جارتي كانت بتحفر حفره في الجنينه
جارتي كانت بتحفر حفرة في الجنينة كل أسبوع وتردمها قبل الغروب.. لمدة 4 سنين كنت فاكرها بتخبي جـ.ـريمة، لكن لما البوليس كبس على البيت الصبح، اكتشفت إن الحقيقة كانت أصعب بكتير من اللي اتخيلته………..
جارتي كانت بتحفر حفر في جنينتها كل أسبوع.. وفجأة البوليس كبس عليها الصبح!
في منطقتنا، فيه بيوت تحسها مليانة حياة، ناس بتشوي، عيال بتلعب عجل، وجيران بيسلموا على بعض من فوق السور. لكن منطقتي ماكنتش كده خالص. كان يسودها هدوء مريب يخليك توطي صوتك من غير ما تعرف ليه.
وفي البيت اللي جنبي بالظبط، كانت عايشة أكتر واحدة هادية في الدنيا: الست هدى.
بقالي 4 سنين ساكن جنبها، وفي كل السنين دي، متهيألي منطقناش مع بعض أكتر من 20 جملة. ست عندها 72 سنة، أرملة، وعايشة لوحدها تماماً. ستايرها دايماً مقفولة ليل نهار، ونور المدخل مبيتشغلش أبداً، وصندوق البوسطة بتاعها كان دايماً مليان جوابات كأن محدش لمسها من سنين.
لكن كل يوم سبت، من غير ولا مرة تأخير، كانت بتخرج جنينة بيتها
"يا سارة، أهي بدأت تاني،" قلت لمراتي يوم سبت الصبح وأنا بختلس النظر من ورا شيش المطبخ. سارة حتى مابصتليش وهي بتشرب القهوة وقالت:
"بدأت إيه تاني يا حاتم؟"
"الحفر يا سارة! في الجنينة.. في نفس المكان بتاع الأسبوع اللي فات."
سارة اتنهدت تنهيدتها المعتادة لما بفتح سيرة الست هدى: "يا حبيبي دي ست وحيدة وكبيرة في السن، سيبها تحفر براحتها."
"بس هي مش بتزرع حاجة يا سارة! هي بتحفر الحفرة، وتفضل قاعدة جنبها ساعات، وبعدين تردمها تاني قبل الغروب."
"يمكن وقع منها حلق؟" سارة قالت بسخرية.
"كل سبت؟ ولمدة 4 سنين؟"
سارة بصتلي أخيراً بابتسامتها اللي معناها إنها جابت آخرها: "حاتم، أرجوك.. مش هنبدأ في الموضوع ده تاني."
"أنا بس بقول إن الموضوع غريب. يعني بعد ما جوزها مات، كان المفروض تدور على ونس، مش تتعامل كأن العالم كله بيراقبها."
ردت سارة بذكاء: "ما يمكن عشان فيه جيران حشريين فعلاً بيراقبوها!"
سكتّ، بس كان فيه حاجة في الست هدى مش مريحاني.
"شفتي وشها امبارح؟" سألت سارة.
"وش مين؟"
"الست هدى. لما العربية السيلفر وقفت قدام بيتها، وشها بقى أصفر زي الليمونة، افتكرتها هيغمى عليها."
سارة حطت كوبايتها باهتمام: "عربية مين دي؟"
"معرفش، واحد لسه شاب، في الأربعينات كده. حتى مخبطش على الباب، دخل بمفتاحه علطول."
"ممكن يكون ابنها."
"هو هي عندها ابن؟"
"يا حاتم بقالك 4 سنين جارها ومعرفش إن ليها ابن؟"
"يا بنتي دي مابتكلمش حد! هعرف منين؟"
سارة ضحكت وقالت: "أهو ده اللي بقولهولك، خليك في حالك، إنت متعرفش الناس دي حياتها فيها إيه."
"أنا بس حاسس إنها خايفة من حاجة."
"إنت متهيألك."
"لا يا سارة، الخوف باين في عينيها."
سارة طبطبت على إيدي
بعد الظهر، شفت الست هدى وهي بتردم حفرة تانية والشمس بتغيب. وقبل ما تدخل بيتها، لاحظت حاجة لأول مرة: ستارة الدور اللي فوق اتهزت.
هي مكنتش بتدفن حاجة.. هي كانت بتخبيها. وفيه حد جوه البيت كان بيراقبها وهي بتعمل كده.
السبت اللي بعده، مقدرتش أستحمل. رحت ناحية السور وناديت عليها بأدب:
"يا حاجّة هدى؟ صباح الجمال، الجو النهاردة يرد الروح، مش كده؟"
مردتش. الكوريك كان شغال ببطء وتعب، كأن كل شيلة تراب وزنها طن.
"يا حاجّة هدى؟"
اتنفضت وقالت بصوت واطي: "أه.. أهلاً يا ابني."
قلت وأنا ساند على السور: "كنت بسأل حضرتك بتزرعي إيه؟ بقالي كتير بشوفك وبقول يا رب تطلع حاجة حلوة."
الكوريك وقع من إيدها على الأرض. وهمست: "مفيش.. حاجة مش مهمة."
"بس إنتي كل سبت هنا.. حاجّة هدى، إنتي بتحفري على إيه؟ محتاجة مساعدة؟"
عينيها راحت بسرعة لشبابيك بيتها،
"بس يا حاجّة..."