سنوات الفقر.
لكنه صار يمشي صباحًا، يسلّم على الجيران، يشتري الخبز، يجادل بائع الخضار، ويتعلم أن يجلس دون أن يبحث عن شيء يصلحه.
كنت أحيانًا أجده في الحوش، ينظر إلى يديه.
أسأله
بماذا تفكر؟
يقول
أفكر أن هذه اليدين طلعت نافعة.
أقول
أكثر مما تتخيل.
فيقول
لا. بس على قدرها.
لم أعد أجادله.
كنت أجلس بجانبه فقط.
في إحدى الأمسيات أعطاني صندوقًا.
داخله إيصالات قديمة، تذاكر باص، فواتير مكتبة، شهاداتي المدرسية، صورة أول زي مدرسي لي، وورقة قديمة من بنك الدم.
سألته
لماذا احتفظت بكل هذا؟
قال
لأن الإنسان عندما لا يملك مالًا، يحتفظ بما يثبت أن تعبه كان موجودًا.
أمسكت ورقة بنك الدم.
كانت قديمة، وكلماتها بالكاد تُقرأ.
قال
هذه كانت من أجل أول دورة حاسوب أخذتها.
تذكرت الأوراق النقدية التي
قلت
يابه...
قال
لا تبكِ. كانت تلك الدورة تعجبك كثيرًا.
قلت
كلفتك دمك.
نظر إلى البيت.
وإلى السماء.
وإليّ.
وقال
وشوف شنو صارت.
ثم أضاف
استثمار ناجح.
احتضنته.
هذه المرة لم يرتبك.
احتضنني هو أيضًا.
بعد سنوات، عندما عاد المرض، لأن الحياة أحيانًا تطالبك بثمنها حتى لو دفعت كل شيء، لم يكن أبو سيف خائفًا.
كان في سريره داخل بيته، والنافذة مفتوحة، وصوت الشارع يدخل خفيفًا. كان يمسك مسبحة أمي بيد، ويدي باليد الأخرى.
قال
ولدي... لا تبقى تحسب ديون المحبة.
قلت
لا أستطيع.
قال
تعلّم. أنا ما ربيتك حتى ترد لي. ربيتك حتى لا تترك نفسك.
تنفس ببطء.
ثم قال
ولا تعود تقول لرجل كبير إنك لن تعطيه دينارًا واحدًا، حتى لو عندك مفاجأة. تراها توجع.
ضحكت وأنا أبكي.
قلت
كنت غبيًا.
قال
جدًا.
قلت
سامحني.
قال
سامحتك من يوم المسجد.
أغمض عينيه.
ثم فتحهما مرة أخرى.
قال
قلها مرة ثانية.
كنت أعرف ماذا يريد.
اقتربت منه.
قلت
يابه.
ابتسم.
الآن صارت كاملة.
رحل مع الفجر.
بلا صراخ.
بلا دين.
بلا غرفة مستأجرة.
رحل وله بيت باسمه، واسمه في أوراقي، وصورة أمي قربه.
في يوم دفنه، كان الهواء محمّلًا برائحة التراب والورد. جاء جيران السوق، والميكانيكيون، والحمّالون، ونساء كان يساعدهن في قضاء الحاجات، وشباب أصلح لهم دراجاتهم دون مقابل. كنت أظن أن أبا سيف كان فقيرًا.
كنت مخطئًا.
كان يملك ثروة من الناس الذين بكوه دون أن يطلب منهم شيئًا.
وعندما
رفعتها أمام الجميع.
قلت
أبي باع دمه حتى أدرس. وبعد سنوات جاء يطلب مني المساعدة، فقلت له لن أعطيك دينارًا واحدًا.
همس الناس باستغراب.
أخذت نفسًا عميقًا وقلت
لأن الابن لا يقرض من أعطاه حياته. الابن يرد بالبيت، والرعاية، والاسم، والحضور. ومع ذلك، لا يكفي.
نظرت إلى قبره.
أبي لم يترك لي ملايين. ترك لي شيئًا أصعب واجب ألا أنسى من أين بدأت.
اليوم أكسب أكثر مما كان ذلك الطفل في الغرفة القديمة يتخيل.
ما زلت أعمل في الشركة، بين المكاتب الزجاجية والاجتماعات الطويلة.
لكن في مكتبي، لا أضع شهادتي الجامعية في المكان الأبرز.
أضع صورة أبي سيف، بقبعته القديمة، وهو يبتسم أمام بيته الجديد.
وتحتها وضعت لوحة صغيرة
أول مستثمر في حياتي. الدفعة الأولى دم.
كلما دخل أحد وسأل، أحكي القصة.
ليس حتى يعجبوا بي.
بل حتى أخجل من نفسي إذا فكرت يومًا أنني صنعت نفسي وحدي.
لأن أبا سيف لم يكن أبي الحقيقي، هكذا قالوا جميعًا.
ثم أثبتت الورقة أنه كان كذلك.
لكن الحقيقة الأكبر لم تكن في فحص الحمض النووي.
كانت في الأوراق النقدية المهترئة.
في الزي المدرسي النظيف.
في الطعام الذي كان يضعه أمامي وهو يقول إنه لا
يشعر بالجوع.
في دكة المسجد التي بكى عليها وهو يظن أن ابنه تخلى عنه.
وفي مفتاح البيت الذي نام فيه أخيرًا دون أن يطلب إذنًا من أحد.
الأب ليس فقط من يعطي دمه مرة واحدة.
الأب هو من يعطيه مرة بعد مرة، من دون
أبو سيف أعطاني دمه بكل الطرق الممكنة.
وأنا، ولو متأخرًا، فهمت أن هناك ديونًا لا تُسدد بالدنانير.
تُسدد حين تنطق كلمة واحدة من أعماق قلبك
يابه.